مليونا علبة دواء أعصاب سنوياً… “الصحة النفسية” على سكّة “القوات”

“كزاناكس”، “ليكزوتانيل”، “ديانكسيت”… أسماء لأدوية يستخدمها اللبنانيون في أحاديثهم اليوم للتعبير عن حالة نفسية صعبة. ترد هذه الأسماء في الكثير من الأحيان على سبيل المزاح، لكنها تدلّ على الواقع الذي نعيشه، في بلد أرضه خصبة جداً لإنتاج مشاكل نفسية. واقع الحياة الرديء وغياب الضمانات الاجتماعية والاقتصادية والتقلّبات السياسية التي لا تنتهي، تفاقم التوتر وتزيد من المشاكل النفسية.

في الواقع، لا يوجد اختلاف في نِسَب الأمراض النفسية بين لبنان والخارج. مرض الكآبة هو الـTop 1 بين الأمراض النفسية على مستوى العالم، ما دفع منظمة الصحة العالمية الى إعلان 2017 “سنة الاكتئاب”، وتأتي اضطرابات القلق Anxiety في المرتبة الثانية.

لكن ما يثير القلق في لبنان، تلك الأرقام التي تتحدث عن الانتحار، إذ يشهد لبنان حالة انتحار واحدة كل يومين، أي ما يقارب 183 حالة سنوياً وتتراوح اعمار معظمهم بين 15 و29 عاماً.

أن يصل فرد الى وضع حدّ لحياته، ففي الأمر مصيبة، وأن يستهلك لبنان سنوياً حوالي مليون وخمسمئة ألف علبة دواء أعصاب و800 ألف علبة دواء مضادة للاكتئاب، أزمة حقيقية كبيرة لا بد من التوقف عندها.

نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الصحة العامة السابق غسان حاصباني، أكد خلال إطلاق حملة التوعية على الصحة النفسية في أيلول 2018، أن هناك شخصاً من كل 4 سيمرّ في اضطراب نفسي خلال حياته، وأن 9 من كل 10 أشخاص يعانون اضطرابات نفسية، ولا يمكنهم الوصول إلى الرعاية التي يحتاجون إليها بسبب جملة عوامل.

صحيح أن النظرة تغيرت اليوم عما كانت عليه في السابق تجاه المعالجة النفسية، واستخدام كلمة “الجنون” لم يعد لها اي قيمة طبية، لكن تحديات كثيرة ترافق هذا الملف بدءا من الوعي العام تجاه العلاج النفسي وطبيعته وكلفته وقوننته.

وانطلاقاً مما تقدم، بادرت دائرة المحللين والمعالجين النفسيين في حزب القوات اللبنانية الى وضع القطار على السكة الصحيحة، وتحت شعار “نفسيتك بخير، صحتك بخير”، تعقد الدائرة مؤتمرها الأول في معراب في الاول من نيسان 2019، حاملة معها مشروعاً يقضي باقتراح قانون يتم العمل عليه لـ”اعتراف الضمان الاجتماعي بالمعالجة النفسية وبالفاتورة النفسية”.

 

“القوات”: على الضمان الاعتراف بالعلاج النفسي

تشدد رئيسة دائرة المحللين والمعالجين النفسيين في “القوات” ريما بجاني على أن “علم النفس في أيامنا هذه لم يعد ترفاً، وأن معظم الأفكار التي كانت سائدة والمتعلقة بالمعالجة النفسية سقطت”، موضحة أن معاينة المرضى والمشاكل الاجتماعية تحتمان ضرورة المتابعة النفسية، تماماً كما المعاينة الصحية وأمراض القلب وغيرها.

تلفت في حديث لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني الى وجود كثيرين ممن يلجؤون الى الدواء، مؤكدة أن المعالجة والمتابعة تغنينا عن ذلك. وترى أن المتابعة النفسية تساعد المجتمع على أن يكون أكثر ترابطاً وتحد من حالات الدخول الى مستشفيات تُعنى بالمشاكل العصبية والنفسية، لا سيما ان هذه المراكز الطبية ممتلئة بالمرضى.

وتوقفت بجاني عند العائقين الأساسيين اللذين يمنعان الإنسان من التوجه الى المعالج النفسي، وإذ شرحت الفكرة السائدة سابقاً، “لست مجنوناً ولا أريد معالجة”، أكدت أن هذه الذهنية تقلصت كثيراً عما كانت عليه في السابق وبات الانفتاح على العلاج النفسي أكبر، لا سيما عند الأهل الذين يطلبون متابعة لأولادهم إن شعروا بخطب نفسي ما. وأضافت، “هناك الكثير من المشاكل النفسية المخبأة داخل جدران البيوت، وهي بمثابة قنابل موقوتة”.

وتؤكد رئيسة دائرة المحللين والمعالجين النفسيين في “القوات” أن عامل المال يشكل عائقاً كبيراً امام المواطن لاستكمال علاجه النفسي، فـ”الضمان لا يعترف بالمعاينة النفسية، والأوضاع الاقتصادية دقيقة وكلفة المُعالِج مرتفعة، وبالتالي يعتبر المريض أن هناك أولويات أخرى تتقدم على العلاج النفسي، فيوقف زياراته الى المعالج”.

وتطالب بأن يكون لبنان أسوة بكل بلدان العالم التي يعترف الضمان الاجتماعي بالاستشارة والمعالجة والمتابعة النفسية، فيها، مضيفة، “جو العمل تغير، في السابق كانوا يعملون في الأرض والمناجم اليوم معظم الأعمال مكتبية وموَتِرة في الوقت نفسه. طبيعة عملنا باتت تفرض علينا المتابعة النفسية ولم يعد الإنسان قادراً على تحمل الضغوط اليومية وهو غير قادر في معظم الأحيان، وبعد الانتهاء من عمله، على إيجاد مساحة للراحة والإفراج العاطفي Defoulement”، ناصحة بالتمارين الرياضية لإخراج الطاقة السلبية من الجسم.

وتشدد بجاني على ضرورة أن يعترف الضمان الاجتماعي بالمعاينة الطبية النفسية، لأنها اصبحت ضرورية، لافتة الى أن الدائرة عقدت لقاءات تنسيقية مع النائب السابق إيلي كيروز، لدراسة الآلية القانونية التي سيحملها تكتل “الجمهورية القوية” الى مجلس النواب، كي يعترف الضمان بالعلاج النفسي.

وتضيف، “مشروعنا من خطوتين، المؤتمر الذي سيكون نقطة الانطلاق، وآلية تعديل او اقتراح مشروع القانون والإعلان عنها”، مؤكدة أن أدراج مجلس النواب لا تخبئ اي اقتراح من هذا النوع.

وترى بجاني أن مشروع القانون هذا سيساهم في خفض الفاتورة الاستشفائية لحوالى 50 %، من خلال تقلّص كمية دواء الأعصاب التي يتناولها المواطنون واستقبال المستشفيات النفسية للمرضى..

 

العلاج النفسي يخفض الفاتورة الصحية

رئيسة قسم علم النفس في الجامعة اللبنانية الدكتورة بولا كلاس تشدد بدورها على أن اعتراف الضمان الاجتماعي بالعلاج النفسي خطوة أساسية لصحة نفسية سليمة، مشيرة الى محاولات كثيرة جرت في هذا الإطار، لكنها لم تبصر النور، وتوقفت عند اللغط الكبير حول عدم اعتراف الضمان بالفاتورة النفسية.

وتلفت الى أننا “بتنا مجتمعاً يتكلم “علم النفس” وهذا أمر جيد، لكن الدولة ممثلة بوزارة الصحة، لا تستطيع إعطاء إذن مزاولة مهنة المعالجة النفسية، ولا تعترف في المقابل بالتغطية في الضمان، مطالبة بأن يترافق هذا الاعتراف مع دراسة واضحة لتحديد بدل المُعالج أو الطبيب النفسي، لأننا نسمع اليوم عن بدلات خيالية”.

وتشدد كلاس على أن المريض يقلق من المتابعة النفسية لأنها مكلفة، مشيرة الى وجود بعض المستوصفات التي تعنى بالعلاج النفسي، لكنها غير كافية ولا تغطي فعلا الحاجة، كما أن عدداً من الجامعات بدأ بإنشاء مراكز صحة نفسية في المناطق، لان الناس باتت مهيأة للعلاج النفسي، وسيكون القانون بمثابة المظلة لاستكمال كل هذه الحركة.

وتابعت، “بمجرد أن نبحث بقانون المعالجين النفسيين الذي سيخرج قريباً من وزارة الصحة، يجب الاعتراف بالمعالجة النفسية”.

وتتوقف الدكتوة كلاس عند أهمية الصحة النفسية التي لا يمكن فصلها عن كل العوارض الجسدية والأمراض التي قد نعاني منها، فالأمراض الجسدية والصحة النفسية مرتبطتان ببعضهما. وفي شرحها لمنطق الوقاية من بعض الأمراض، تشدد على أن الأمر يحتاج الى التوعية، إذ عندما يشخص الطبيب حالة مريض ويتبين معه من خلال الفحص السريري أن الأخير لا يعاني شيئاً بيولوجياً، على الطبيب أن يحيل المريض الى المعالج النفسي، لان الـضغط سيخلق حتماً مشكلة جسدية.

وتؤكد أن الاهتمام بالصحة النفسية يوفر اقتصادياً مصاريف كثيرة، من خلال الوقاية من امراض يمكن أن نتخطاها بالمتابعة النفسية (الضغط، السكري، القلب…).

وفي هذا الإطار، تشير منظمة الصحة العالمية الى أن الاضطرابات النفسية تكلف الاقتصاد العالمي سنوياً نحو 925 مليار يورو، في ظلّ ما تسببه أيضاً من انقطاع عن العمل وخسائر في الإنتاج، محذرة من المماطلة في إيجاد حلول سريعة وفعالة لهذا الواقع.

كما طالبت “جامعة هارفارد” كل دولة من دول العالم بأخذ الصحة النفسية أولوية تنموية، وحتى ذلك الحين “ستبقى الصحة النفسية السبب في تراجع الشعوب والاقتصادات”.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل