مقررات “بروكسيل 3” تدحض تلفيقات التوطين

نجح الوفد اللبناني إلى مؤتمر “بروكسيل 3” تحت عنوان “دعم مستقبل سوريا والمنطقة” برئاسة رئيس الحكومة سعد الحريري، في إيصال الموقف اللبناني إلى المجتمع الدولي بضرورة عودة النازحين السوريين الى بلادهم اليوم قبل الغد. وأكد الحريري في كلمته التي أتت منسجمة مع البيان الوزاري، أن “الحل الوحيد هو العودة الآمنة، مع احترام القوانين والمعاهدات الدولية”، معلناً “التزام الحكومة العمل مع هيئات الأمم المتحدة حول أي مبادرة لعودة النازحين من بينها المبادرة الروسية”.

دعم المجتمعات المضيفة ومن بينها لبنان في تحمّل أعباء أزمة النازحين، كان محط تركيز المؤتمر وانعكس في مقرراته، إذ بلغت مساهمات الوفود نحو 7 مليارات دولار، طالب لبنان بالحصول على نحو 2.900 مليار دولار منها وحصل على وعود بتأمين 2.600 مليار.

ويتبيَّن من المقررات والندوات التي عُقدت، أن هناك شبه تطابق في الرؤية بين الموقف الدولي والأوروبي وبين الوفد اللبناني المؤلف من الحريري ووزيري الشؤون الاجتماعية ريشار قيومجيان والتربية أكرم شهيب، وأن هناك إجماعاً وإصراراً دوليين على عودة النازحين، وحقهم بالعودة، لكن على العودة الآمنة التي يكفلها حل سياسي دائم، لا رميهم في “فم الأسد”. ولم يتم التطرق إلى توطين النازحين في أماكن اقامتهم، لا مباشرة ولا مواربة، على لسان أي من ممثلي الدول المشاركة.

ومن إشارات التناغم بين الموقفين الدولي والوفد اللبناني، وحرص المجتمع الدولي على الوقوف إلى جانب لبنان وحماية مصالحه، هي استجابة الدول المشاركة للمطالب اللبنانية وصرف النظر عن البنود التي لم يوافق عليها، مثل: رفض الوفد عبارة الاقامة المستدامة، وعدم الموافقة على تمويل فرص العمل للنازحين، بالإضافة الى الوعد بزيادة التمويل المخصص للبنان.

ونقلت معلومات صحفية عن الوفد اللبناني المشارك في المؤتمر انه ألغى عبارة “العودة المستدامة”، وطلب إضافة إقامة مؤمنة أو أوراق ثبوتية في البيان الختامي، وكان للوفد اللبناني ما أراد. ما يدحض الفبركات عن ضغوط أو ترغيب يمارسه المجتمع الدولي على لبنان بهدف تلازم التمويل بالتوطين وما شابه من تلفيقات، بل على العكس، إذ ظهر تفهم الدول المشاركة في المؤتمر للوضع اللبناني الدقيق والأعباء الجدية التي يتحمّلها جراء أزمة النازحين، وكان مستمعاً ومستعداً لتقبُّل الطروحات اللبنانية وتقديم كل ما يلزم للخروج من الأزمة.

واللافت أمس، الرسالة الموحَّدة التي نُشرت للسفيرين الفرنسي والألماني في لبنان، برونو فوشيه وجورج بيرغلين، وأكدا فيها على “رغبة مشتركة لفرنسا وألمانيا في مساعدة السوريين للعودة الى وطنهم. وللوصول الى هذا الهدف، علينا سدّ الفجوة بين رغبة اللاجئين بالعودة وعدم قدرتهم على ذلك حالياً”.

وأكد السفيران الفرنسي والألماني أن “العائق الرئيسي هو مناخ الخوف والظلم في سوريا. ولفتا إلى أن النظام “اعتقل وأخفى نحو 70.000 ألف سوري. والاعتقالات وأعمال التعذيب والقتل مستمرة حتّى يومنا هذا. وعمليات الاعتقال على أيدي الأجهزة السورية تعسّفية لدرجة انه أصبح من المستحيل على أيّ لاجئ الثقة بالعودة الآمنة. فهم يعلمون انّ الظلم البنيوي بانتظارهم”.

وشدد السفيران على أنه “على دمشق أن تضع حدّاً موثوقاً للاعتقالات التعسّفية. وعليها التوقف عن تقييد عمل المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، كي تستطيع التحرك بحرية داخل سوريا للوصول إلى كلّ العائدين وحمايتهم”. مع التشديد على نقطة أساسية أنه “يحقّ لكل لاجئ العودة إلى دياره. ويجب أن نتّحد في الدفاع عن حق جميع السوريين بالعودة”.

وعلى سبيل البحث، نظريا، ثمة نقطة أساسية جوهرية، وهي أن الدستور اللبناني يمنع التوطين بشكل مطلق، وإذا كان جميع الفرقاء يعلنون رفضهم لذلك، فكيف سيتم تعديل الدستور لفرضه على مجلس النواب والحكومة في ظل الاجماع على رفضه؟!

وأكد قيومجيان خلال لقاءاته وندواته ضمن أعمال المؤتمر، أن “لبنان قدَّم الكثير، وينبغي على المجتمع الدولي أن يعمل بقوة لتهيئة الظروف المناسبة لعودة النازحين”. ودعا إلى “تعزيز ودعم القوانين المتعلقة بالمطالبة بالممتلكات والعمل على ضمان الحماية داخل سوريا من خلال معالجة انعدام الأمن ومخاوف التجنيد القسري والاحتجاز والاختفاء، وهي عوامل يعتبرها النازحون أكبر الموانع التي تقف في وجه عودتهم إلى ديارهم”.

كما أشار شهيب في الندوة المخصصة للتربية، إلى أن “المتابعة الحثيثة للملف لا تؤكد وجود رغبة فعلية لدى النظام السوري في إعادة النازحين خارج سوريا إلى بيوتهم، ناهيك عن أن النازحين في الداخل السوري لا يستطيعون العودة إلى قراهم ومدنهم بسبب الفرز الديموغرافي الذي مارسه النظام”.

إذاً، تمكن الوفد اللبناني من تخطي كل التشويش الذي سبقَ الزيارة، مغلقاً الأبواب على المزايدات الصغيرة الشعبوية حول موضوع النازحين على أنواعها. خصوصا تلك المتعلقة بـ”التلفيقات المسيئة لصورة لبنان” حول التوطين، والتي أبدى وزير الشؤون الاجتماعية أسفه حيالها في حديث إلى إذاعة “لبنان الحر”.

وما يدعو للاستغراب الشديد في هذا السياق، هو استمرار البعض في الداخل بعرقلة الجهود الدولية المبذولة لحلّ هذه المسألة الضاغطة على الواقع اللبناني، وحرف الأنظار عن المعرقل الأساسي لعودة النازحين السوريين، أي نظام الأسد، والإصرار على التنسيق مع هذا النظام ومحاولة رفده بشيء من الشرعية التي فقدها بفعل التقتيل والتعذيب والتهجير الذي مارسه منذ اندلاع الأزمة السورية.

ويبقى أن ما لا يمكن إغفاله أو إنكاره أو التعامي عنه، هو أن النظام السوري لا يرغب باستعادة النازحين لأسبابه المتعلقة بالتغيير الديمغرافي الذي يعمل عليه لضمان وضعيته المستقبلية. انما هو يسعى لاستغلالهم كورقة ضغط على المجتمعات المضيفة والمجتمع الدولي، في محاولة لانتزاع اعتراف بدور ما له في سوريا المستقبلية، وتحقيقا لأحلام التطبيع والعودة إلى التدخل في لبنان.

من هنا لا يستقيم كلام المغالين في الدعوة للتطبيع مع هذا النظام أن الغالبية الساحقة من النازحين هم معه أو محايدون، فما الذي يمنعه من التجاوب مع المساعي الدولية لتسهيل عودة مناصريه كما يقولون؟ بل لماذا لا يدعوهم هو ويسهّل عودتهم إلى بلداتهم وقراهم ولو سكنوا في خيمة كالتي يسكنوها في لبنان وغيره من بلدان اللجوء، لو كان فعلا ضنيناً بهم؟ الجواب بسيط، لا شيء. وهذا ما يعيد تلفيقات الملفّقين إلى جحورها وأوكارها، ويظهر بهتان ادعاءاتهم.

لو كان هؤلاء حريصون فعلا على مصلحة لبنان ويرغبون صدقاً في المساهمة بتحقيق عودة النازحين، لواجهوا صديقهم رئيس النظام السوري بشار الأسد وطالبوه بتسهيل عودتهم، ولقاموا بالعمل على تأمين أفضل التنسيق مع المجتمع الدولي بأسره خدمة لمصالح لبنان. لكن المسألة لا تعدو كونها ورقة بالنسبة إليهم في بازار الصفقات والمشاريع والرغبات، السياسية وغير السياسية منها.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل