
لا لا، لا للزعل، بفرح كبير نكتب عنكِ. ولماذا الزعل أساسا؟! لا أعرف لماذا يتراقص الشجن كلما أردنا ان نخبركِ كم نحبكِ؟! هل لأن في الشجن مقدار أكبر من الحب الرقراق؟! ربما. المشكلة ان 21 آذار ذاك لا يرسم فقط خطوط الربيع فوق اعجوبة الطبيعة، بل يحدد لنا زمن الارض للاحتفال بكِ، بينما واقع الامور ان السماء قبل الأرض والارض قبل أي قلب، يعلنان عليكِ الانتماء والحب والاعياد. تعلن الارض احتفاءها بنفسها حين ترى الزهر ينبت من صقيع، والبراعم تتفتح من سبات، والشمس تشع من خلف غيم وشتاء. هذه منظومة الطبيعة يا سيدتي، تعلن عرسها يوم اعلان عيدكِ علينا وليس العكس.
ثمة الكثير مما قد يحزن ويحاصر زمنكِ، وزمننا يا سيدة النضال ليس فيه الكثر مما يفرح، زمنكِ يا سيدة من لبنان، فيه ابناء استشهدوا، رحلوا، تغرّبوا بسبب ارض لم تقدم لهم سوى الغربة، مرضوا، اعتقلوا، غيبوا حتى اللحظة، حتى اللحظة في سجون الحاقدين ولا دولة تصرخ لأجلهم، تطالب بهم، تدافع عنهم، في حين تقفين انتِ على قارعة الانتظار اليائس ولا تيأسين!
تبتسمين، يا الله كيف يمكن ان تفعلي ذلك؟! تبتسمين وانتِ تحملين كل تلك الجراح، وتغرزين بعنفوان غريب، الحياة في عمق الجماد والاحزان والمعاناة، اوف أي سيدة لبنانية انتِ؟! اي ام انتِ؟ اي ابناء انجبتِ؟ اي وطن حملتِ؟!
انا سأجيب. نحن أبناء البلد سنجيب، اولاد وآباء سنجيب عنكِ. أتعرفين البعقور بلغة الضيعة؟ تلك العصا الطويلة التي تُغرز في باطن الارض ليتكئ عليها الزرع ليكبر وينمو من دون اعوجاج، او خطر الانحناء والتكسّر حين تجتاح العواصف العاتية الارض؟ ذاك الذي يقاوم الرياح متحديا وهو منتصب القامة؟ هذا بعض من بعض ما فيكِ.
انت تواجهين عواصف الدنيا لنبقى نحن في الحياة وفي الصحّ. هذا ما أراه في ذاك الوجه الذي لا اراه الا جميلا لأنه فائق الحنان، فائق الحب، وانا أحب تلك الصلابة حتى لو كانت مقنعة مزيفة احيانا، اذ نعرف ان في قلبك ما فيه من خوف وحب وزعل، لكن احلا ما فيكِ حين تلبسين الرجولة لتكوني اما قوية متحدية مدافعة بشراسة عن ابنائها وارضها. واحلا من احلا ما فيكِ بعد، حين تتركين حرير الامومة يكرج دمعا وبسمات على وجهك الناعم، وجهك الرائع وهو مخطط بتجاعيد الحياة يبقى مخملها، فتصبح الحياة حضنا، والحضن قبلات ووشوشات الى اذن امي، ومن اذنها الى قلبها عمري كله…عمرنا كله.
الدني ام صحيح، لكن الدني بلبنان غالبا تواطأت عليكِ، سلبت منكِ حياة انتِ منحتها ذات ربيع، فأصبحت ذات خريف ام شهيد، ولكنكِ مع ذلك الان تبتسمين لأنك تعرفين ان لولا شهادة ابنك لكنا الان في الذل والغياب. وانتِ، انتِ بالذات من علّمتِ الشهيد الحي فينا ان يذهب الى حقل الوطن ويزرعه كرامة، صرختِ في وجهه ذات احتلالات “خود البارودة وقوم روح دافع عن بلادك، دافع عنا نحنا ورجّع الوطن لاهلو”، ورجع الوطن يا سيدة الكرامة، وذهب هو ليسكن في سماوات الحب والشرف، ومع دمعكِ الشتاء انتِ ما زلتِ تبتسمين!
الدني ام صحيح، لكن هالدني بلبنان خانتكِ أيضا مرات ومرات، حين جعلتكِ أسيرة مع ابنك المعتقل في سجون السفاحين، اللذين لم تعلّمهم امهاتهم اصلا قيم الرب والانسان، لم تعلّمهم امهاتهم ان يحترموا قلوب الامهات، والا يجعلوا ابناءهم امواتا احياء في الذل والتعذيب، لان غضب الرب قريب وسينصب حتما لعنات أكثر بعد، على من جعل من قلب ام، جمرة انتظار في الجحيم. وانت الى الانتظار اليائس تبتسمين!!!
يا إلهي اي امرأة انتِ؟ اي ام انتِ؟ انتِ لبنانية، انتِ من وعر العنفوان جُبلتِ، انت من حنان العذراء مريم طرّزتِ حبك للدنيا، انتِ من جبال لبنان ووعره وسهله وينابيعه غرزتِ الكرامة حيث صحراء الانتماء، واعلنتِ الحب علينا، انتِ صنعتِ منا الرجال الرجال، النساء النساء، انتِ ما غيركِ، سواء أكنتِ في الحياة او في السماوات، انتِ امي من لبنان…
