#adsense

أغلى ما تسرقه دولتنا منا!

حجم الخط

قد يعتقد المرء أنّ أغلى ما يملكه في هذه الحياة هو الصحة والمال. وفي حال سئل عن ممتلكاته التي يمكن سرقتها، ستكون الاجابة، المال. كيف لا، ونحن في أشدّ العصور مادية، إذ أصبح تعريف الأشخاص مرتبطاً بحجم حساباتهم في المصارف. لكن لا، للأسف فما تسرقه دولتنا أثمن بكثير من المال، لسبب واحد بسيط، استحالة التعويض بأي من الأشكال.

للأسف هنالك لصوص لا يعاقبهم أحد، وهم من يسرقون منك وقتك، وما أكثرهم في بلدنا. والمحزن أنّ فئة كبيرة من الشعب ومن اللصوص ليسوا على دراية بقيمة الوقت، وامتلاكنا الحصري له. فعمليات السرقة هذه تحصل من دون إدراك السارق ولا المسروق. ثقافة الوقت مغيّبة بشكل شبه تام، إذ تأقلمنا مع الموضوع وتناسيناه، وسنون عمرنا تجري ونحن نضيّع الوقت، أو يُهدر وقتنا.

إذا بدأنا بالمواطن نفسه، فهو المجرم والضحية في آن معاً، إذ إنه مرتكِب ومُرتكَب به. وهكذا دواليك تستمر المعادلة دون حؤول أي عنصر لكسرها. لدرجة، أنّ التوقيت اللبناني وطريقة احتساب الوقت أصبحت مهزلة المهازل وموضوع الساعة والحجة الحاضرة. نشأنا على احترام الكثير من المبادئ لكن أحدا لم يخبرنا أن الشيء الأكثر توجباً للاحترام، هو الوقت. وإنْ احترمنا الوقت، احترمنا هو بالمقابل، وقدم لنا ما نحاول جاهدين الحصول عليه.

لا المدارس ولا العائلات ولا حتى نظام الدولة ساعدنا يوما على تشرّب مبدأ احترام الوقت، لا بل كانوا دائما مساعدين مساهمين ومشجعين على ضياع المزيد والمزيد من الوقت من أيدينا. بداية من الـ”5 دقائق واصل” و”عجقة كتير” وصولا إلى قتلنا الوقت بأيدينا من خلال هدره بشكل مريع على الهواتف وفي الدردشات الفارغة والمقاهي… لو كان هناك شرطة للوقت، نستطيع فقط تخيُّل مدى تطور مجتمعنا حينها!

دولتنا، وماذا يقال… فهي “مقصرّة” بحق نفسها و”حارمة” نفسها التطور بسبب هدر الوقت. يتكلمون عن الهدر المالي والاقتصادي والفساد، ولم نسمع من تكلم يوما عن الوقت المسروق. دولتنا نعمت بـ”أوقات فراغ” مطولة، سنون من دون مجالس نيابية منتجة وسنون أخرى في ظل شغور بموقع رئاسة الجمهورية وأشهر من دون حكومات مشكّلة… كيف نحاسب الدولة على سرقة وقت شعبها، إن لم تنصف نفسها أولا، بسبب قلة إدراكها وجهلها لأغلى ما نملك.

وكون السلطة منبثقة من الشعب، ففساد الاثنين معا موحدّ تجاه الوقت. دولتنا مجحفة. نعم… أقل معاملة في الدوائر الرسمية على سبيل المثال لا الحصر، تستغرق أياما واشهرا في بعض الأوقات، وتستغرق الوقوف في صفوف طويلة وانتظار موظف لينهي قهوته وآخر “ليسمح وقته”. دولتنا تنهب وقتنا بالانتظار ساعات في زحمة السير، بينما كان بإمكاننا الاستفادة من هذا الوقت، أقله بالراحة. في دولتنا، تستغرق المحاكم وقتاً أقرب لبطلان الحق، والشهادات وقتاً أقرب للتقاعد. الانتظار للحصول على موافقة الاستشفاء، انتظارنا تحويلة الكهرباء من “الدولة” للـ”الموتار”، والوقت الذي نهدره في “رفع الديسجانكتور” والوقت المهدور في تأمين المياه و…).

إنْ احتسبنا الوقت الذي نهدره بأنفسنا، والوقت المسوق بنا، من المؤكد أنه كفيل بأن يحيا كل منا، ومن المهد حياة ثانية حتى اللحدّ. ارحموا هذا الشعب المسكين، ووفروا له ثروة يملكها من دون منّة أحد، لم يطلبها أحد منكم وليس باستطاعتكم أساسا فعل شيء لتأمين ولو حتى ثانية واحدة إضافية. رجاء… خذوا مالنا لكن احفظوا وقتنا، علّموا أولادنا احترام الوقت، عمموا هذه الثقافة واتبعوها، لأن ما تسرقون من الدهر سيحاسبكم الدهر عليه، إذ لم نسمع أحدا يوما واصفا الدهر، بالغفور.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل