.jpg)
أعادت الحوادث الإرهابية الأخيرة في الدول الأوروبية إلى الأذهان، خصوصاً هجوم المسجدين في نيوزيلندا، الهجمات الإرهابية المتطرّفة التي أودت بحياة الآلاف في السنوات الأخيرة والتي ارتبطت بشكل وثيق مع تنامي الفكر “الداعشي” بين المتشددين.
وفيما يحتضر “داعش”، كتنظيم واحد موحّد، ويضمحّل ويتراجع على الساحة السياسية في المنطقة، تظهر ذئاب منفردة تخطّط، تنفّذ، وتودي بحياة مئات الأشخاص كلمح البصر بكل دماء باردة.
من نيوزيلندا إلى هولندا إلى النرويج إلى بروكسيل… “الانحراف” في المعتقدات يتفشّى شيئاً فشيئاً.
أكثر ما أثار الدهشة والرّيبة هو تعليل سفاح المسجدين في نيوزلندا فعلته بالدفاع عن “المسيحيين في ظلّ تنامي التطرّف الإسلاميّ”، على حدّ افتراضه، فكان ضحية إجرامه مصلّين أبرياء دفعوا ثمن تصفيات وهمية.
سيناريوهات عدة فَرضت نفسها وذهبت أبعادها إلى حد تحليلات عدة لشخصية المجرم ودوافعه وُضعت في خانة المرض النفسي، باعتبار أن الحادثة بتفاصيلها وبحرفية تنفيذها هي الأولى من نوعها رفعت من مستوى الإجرام.
أمام هذا الواقع المستجد، تشير المعالجة النفسية ريما بجاني إلى أن دوافع ارتكاب شخص ما جرائم متطرفة هي حالة نفسية “مرضية” سببها الرفض وعدم تقبل الآخر، والدليل الأكبر هو تعليل سفاح نيوزيلندا فعلته بأنه بات العالم مهدداً بعد تصاعد “الإرهاب الإسلامي”، على حدّ تعبير السفاح.
“الشخص يكون مقتنعاً بانه مهدد من الآخر المختلف، ويعيش حالة نفسيّة تدفعه إلى التشبع بالكره والأفكار التطرفية الرافضة للآخر. يعيش في دوامة من الأفكار السلبية تجعله يقتنع بها تماماً ويشكّل من حوله، إن وجد ضرورة، مجموعة صغيرة من اشخاص أهدافهم مماثلة لتخطيط وتنفيذ العمليات الإرهابية. لذلك نرى غالباً ان من ينفّذ عملياته الاجرامية مرتاحاً وغير متردد”، وفقاً لبجاني.
إذا الإرهاب، كفكر، ليس وليد اليوم، هو نتيجة عوامل نفسية متراكمة تدفع الشخص إلى ارتكاب الجريمة، لماذا إذاً تنامت هذه الظاهرة في الآونة الأخرة؟ أم أن الإعلام سلّط الضوء على هذه الأحداث بالتحديد؟
“لكل إنسان ميول إجرامي بطبيعته، لكن لحظة الذروة التي دفعت الإرهابيين إلى توسيع عملياتهم كانت بعد الهجمات التي شهدتها الولايات المتّحدة في 11 أيلول العام 2001، المعروفة بأحداث 11 سبتمبر”.
أحداث “الذروة” التي أودت بحياة 2977 شخصاً، كانت حافزاً للفكر التطرفيّ وجعلت منه أكثر حنكة وإرهاباً وتخطيطاً، هذا من جهة. “من جهة أخرى، للإعلام دور أساسي بالإضاءة على هذه الأفعال أو التعتيم عليها وما نلاحظه في الفترة الأخيرة هو تسارع وسائل الإعلام إلى تغطية هكذا أحداث لاستثمارها كسبق صحفيّ يشدّ المتابعين ويكسب ثقتهم”.
هجوم المسجدين في نيوزيلندا، ربط بين الاعمال الإرهابية والألعاب الالكترونية (PUBG، Fortnite، وغيرها…). ولكن هذه الألعاب ليست بجديدة، أقله كمحتوى، فلماذا يتم اليوم الإضاءة على ما يُعتبر “خطورةً” في الألعاب الإلكترونية العنيفة؟
تعتبر بجاني أن معظم الأجيال الحالية نشأت على ألعاب إلكترونية مماثلة لـPUBG وغيرها “وهذه الألعاب ليست سبباً رئيسياً للإقدام على العنف. الألعاب الإلكترونية تسبب عدة اضطرابات نفسية، خصوصاً إذا كان الفرد من المدمنين عليها، لكن من سابع المستحيلات أن تحوّل لعبة الكترونية شخصاً إلى مجرم”.
وتضيف بجاني، “من يقدم على الإجرام يعاني أساساً من مشاكل نفسية هي وليدة ظروف عاشها في عائلته أو مجتمعه أو بيئته، والألعاب الإلكترونية وسيلة ابتكار للمنفّذ تقدّم له فكرة السيناريو الذي يخطط لتنفيذه لا أكثر ولا أقلّ، لذلك ربطت الأغلبية بين الألعاب الإلكترونية والإجرام”.
وتعطي المعالجة النفسية مثلاً عن إقدام الشاب علي يونس (مواليد 2003)، على قتل أبيه العام 2017 ليبدأ بعدها بإطلاق النار عشوائياً على من صادفه في الحي وقتل ناطور المبنى المقابل، ورجل من التابعية السورية كان يستقل دراجة في الحي، وتبيّن لاحقاً ان الشاب يعاني من عدة مشاكل عائلية دفعت به إلى ارتكاب الجريمة.
ظاهرة الإرهاب تتنامى، والذئاب المنفردة تتكاثر، والمستهدف الدائم في الآونة الأخيرة هي البلدان الأوروبية تحديداً، فهل نشهد على جيل جديد لتنظيم داعشيّ في الدول الأوروبية؟