مكسيميليان ريلّو… الباشا اليسوعيّ

كتبت “المسيرة” – العدد 1692

مكسيميليان ريلّو – الباشا اليسوعيّ مؤسس الجامعة اليسوعية

لكي يدخل لبنان إرتدى زي شيخ واعتمر طربوشاً ووضع عمامة

 

كرّمت جامعة القدّيس يوسف ببيروت مؤسّسها مكسيميليان ريلّو بتعليق صورة له في سكن الطلّاب. لم تكن صورة تقليديّة. فالرجل الذي فيها لا يبدو يسوعيًّا بل ضابطًا تركيًّا، أي باشا. فهو لا يعتمر القبّعة الكهنوتيّة، بل يضع عمامة بيضاء؛ ولا يرتدي جبّة كهنوتيّة بل قميصًا أنيقًا وبرنسًا. وأكثر ما يجعله يشبه ضابطًا في الجيش العثمانيّ هو مقبض السيف الذي يظهر في الصورة.

 

كانت لريلّو أسباب وجيهة دفعته إلى التنكّر، لأنّه كان محرّمًا على البولنديّين دخول لبنان، ولكن ممّا لا شكّ فيه أنّه كان يستمتع بهذا الزيّ. وكان يرتديه عندما يسافر ذهابًا وإيّابًا إلى نصف أوروبا وكلّ الشرق الأوسط. وذات يوم دُهِشَ الأب روثان عندما قيل له إنّهم رأوا ريلّو في روما بهذا الزيّ الخلاّب: «مستحيل، إنّه في سوريا! وصلتني رسالة منه منذ بضعة أسابيع فقط».

ولِدَ ريلّو في بودوروسك، ليتوانيا البولنديّة، واعتبر نفسه بولنديًّا طوال حياته. بعد أن درس في مدرسة بولوتسك، التحق في العام 1819 بجامعة فيلينيوس. وفي السنة التالية قرّر الالتحاق باليسوعيّين في السنة التي طُرِدَت الرهبنة فيها من روسيا. ورفض الآباء في هذه الظروف اصطحابه معهم، فتشبّث بإحدى العربات التي تقلّهم إلى المنفى وتدبّر أمر مروره بالحيلة. ورُسِمَ كاهنًا في الحادي والثلاثين من عمره في 21 كانون الأوّل 1833…

 

عُيِّن أستاذًا للفلسفة بعد نجاحه في الوعظ. لكنّ روما كانت صغيرة جدًّا بالنسبة إليه؛ وشعر بانجذابٍ إلى سحر الشرق، وطلبه رفيقه الأب ريكادونّا رئيس دير بكفيّا في لبنان.

وتحقّقت أمنياته. ولكي يتمكّن من دخول لبنان، ارتدى زيّ شيخٍ واعتمر طربوشًا ووضع عمامة. بدأ المُرسَل الرسوليّ باستكشاف المنطقة؛ وبعد زيارة حجٍّ إلى الأماكن المقدّسة، سافر إلى بلاد ما بين النهرين، وقابل الإكليرُس القبطيّ واللاتيني وجمع بقايا أثريّة.

كانت توصيته الأساسيّة حين عاد إلى روما في 30 كانون الأوّل 1837 هي تأسيس مدرسة تأهيل كلّ إكليرُس الشرق الأوسط. عليها أن تتأسّس في بيروت «حيث يسهل الوصول إلى الجزر الهنديّة»، كما قال بتفاؤل واضح؛ وستسمّى «إكليريكيّة آسيا الغريغوريّة»، وتُصنّف كمدرسة إيطاليّة، ملزمة بتدريس العربيّة والتركيّة والإيطاليّة.

 

ورفض مجمع نشر العقيدة هذا المشروع، لأنّ هذه المدرسة تنافس المدرسة الرومانيّة لنشر الإيمان. وأرسل ريلّو رسالة استئناف إلى غريغوريوس السادس عشر وانطلق بمشروعه. وأطلق عليه البابا إسم Barbuto، أي الملتحي، «جنديّ أكثر منه راهب» و»المتغطرس»، لكنّه وافق على قراءة تقرير ريلّو الطويل؛ وحذف منه بعض المقاطع وكتب على الهامش: «يجب تأسيس المدرسة».

بدأ العمل بالبناء في الخريف من دون الحصول على فرمان أي على إذن رسميّ. وأدار العمل الأخ بوناسينا، وكان خبيرًا بالبناء. كانوا يعملون طوال الليل لئلّا يلحظهم أحد؛ وعندما بدأت الجدران تظهر بين الأشجار، ألبس بوناسينا عمّاله قمباز الرهبان وطلب إليهم العمل وهم يديرون ظهرهم إلى الطريق لئلاّ يُعرَفوا. وفي 25 أيّار 1841، كتب ريلّو إلى الرئيس العامّ رسالة على ورقة ترويستها: «معهد بيروت». وفُتِحَت الصفوف في خريف العام 1841 لمئة طالب.

 

تعثّر القطب المتّقد «بالوضع المعقدّ والميؤوس منه والمكيدة المتفاقمة التي يعاني منها الشرق الأوسط، ممّا جعل تنفيذ الممكن مستحيلاً تمامًا». فمشروع ريلّو بحاجة إلى قوى تحميه، غير أنّ قوى عديدة تسعى للسيطرة على المنطقة: إنكلترا وروسيا والنمسا. وتودّد ريلّو لإنكلترا وأهان فرنسا. وتجاهل التطلّعات الفرنسيّة للسيطرة على المنطقة التي تعتبرها لها حين أسّس «المدرسة الإيطاليّة». وحلّ الأب بلانشيه محلّ ريلّو، وهو راهب فرنسيّ، وأصبحت «مدرسة بيروت» أو «إكليريكيّة آسيا الغريغوريّة» تسمّى «جامعةَ القدّيس يوسف».

لا شكّ في أنّه ظلّ يحلم بمشاريع ضخمة. فجعل مشروع الرسالة الإفريقيّة ينضج حتّى نال موافقة السلطات. وأوكله روثان بتنفيذ مشروعه الأخير.

 

نفّذ الرسالة خمسة كهنة. اجتمعوا في 18 نيسان 1847 عند مصبّ نهر النيل في الإسكندريّة، في بداية الرحلة التاريخيّة إلى أعالي النهر في الخرطوم.

استطاع ريلّو رفع ثلاثة تقارير الأوّل إلى مجمع نشر الإيمان والثاني إلى الرئيس العامّ اليسوعيّ والثالث إلى جمعيّة انتشار الإيمان. وتلقّى أمرًا بالتوجّه إلى روما للحصول على الموافقة النهائيّة على المشروع، لكنّه لا يستطيع القيام بذلك. كان تحسّنه الصحّيّ ظاهريًّا وليس فعليًّا، ودام أربعة أشهر. وتأزّم وضع صحتّه ثانيةً في 11 حزيران ، ونال في السابع عشر من الشهر عينه سرّ مسحة المرضى. فتحوّل الإعصار إلى مجرّد نَفَسٍ ليتوقّف نهائيًّا قبل نحو ساعتين من موعد المغيب.

(عن موقع الرهبنة اليسوعية)

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل