مقاومة الجامعة: لا ندعَنّ روح الحرية تضعف فينا -1

كتبت “المسيرة” – العدد 1692

كلمة رئيس جامعة القديس يوسف ـ بيروت الأب سليم عبو بمناسبة الإحتفال بعيد الجامعة السنوي في 19 آذار 2003

 

مَن منّا لا يخشى فظائع الحرب على العراق ولا يخاف تداعياتها الإقليميّة والمحليّة؟

مَن منّا لا يفرح بمظاهر الإجماع اللبنانيّ الرافض للحرب ولاستعمال القوّة وانتهاك القانون الدوليّ؟

مَن منّا لا يقدّر التضامنَ اللبنانيّ – السوريّ في مواجهة التهديدات الخارجيّة؟

مَن منّا لا يتمنّى أن يكون هذا التضامن فاتحةً لتنقية العلاقات الثنائيّة؟

ولكنْ …

مَن ذا الذي لا يلاحظ الالتباس الذي يشوب عبارات المديح والثناء، وهي أقرب ما تكون إلى شهادة حسن السلوك التي يمنحها للبطريرك والأساقفة الموارنة مَن كانوا في الأمس القريب يكيلون لهم الاتّهامات؟

مَن ذا الذي لا يرى أنّ التضامن اللبنانيّ – السوريّ هو، حتّى إشعارٍ آخر، أقرب إلى التبعيّة منه إلى التشاور؟

مَن ذا الذي لا يعرف أنّ الوضع السياسيّ في لبنان لم يتغيّر، وأنّ المطالبة بالاستقلال لم تتأجّل إلاّ مؤقّتاً؟

مَن ذا الذي لا يؤمن بأنّ واجب التذكّر يُملي علينا التذكير بالتدابير السلبيّة القريبة العهد، على أمل ألاّ تتكرّر مرّةً أخرى؟

بيْدَ أنّ هذه التدابير السلبيّة ليست سياسيّة فحسب؛ فهي أيضاً من طبيعةٍ أكاديميّة وثقافيّة، وأودّ أنْ أبدأ كلمتي بهذه الأخيرة.

 

••••

حَضرات السيّدات والسادة الأساتذة،

وممثّلي الهيئة الإداريّة والطلبة،

أيّها الأصدقاء،

لقد أبرزتُ باستمرار، بصيَغٍ مختلفة، في الكلمات كلّها التي ألقيتُها منذ العام 1996، سواءٌ في مناسبة الاحتفال بعيد جامعة القدّيس يوسف السنويّ، أم في مناسبة الاحتفال بتوزيع الشهادات على الخرّيجين، الوظائفَ الثلاث الأساسيّة لكلّ جامعةٍ جديرة بهذه التسمية، وهي: تنشئة الطلاّب تنشئةً علميّةً وإنسانيّة، وتعزيز الثقافة الوطنيّة، والدفاع عن الحريّات العامّة والفرديّة. وبيّنتُ في الوقت نفسه بشكلٍ متواصلٍ المقتضيات التي تفترضها ممارسةُ هذه الوظائف ممارسةً سليمة. وأوجزتُ، في سياق هذا التوجّه، في الخطاب الذي ألقيته في اختتام الاحتفالات لمناسبة انقضاء مئةٍ وخمسٍ وعشرين سنةً على تأسيس جامعة القدّيس يوسف، رسالةَ هذه الجامعة، في صيغةٍ اتّخذها منذ ذلك الحين عددٌ كبيرٌ من الأساتذة والطلاّب شعاراً لهم، حين أكّدتُ أنّه يتعيّن على جامعة القدّيس يوسف أنْ تكون وتظلّ مركزاً للتفوّق والامتياز، ومقاماً رفيعاً للثقافة، وحيّزاً للحريّة.

 

وشدّدتُ في هذه الكلمات كلّها من دون استثناء، على البعد النقديّ الذي يتّسم به عملنا؛ وذلك على المستوى التربويّ أوّلاً، لأنّه إنْ كانت غاية الجامعة نقل المعارف، فإنّه يتوجّب عليها أيضاً أنْ تحثَّ على التفكير في القيمة النسبيّة لهذه المعارف وفي مدى تأثيرها على مستقبل الإنسان؛ وعلى المستوى الاجتماعيّ ثانياً، لأنّ الجامعة إنْ كانت مدعوّةً إلى التكيّف مع حاجات المجتمع المتغيّرة، فإنّه يتوجّب عليها أيضاً أنْ تحتفظ بهامشٍ من حريّة التصرّف يتيح لها أنْ تبدي رأيها في تطوّره؛ وعلى المستوى السياسيّ أخيراً، لأنّ الجامعة إنْ كانت تربّي مواطني الغد، الذين يعون واجباتهم تجاه الدولة، فإنّه يتعيّن عليها أيضاً أنْ تدافع عن حقوقهم في مواجهة الدولة. ولكن حين يتعرّض الخطاب النقدي للقمع والكبت بذريعةِ أنّه ينال من الروح الأكاديميّة، ومن النظام الاجتماعيّ، أو من أمن الدولة، فإنّه يتحوّل لا محالة إلى مقاومة.

 

وإنْ اخترتُ لكلمتي هذه عنوان الجامعة ودورُها المقاوِم ، فلأنّ جامعة القدّيس يوسف مدعوّةٌ، في نظري، في الظروف البالغة الخطورة التي نمرّ بها، إلى التصدّي لثلاثة أنماطٍ من الأخطار التي تتجلّى تِباعاً على المستوى الأكاديمي، والمستوى الثقافي، والمستوى السياسيّ. فيتعيّن علينا أنْ نقاوم انهيار التعليم العالي الناجم من التكاثر السرطاني للمؤسّسات الجامعيّة أو التي تدّعي لنفسها هذه الصفة؛ وأنْ نقاوم التردّي الثقافي في مجتمعٍ قلّما يُعنى بأنْ يعبّر عن نفسه تعبيراً أصيلاً عالميّ المدى؛ وأنْ نقاوم نظاماً سياسيّاً يُغضي إغضاءً تامّاً عن تطلّعات الشعب ولا يألو جهداً في قمع ما يعبّر عنها.

 

المقاومة الأكاديميّة

ليس تكاثرُ مؤسّسات التعليم العالي الخاصّة وقفاً على لبنان ؛ فإنّه يبرز في عددٍ كبيرٍ من بلدان الشمال والجنوب ؛ وهو من نتائج الليبراليّة المفرِطة التي تسِمُ عولمةَ المبادلاتِ التجاريّة وتدويلَ تكنولوجيا الاتّصالات. ولكنّه بلغ في لبنان حجماً مذهلاً. ويمكنكم أنْ تقدّروا ذلك بأنفسكم. فخلال ثلاثة أرباع القرن لم يكنْ في لبنان كما تعرفون، إلاّ جامعتان، كلتاهما خاصّة، هما الجامعة الأميركيّة في بيروت وجامعة القدّيس يوسف، اللتان كانتا تُعِدّان النُخبَ الإداريّة، والاقتصاديّة، والسياسيّة للأمّة. ثمّ تأسّست في العام 1951 الجامعة اللبنانيّة، وهي الجامعة الرسميّة. وأُنشئت بعد ذلك بعشر سنوات، جامعتان جديدتان. وأبصر النور بين عامَي 1984 و1996، حوالى عشرين مؤسّسة جامعيّة، ومثل هذا العدد منها بين عامَي 1996 و2000. فآل الأمر بلبنان، الذي يعدّ حوالى أربعة ملايين نسمة، إلى أنْ يضمّ اليوم اثنتين وأربعين مؤسّسة للتعليم العالي. ولا يقتصر الأمرُ على ذلك : ففي وزارة التربية والتعليم العالي ما لا يقلّ عن خمسةٍ وثلاثينَ طلب ترخيصٍ تنتظر إقرارها، ويرمي بعضُها إلى إنشاء مؤسّساتٍ جديدة، وبعضُها الآخر إلى استحداث كليّاتٍ أو معاهد أو اختصاصات جديدة في مؤسّساتٍ قائمة. ويُقال إنّ بعض طلبات الترخيص هذه أُرفقت بها مبالغُ طائلةٌ من الرشاوى. وذلك ممكن.

 

لا بدّ هنا من إبداء ملاحظتَين. أمّا الأولى فمفادُها أنّ المؤسّسات الجامعيّة كانت، حتّى العام 1996، لا تتوخّى الربح؛ ولقد نمت وتوسّعت، منذ ذلك التاريخ، «سوقٌ حقيقيّةٌ للتعليم العالي»، تهيمن عليها تجمّعاتٌ من المستثمرين اللبنانيّين والأجانب، مؤلّفةٌ من مجموعاتِ مساهمين أو من شركاتٍ تجاريّة. وعلى هذا الصعيد أيضاً، ليست هذه الظاهرة وقفاً على لبنان. فلقد لاحظ عددٌ من خبراء اليونسكو، في شهر تشرين الأوّل من العام 2002، أنّ «الاتّفاقيّة العامّة لتجارة الخدمات»، المعقودة في إطار منظّمة التجارة العالميّة، تشمل خدمات التعليم ما بعد الثانويّ؛ غير أنّهم لاحظوا أيضاً أنّ تأثير هذه الاتّفاقيّة – الحسن أو السيئ – في أنظمة التعليم في البلدان الصناعيّة والبلدان النامية يطرح قضيّةً محوريّة، هي ضمان جودة التعليم. ولكنّ لبنان – وهذه هي ملاحظتي الثانية – لا يُعنى البتّة بهذه القضيّة. فلا يخضع فيه تكاثرُ المؤسّسات الجامعيّة المفرِط لا إلى سلطةٍ وطنيّةٍ تنظّمه، ولا إلى نظامٍ دوليّ للاعتماد. فينجم عن ذلك أنّ مجموعة المؤسّسات الجامعيّة تؤلّف لوحةً متنافرة العناصر، تراوح بين الجامعات المحترمة التي تحظى شهاداتها بالاعتراف على الصعيد الدوليّ، والمؤسّسات التي يُمكننا أنْ نسمّيها، بكلّ ثقةٍ، «دكاكين توزيع الشهادات». ويتساءل البعضُ عن إمكانيّةِ وجود نيّةٍ مبيّتة، أو إرادةٍ خبيثة، ترمي تحت ستار الليبراليّة المفرِطة المرتبطة بالعولمة، إلى إضعاف التعليم العالي الخاصّ في لبنان. وذلك ممكن.

 

يولّد تكاثرُ المؤسّسات الجامعيّة المفرِط والعشوائي مسيرةً تنافسيّةً، تقدّم للطالب سهولةَ الدراسة والحصول على الشهادة كمعيارٍ وحيد يأخذ به في اختيار المؤسّسة التي سينتسب إليها. فلا يسعُ مؤسّسةً كجامعتنا أنْ تواجهَ هذا النهجَ الديماغوجي إلاّ بالمزيد من السعي إلى التفوّق والامتياز. وإنّ «رؤيا» جامعة القدّيس يوسف للسنوات الخمس المقبلة تدعو إلى هذا المزيد من التفوّق والامتياز بالذات. وسأعرض أمامكم اقتراحاتها في هذا الخصوص: «تُقرّر جامعةُ القدّيس يوسف أوّلاً: تنشئةَ أفضل الطلاّب في لبنان والمنطقة، وتزويدَهم بجوازِ عبورٍ إلى العمل؛ ثانياً: أنْ تصبح مركزاً للتفوّق والامتياز في حقل البحث العلميّ والابتكار؛ ثالثاً: أنْ تشجّعَ على الحوار من خلال الثنائيّة الثقافيّة والتعدّد اللغويّ؛ رابعاً: أنْ تظلّ حيّزاً للتفكير وللتنشئة الشاملة للشخص». ومن جهةٍ أخرى، إذ تَعتمدُ جامعتُنا النظامَ الأوروبي لاحتساب الأرصدة الجامعيّة، فإنّها تسعى جاهدةً إلى تعزيز التفاعل بين المعلّم والمتعلّم وإلى اعتماد بنيةٍ بسيطةٍ تُتيحُ مراقبةَ نوعيّة التعليم وتَقييمَ عمل الطالب، تلحظ إنشاءَ مجلسٍ تربوي، على مستوى الجامعة، يُعهد إليه بتقييم المشاريع التي يتمّ تحقيقها في مختلف مؤسّساتها، واعتماد نظام المشرفين التربويّين على الطلبة في مؤسّساتها كافّةً.

 

إنّ مشروع الإصلاح التربويّ الذي هو قيد الإعداد حاليّاً يستدعي تغييراً حقيقيّاً في العقليّة والمواقف عند الأساتذة والطلاّب على السواء. ويطول هذا التغييرُ أوّلاً العلاقة التربويّة التي ترمي إلى تعزيز وَعي الطالب مسؤوليّاتِه، وذلك عن طريق إشراكه في تنشئته بالذات. يخشى عددٌ من الأساتذة ألاّ يبقى لهم متّسعٌ من الوقت، إنْ خصّصوا رُبعَ النصاب التدريسي أو ثلثَه للعمل الذي يُنجزه الطالب بنفسه، ليرسّخوا فيه المفاهيم الأساسيّة الخاصّة بالمادّة التي يدرّسونها، ويتيحوا له أنْ يستوعبها. وليست هذه الخشية في محلّها إلاّ إذا اقتصرت مراقبةُ المعارف على الامتحان الخطّي التقليديّ أو على بطاقة المطالعة. فيتعيّن أنْ نبتكر أنماطاً جديدةً من التمارين تحمل الطالب على أنْ يقوم بنفسه بمقاربةٍ نقديّةٍ للمفاهيم الأساسيّة والمبادئ المرتبطة بها، وأنْ نؤمّن مواكبةً صارمةً لعمله. وغنيٌّ عن البيان أنّ أنماط التمارين تختلف باختلاف المادّة المدرَّسة.

 

ويتناولُ مشروعُ الإصلاح ثانياً إعادةَ النظر في البرامج. حاولتُ مراراً، عندما كنتُ عميداً لكليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة، أنْ أقنع رؤساءَ الفروع بأنّ سنوات الإجازة الثلاث لا تشكّل مرحلةَ تخصّصٍ بالمعنى الدقيق للكلمة، وبأنّه يُستَحسَن أنْ نُفرد مكاناً للثقافة العامّة في برنامج الإجازة. ولكنّ محاولاتي باءت بالفشل. فقد كان رؤساء الفروع يدافعون عن برامجهم بالاستناد إلى «ما كان معمولاً به في فرنسا». ولكنّ فرنسا قرّرت اليوم أنْ تفرِضَ ما كنتُ أقترحه منذ خمس عشرة سنة. فيتساءل وزير التربية الوطنيّة، لوك فرّي (Luc Ferry)، في وثيقةٍ بعنوان «آفاق جديدة للتعليم العالي»، لماذا يستمرّ التلامذةُ الذين ينتسبون إلى الصفوف التحضيريّة لمباريات المدارس العليا «في الإفادةِ من تنشئةٍ في الثقافة العامّة، في حين أنّ الطلاّب الذين ينتسبون إلى الحلقة الجامعيّة الأولى، ينخرطون مباشرةً في تخصّصٍ مبكّر جدّاً (…). وتشوبُ النواقصُ في مادّة الثقافة العامّة العلومَ الإنسانيّة والثقافةَ العلميّة على السواء». غير أنّه يضيفُ موضحاً: «يجب ألاّ نجعل من التعليم الجامعيّ في الحلقة الأولى صورةً طبق الأصل عن التعليم في الصفوف التحضيريّة حيث تتراصف الاختصاصات، بل علينا بالعكس بناء تنشئةٍ في الثقافة العامّة تكون جزءاً لا يتجزّأ من التخصّص الذي يختار الطالبُ أنْ يتّجه نحوه». ويختم كلامه داعياً الأساتذة إلى التفكير في نسبة التنشئة في الثقافة العامّة التي يجدر إدراجها في صلب البرامج، في إطار نظام الأرصدة الأوروبيّ.

 

ويتناول مشروعُ الإصلاح أخيراً ما أرغب في تسميته الحرص على تعدّد الاختصاصات، وهو أبعد مدىً من ممارسة تعدّد الاختصاصات، سواءٌ أتمّ ذلك على مستوى الحلقة الأولى، عن طريق تنشئةٍ في الثقافة العامّة موجّهةٍ نحو التخصّص الذي يختاره الطالب، أم قام على التعاون المنظَّم بين الاختصاصات، وذلك على مستوى الأبحاث التي تجري في نطاق الحلقتَين الثانية والثالثة. إنّ الحِرصَ على تعدّد الاختصاصات ينمّ على موقفٍ عقليّ عند الأستاذ، وقَعتُ على شرحٍ موفّقٍ له في مقالٍ نشرته مجلّة M.A.U.S.S، وقد جاء فيه: «إنّ الاختصاصات مسوَّغة تسويغاً تامّاً على المستوى الفكريّ، شرطَ أنْ تحافظ على انفتاحٍ في الرؤيا يعترف بوجود ترابط وتضامن، وأنْ يتصوّرهما. بل هي لا تكتسب تسويغَها التامّ إلاّ إذا لم تحجب الحقائق الكليّة. فعلى سبيل المثال، تشترك الاختصاصاتُ البيولوجيّة المختلفة واختصاصاتُ العلوم الإنسانيّة كافّةً في أجزاء من مفهوم الإنسان (…). وهي تتناول في الواقع جوانب متعدّدة لواقعٍ مركَّب، ولكنّها لا تكتسبُ دلالتَها إلاّ إذا كانت متّصلةً بهذا الواقع، عوضاً من أنْ تُغفله. ومن المؤكّد أنّه لا يمكننا تكوين علمٍ موحَّد للإنسان من شأنه أنْ يُلغي ما في الإنسان من تعدّدٍ مركَّب. المهمّ هو ألاّ ننسى أنّ الإنسانَ موجودٌ وأنّه ليس وهماً «ساذجاً» يتصوّره مفكّرون أنَسيّون ينتمون إلى مراحل سابقة لظهور العِلم في صيغته المتطوّرة، وإلاّ أفضى بنا الأمرُ إلى حالةٍ عبثيّة».

(يتبع)

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل