حزب الله على الحياد بين “المستقبل” و”التيار”

استعرت حدة المواجهة بين أركان التسوية الرئاسية. وبلغ التصعيد المفتوح منذ أكثر من أسبوع بين تيار المستقبل والتيار الوطني الحر مراحل متقدمة، حول ملفات عدة. وجلسة مجلس الوزراء المقررة في بعبدا الخميس المقبل، تُعقد على وقع الخلافات الساخنة بين رئيس الحكومة سعد الحريري ووزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل.

“سعاة الخير” يعملون على خط التخفيف من حدة المواجهة القائمة بين الجانبين، وترميم العلاقة التي اهتزت. لكن التوترات المتلاحقة تزيد الوضع الحكومي اهتزازاً وتدفع إلى المزيد من انعدام الثقة بالحكومة وخططها الإنقاذية. كما تعطي انطباعاً سيئا للمجتمع الدولي والدول المانحة في مؤتمر “سيدر” عن مدى جدية أركان الحكومة، أو بعضهم، باعتماد مقاربة جديدة لمعالجة القضايا الشائكة التي يعاني منها الوضع اللبناني. علما أن جلسة مجلس الوزراء الرابعة لهذه الحكومة، تُعقد عشية زيارة وزير الخارجية الأميركية مايك بومبيو المتوقعة الجمعة المقبل.

صحيح أن الحريري جزم أنه “لا يمكن لأحد أن يوقف عمل الحكومة”، وأكد خلال لقائه وفداً من نقابة الصحافة بالأمس، أن “التسوية زواج ماروني لمصلحة البلد وكلنا متفاهمون عليها، والزكزكات السياسية ستنتهي”، لكن حملات التصعيد في المواقف ووسائل إعلام الطرفين تخطت سقوفاً “حمراء” هذه المرة.

وقاربت الحملات التهديد بإسقاط الحكومة من قبل رئيس “الوطني الحر” مع رفعه لاءاته “الناهية” خلال المؤتمر العام السنوي لـ”التيار”، محدداً المسارات والخيارات التي يجب اعتمادها لإدارة الدولة في ملفات النازحين والفساد والكهرباء وغيرها، وإلا “لا حكومة”، كما قال.

لم تبدأ الخلافات حول ملف النازحين ومحاولة فرض التطبيع مع النظام السوري. ولم تتوقف عند التعيينات العسكرية وسائر التعيينات وشهوة الاستئثار “النافرة”. ولم تخفت حرارتها عند عنوان الفساد الذي يسلك مسارات شرسة حتى الساعة، عبر تصويب السهام نحو “الحريرية السياسية” وأبرز رموزها الرئيس الأسبق فؤاد السنيورة، فيما الحركة خجولة في أفضل الأحوال على مسارات واتجاهات أخرى. ولا يبدو أنها ستصل إلى نهايتها قريباً، رغم التطمينات ومحاولة إشاعة أجواء التفاؤل.

فالمرجح أن توتير الأجواء الحكومية ومسلسل الخلافات لن يصبحا من أفعال الماضي في المدى القريب، كما توحي المناخات السائدة، على الرغم من عدم “تجرؤ” أحد على الوصول إلى نقطة اللاعودة ونسف التسوية القائمة. وثمة كلام كثير في الأوساط السياسية حول موقف حزب الله الحقيقي من هجوم باسيل على الحريري والحكومة، وما إذا كان هناك تنسيق بين الطرفين للنيل سياسياً من الحريري أو عدم إراحته ومواصلة الضغط عليه بغية إلزامه بأجندة سياسية معينة.

حتى الساعة، لا يبدو تصعيد باسيل واضح النيات والدوافع والأهداف، على الرغم من وضوح الكلمات التي استخدمها. ويطرح عدد من المراقبين تساؤلات حول “أسرار” مبادرته عند كل استحقاق إلى توتير الأجواء السياسية والحكومية، بدل أن يكون أكثر الساعين لإنجاح الحكومة واستعادة الثقة المفقودة داخلياً ودولياً بصفته أحد المكونات الأساسية فيها. اللهم سوى ممارسة لعبة الابتزاز لتحقيق أوسع المكاسب طالما أُتيح المجال!

ويسأل هؤلاء المراقبون، أين المصلحة في هذا التوتير وعرقلة انطلاقة الحكومة وخلخلتها وهزّ الثقة الدولية المرتجاة؟ مضى عامان ونصف العام على التسوية الرئاسية، ورئيس الجمهورية ميشال عون لم يتمكن بعد من الاقلاع بحكومة طبيعية تعمل وتنتِج وتبني وتصحّح وتغيّر وتنقذ الوضع، رغم كل الخطابات الرنانة التي لا تؤتي أكلها فيما البلاد من سيء إلى أسوأ، فهل ما تبقى من وقت يكفي لتحقيق الأعاجيب خصوصاً في ظل هذا المناخ وهذه الممارسات؟

واللافت في هذا السياق، رفع عون نبرته في مسألة مكافحة الفساد، إذ قال من بعبدا بالأمس خلال إطلاق الحملة الوطنية لاستنهاض الاقتصاد اللبناني “الآن بدأت معركة الفساد، وهذا عهد قطعته على نفسي، وان شاء الله قبل هلال رمضان المقبل سيكون هناك قسم كبير منه قد صححناه. الآن نسمع اعتراضات، ولكن في هذه المعركة ليس هناك حصانة لأحد، وهذا ما يجب ان يعرفه الجميع”.

موقف عون، معطوفاً على ما نُقل عن أوساط رئاسية من تفسيرات لتهديد باسيل، ومفادها أن فريق رئيس الجمهورية و”الوطني الحر” متمسك بالتسوية لكن من ضمن معادلة مختلفة وعلى قاعدة توازنات معينة في الحكومة مع امتلاكه 11 وزيراً، يعكس عمق التباين القائم. ويعني أن التعاطي بهذا التبسيط المتكرر مع الخلافات الأساسية، يترك الباب مفتوحاً لتفجّرها في أي لحظة عند أي خلاف جديد.

الحجار: لا أحد يستطيع حشر الحريري

يؤكد عضو “كتلة المستقبل” النائب محمد الحجار في حديث إلى موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، أن “أي افتراء أو موقف ينال من تيار المستقبل، التيار سيردّ. ولن يردّ ليقيم سجالاً، بل ليصوِّب مغالطات أو مواقف تناله بشكل أو بآخر”. ويضيف: “نحن نعتبر أن الوقت الآن هو لكي يعمل الجميع يداً واحدة كي تتمكن الحكومة من العمل والانتاج، وإلا فالضرر سيطاول الجميع، الحكومة والعهد، كما جاء في مقدمة تلفزيون المستقبل”.

ويشير عضو “كتلة المستقبل” إلى أن “من مصلحة جميع الأفرقاء السياسيين أن تنهض الأشغال في البلد، وأن تتركز اجتماعات الحكومة على همّ الوصول إلى حلول للمشاكل الكثيرة التي نواجهها”.

لا يعلّق الحجار مباشرة على ما تردد في بعض الصحف التي تشير الى اتفاق ضمني بين حزب الله و”الوطني الحر” لحشر رئيس الحكومة في زاوية معينة والضغط عليه، ويقول إنه “اطلع على ما ورد”، واضعاً إياه في باب “التحليل”. لكنه يؤكد “ألا أحد يستطيع حشر الرئيس الحريري، ولا حشر تيار المستقبل”.

ويشدد على أن “مواقف تيار المستقبل واضحة وجليّة أمام كل الناس. لا شيء لدينا نخفيه، وليس همّنا إقامة المتاريس. ما نقوله، لنعطي المجال أكثر وليكن الهمّ الساكن لدى الجميع هو كيفية إيجاد الحلول للمشاكل التي تحيطنا، ولتنفيذ مستلزمات مؤتمر سيدر، كي يتمكن لبنان من النهوض والخروج من المأزق الموجود فيه”.

ويلفت إلى أن “المحشور في الزاوية اليوم ليس تيار المستقبل، بل لبنان الذي يقبع وضعه الاقتصادي والاجتماعي في الهاوية. وإذا لم نعرف كيف نخرجه منها، عندها (راحت علينا كلنا سوا)”.

مصادر حزب الله: لسنا مع حليفنا كيفما كان

مصادر حزب الله تنفي في حديث إلى موقع “القوات”، أي اتفاق بين حزب الله و”الوطني الحر” يتعلق بتصعيد الهجوم على رئيس الحكومة، وتؤكد أن ما يتردد في بعض الصحف “هو استنتاج غير مبني على أي معلومة، أو أي شيء يمكن الاستناد إليه، أبدا”.

وتعلن موقفاً أقرب إلى “الحياد الإيجابي” في الخلاف القائم بين الطرفين، وتقول: “نحن لا نتعامل بهذا الأسلوب، وكأن البلد يخوض صراع شطرنج ونحن نتعاون مع هذا الفريق ضد ذاك. نحن لا نتصرف هكذا”. وتضيف: “أي شخص يقوم بتقريب وجهات النظر، مرحَّب به. فأي لعبة من هذا النوع لا تعني أن من يقوم بها يبني بلداً، بل يقوم بفرز القوى ويفرز نفسه في حالة معينة”.

وتشدد المصادر ذاتها على أن ما يهم حزب الله هو “التوازن بين جميع القوى واتفاقها على بناء البلد. فأي خلاف يؤدي إلى زعزعة البلد وتعطيل عمل الحكومة غير مرحَّب به، (مع مين ما كان يكون). وسنبذل أي جهد لتطويق أي خلاف من شأنه أن يسبِّب تعطيل عمل الحكومة في ظل وضع البلد الحساس جدا في العناية الفائقة”.

وتتابع: “نحن لسنا من عقلية مساندة حليفنا هكذا كيفما كان لأنه على خلاف مع طرف ليس حليفاً لنا. لا نتصرف هكذا. وأي جهد يطوّق خلافاً بين أفرقاء مشاركين في الحكم، هو محلّ ترحيب وسنعمل عليه. فبناء الأوطان لا يكون بالتشفي، ومن خلال القول مثلاً فلان ضدنا في السياسة فلنقف مع ذاك ضده. ما هكذا تبنى الأوطان، بل عبر تحكيم العقل. وأي خلاف يزعزع أو يوتّر العمل الحكومي نحن لسنا معه، (شو ما كان يكون)”.

وتعطي المصادر دليلاً لتأكيد كلامها، أنه “حتى عندما نكون بصدد خصم لنا في السياسة، فإن أدنى مبادرة جيدة صادرة عنه، نشكر فيها ونذكرها”.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل