زيارة حجّ أميركي

يترقّب لبنان اليوم زيارة وزير الخارجيّة الأميركي مايك بومبيو التي ستترك ارتدادات بارزة في المسار السياسي. فما قبل هذه الزّيارة لن يكون كما بعدها. وتأتي ضمن زيارة شرق أوسطيّة تمتدّ من الكويت إلى لبنان مرورًا بإسرائيل. فهل سينجح اللّبنانيّون باستثمار مفاعيل هذه الزّيارة لصالحهم؟ أم أنّهم سيفوّتون هذه الفرصة بسبب التزامات بعضهم الاقليميّة التي تتخطّى المصلحة اللّبنانيّة العامّة؟

ممّا لا شكّ فيه أنّ زيارة الوزير الأميركي اليوم ستكون شديدة اللّهجة بعد صدور أكثر من تصريح يؤكّد فيه حكّام الولايات المتّحدة بأنّ التّعاطي مع حزب الله ولبنان من قبل الإدارة السّابقة كان خطِئًا. على الأقلّ يملك الأميركيّون الجرأة بإعلان قراءاتهم النّقديّة على غير ما اعتاد بعضهم في لبنان والشّرق الذين يتعاملون على قاعدة النّعامة التي تغرس رأسها في الرّمل.

يتحفنا بعض من يدور في الفلك السّوري بأنّهم يعملون بحسب مصلحة لبنان. ويسعون جاهدًا لإقناع اللّبنانيّين كلّهم بأنّ المصلحة اللبنانيّة تكون في التّعامل مع الملفّات الاقليميّة والدّوليّة بحسب القطعة. هذه المسألة لم تعد نافعة اليوم، لا سيّما أنّ لبنان هو الذي أطلق مبادرة النّأي بالنّفس. لكن المفارقة أنّه لم يلتزم بها. فالمطلوب اليوم للحفاظ على الاستقرار الالتزام بهذه السياسة التي اجترحها لبنان نفسه.

وما مناداة بعضهم وتنديدهم برفض التدخّلات الاميركيّة في السياسة اللبنانيّة الا انطلاقًا من هذه الثقافة السياسيّة المستحدثة. إذ يرى هؤلاء أنّ التدخّلات الايرانيّة والسوريّة مشروعة. نحن نرفض التدخّلات كلّها من أيّ مكان أتت. لكن يجب أن يعلم هؤلاء الذين يدّعون حرصهم على الاستقرار في لبنان، أنّ تغليب مصالحهم الخاصة على حساب مصلحة الوطن بتعاطيهم السياسي هم حتمًا سيجعلون من لبنان منصّة إيرانيّة وسوريّة للتدخّل في سياسات المنطقة. وهذا بالطّبع مرفوض من قبل شريحة واسعة من اللّبنانيّين تمامًا كما يرفضه الغرب.

ولعلّ ما سيقوله الوزير الأميركي اليوم يندرج في هذا المجال أوّلا انطلاقًا من التّغيير الذي أحدثته إدارة الرئيس ترمب في السياسة الخارجيّة التي اعتبرت مرحلتها السّابقة في ملف الشرق الأوسط خطأ استراتيجيّا ارتكبته الدبلوماسيّة الأميركيّة. من هنا، وفي 6 كانون الأوّل 2017 بدأ ترمب بتصحيح هذا المسار عند اعترافه بأنّ القدس بشقّيها الغربي والشّرقي هي عاصمة إسرائيل وتابع مساره هذا في 14 أيّار من العام 2018، عندما افتتح مبنى للسفارة الأميركيّة في القدس. وتندرج زيارة بومبيو لإسرائيل في إطار دعم نتانياهو للانتخابات النيابيّة في نيسان المقبل. كما الاعتراف بأنّ الجولان هي أرض متنازع عليها وليست أرضًا سوريّة تقع في السياق عينه.

وبالعودة إلى لبنان، يتعاطى بعضهم بسخافة مع هذه الزيارات في ظلّ دعم دائم للأميركيّين للجيش اللبناني الذي يرون فيه المدافع الشّرعي الوحيد عن لبنان. وبهذه الطريقة يسقط الأميركيّون دور حزب اللّه العسكري في لبنان. في حين أنّ هذا الفريق يرى أنّ إسرائيل لا ترغب بأذيّة نفسها والأكثر أنّها لا تتجرّأ. ويغفل هؤلاء أنّ نتنياهو قد يستخدم الورقة اللبنانيّة لتعويم نفسه كما استعمل ورقة قطاع غزّة بضربه على أثر إطلاق صواريخ منه.

وفي زيارة بومبيو، سيؤكّد الوزير الأميركي على مقترح هوف حول الحدود البحريّة الذي رسّم سنة 2012 خطًّا بحريًّا يخسّر لبنان 350 كلم2 من حقّه الاستثماري في مياهه الاقليميّة. وبالطّبع هذا ما يجب التأكيد على رفضه لأنّ الدّولة اللّبنانيّة يجب أن تتمسّك بحقوقها كلّها، برًّا وبحرًا.

ولا يخفي بعض القادة اللبنانيّين سرًّا إذ يجاهرون أنّ لبنان اليوم بات تحت العقوبات الأميركيّة، ولو بطريقة غير مباشرة، نتيجة لسياسات حزب الله. ويؤكّد هؤلاء أنّ العلاقة مع سوريا مطبّعة، وأنّ الظّروف الدوليّة لا تسمح بإعادة النّازحين. لذلك كلّه، العودة طوعيّة. ويغفل هؤلاء أنّه ليس من مصلحة النّظام السوري إعادة النّازحين. في حين أنّهم يتحدّثون عن معارضة سلميّة ضدّ النظام عينه. لكأنّنا والعالم أجمع معنا، لا نعرف ممارسات هذا النظام. وحتى المنظمات الدوليّة أعلنت أنّ الوضع ليس آمنًا لعودة النازحين. لذلك، القوات اللبنانيّة مع الرّئيس عون بموضوع عودة النازحين منذ سنتين، ولكنّنا حتى اليوم لم نسمع سوى الكلام.

في نهاية هذا المطاف، يسعى بعضهم لتشويه التاريخ من خلال إعادة رسم للمصالحات التي أنجزها اللبنانيّون منذ قرابة العقدين من الزمن. حتى بكركي لم تعد بمنأى من كيد هذه النّاس! نحن اليوم أمام فرصة دولية جديدة يجب استثمارها لبنانيًّا والكفّ عن التّذاكي بالتعاطي الدبلوماسي، فهذه الطريقة لم تنطلِ يومًا على الغرب. ويجب أن ندرك أنّنا عندما لم نفوّت فرصة دعم لبنان في مكافحة الارهاب استطعنا نيل دعم الغرب لصون الحدود البريّة وبنجاح تام، باعتراف الداعمين للجيش اللبناني بذلك. ألم يحن الأوان بعد لإعلان إيمان اللبنانيّين كلّهم بكيانيّة وطنهم لبنان الـ10452 كلم2؟

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل