#dfp #adsense

مقاربة في ركائز فلسفة مفهوم الدولة

حجم الخط

يعتبر ارسطو الانسان حيوانا سياسيا، فالمشاركة بين الناس ناجمة عن طبيعة اجتماعية تترجم في العيش معا ضمن مدينة او إطار جغرافي. فحاجة الانسان الى الاتحاد بالآخر بدائية فطرية والتجمعات التي تنشأ عن تلك الحاجة تبقى طبيعية ـ وما المدينة او الدولة الا ذلك التعبير السياسي الجماعي المتسامي على العائلة والقرية لان في المدينة او الدولة الحديثة يحقق الانسان ذاته الطبيعية في كل ابعادها الوجودية والاجتماعية.

وانطلاقا من الخصائص اعلاه نبدي الملاحظات التالية حول مفهوم الدولة:

اولا: لا يجب الخلط بين الدولة والحكومة او الحاكم ولا مع السلطة، لان الحكومة تمثلها مؤقتا ولان بامكان السلطة ان توجد وان تمارس خارج اطر الدولة. فالدولة مجموعة هيكليات للسلطة السياسية والمؤسسات التي تنظم المجتمع في إطار جغرافي محدد. وهي هيكل ثابت يرتفع فوق الاشخاص الذين يمثلونها وفوق المجتمع. فالدولة هي الاجابة المعطاة للمشاكل والاشكاليات التي يطرحها الوجود الجماعي لا بل العيش الجماعي.

ثانيا: أصل فكرة الدولة ياتي من اواخر القرون الوسطى. وتجد تلك الفكرة ركائزها في مشروع توحيد الاختلافات الانسانية لدى الافراد بصورة دائمة على اقيلم محدد.

من هنا وخلافا لمنطق ارسطو المنادي بالفطرية المجتمعية، فان فلاسفة وعلماء فكر التعاقد امثال توماس هوبز وجان جاك روسو وسبينوزا وسواهم ينطلقون من ان الدولة هي بناء اصطناعي قائم على عقد موقع اراديا بين الافراد، مبررين موقفهم هذا بفطرية انتظام الانسان في دولة “طبيعية ” سابقة لاي تنظيم مجتمعي.

بحسب توماس هوبز، بدون الدولة، يتمتع البشر بحرية لا محدودة يوازيها قلق مستمر بغياب اي قانون مانع لاقتتالهم الدائم من اجل خير او مال يصبون الى تملكه، فتكون حرب الكل ضد الكل، ما يحملهم تجنبا للوقوع في هذا المطب المدمر الى التشارك والتنازل عن سلطة كل منهم لتسلميها للأقوى بينهم، الدولة، الحاكم الوحيد المولج بتوفير الامن لمالهم وشخصهم.

ثالثا: لا تتأسس الدولة فقط على قرار جماعي ولا تنحصر مهامها بالشرطة والجيش، بل ان سيادتها على ابناء المجتمع تنبع من حاجة لدى المواطن الى الايمان بوجود حقيقة سامية مترفعة قادرة على حكمه وادارة شؤونه ومصيره وتنظيم حياته الجماعية.

من هنا عرف عالم الاجتماع ماكس فيبر، الدولة بانها “احتكار العنف المادي المشروع”
L’Etat Est le monopole de la violence physique legitime

فتلك الدولة ليست فقط تلك التي تمتلك ليس القوة الاكبر بل تلك التي يعترف بمشروعية قوتها هذه، اي باعتبارها مبررة ومطلوبة في نظر المواطنين. فالطاعة للدولة ليست فقط طاعة مفروضة من القوي بل طاعة مقبولة ومعترف بها من اوليائها.

رابعا: منذ “مونتسكيو” طرحت اشكالية وجود او عدم وجود، حدود لسلطة الدولة. فالعالم الفرنسي المذكور ميز بين ثلاثة انواع من الدولة انطلاقا من نسبية المؤسسات ومن اسلوب ممارسة السلطة والشعور الشعبي الذي يرسيه.

ففي الانظمة القمعية، رجل واحد يمتلك السلطة المطلقة المرتكزة على العنف والخوف من شعب خاضع لأهوائه، فلا مجال عندها للكلام عن دولة.

في الانظمة المعتدلة، تكون سلطة الدولة محددة قانونا، وهذا ما يعرف بمصطلح “دولة القانون”، حيث الفصل بين السلطات الثلاث ( التشريعية والتنفيذية والقضائية ) مانع لاي تعسف او اساءة في ممارسة السلطة في ظل ضمان توازن بينها وتشريعات مبرمة من الشعب.

في النظام البريطاني مثلا، نجد التركيبة الدستورية قائمة على حكم الاغلبية في ظل معارضة الاقلية وتحكيم الشعب…

خامسا: لم يخلُ مفهوم مونتسكيو من انتقادات، ليس اقلها تلك الموجهة ضد فكرة الدولة برمتها من قبل بعض التيارات الفكرية الموصوفين “بالتيار الفكري الفوضوي” ومنهم على سبيل المثال (ميكايل باكونين) الذي ذهب الى حد التبشير بنهاية الدولة، مصدر التهديد الاساسي للحريات الخاصة بحسب رايه. فباكونين يعتبر ان بإمكان البشر ان يعيشوا بسلام في مجتمعات تدير نفسها بنفسه بدون قوانين.

الماركسية من جهتها، اعتبرت الدولة “خرافة” صنيعة الطبقة الاجتماعية المهيمنة للسيطرة على الطبقات الاخرى وتسخيرها.

النيو – ليبرالية (فريدريك حايك) تنادي بالدولة المحصورة او الدولة – الدنيا، حيث صلاحياتها محدودة بالامن والدفاع عن حق الملكية. اما الخدمات العامة (صحة – تربية – نقل – طاقة …) فيمكن للقطاع الخاص توليها من دون الدولة.

سادسا: سيادة الدولة تعني سيادة اقليمية على ارضها فلا سلطة معترف بها سوى سلطتها، وحيث تبدأ سلطة دولة اخرى تتوقف سلطة الدولة تحت طائلة نشوب صراع.
يعتبر الفيلسوف والعالم امانويل كانط ان قيام سلطة تعلو سلطات الدول يتطلب قبل اي شيء اعتراف تلك الدول بسلطة قانونية تتجاوز الدول فرادة لتجمعهم مجموعة سياسية دولية ما يتطلب تنازل كل دولة عن جزء من سيادتها. فالعامل الاساسي الذي يمكنه وحده خلق سيادة تعلو سيادة الدول هو ارتضاء الدول التنازل عن جزء من سلطتها لصالح كيان دولي جامع، وهذا ما اسس لعصبة الامم بداية ومن ثم لمنظمة الامم المتدة وسائر المنظمات الدولية والاقليمية السيادية.

سابعا: تحمل الديمقراطية في طياتها مخاطر كثيرة في الدول المركبة اتنيا او دينيا او عقائديا، حيث ما يتجلى على انه حكم الشعب من خلال الشعب الذي يختار ممثليه وفقا للعقد الاجتماعي بين افراد المجتمع الواحد سرعان ما يمكن ان يتحول بدوره الى دكتاتورية او طغيان للأكثرية على الأقلية. فسقراط أعدم ديمقراطيا، ويوليوس قيصر قتل في مجلس الشيوخ باسم ديمقراطية روما، وباسم الديمقراطية اكلت الثورات الكبرى. بدأ من الثورة الفرنسية الكبرى عام 1789 ابناءها، ذلك ان حكم الاكثرية يفسر لدى العديد بانه حكم المساحات المحتكرة لتلك الاغلبية ما يؤدي الى تولد تيارات اقصائية داخل المجتمعات التي تعتمد الديمقراطية، خصوصاً اذا ما كانت تلك المجتمعات فسيفسائية التشكيل او فدرالية المكونات او الولاءات.

يعتبر سبينوزا ان الهدف النهائي للديمقراطية يجب ان يكون الحرية، بحيث بإمكان كل مواطن ان يعبر عن قناعاته في القوانين والانظمة دون قمع او تأثير او تغرير من طبقة غالبة.

لكن الاشكالية تبقى ان الحرية التي هي تحت رقابة الدولة تفترض تعبير عن اراء مختلفة بأسلوب لا يتجاوز المنطق. فالحض على الكراهية مثلا او السباب والشتم جرائم لانها ان استمرت فانها تستدعي ايقاذ الضغائن والحساسيات ما من شأنه اضعاف الدولة الديمقراطية ما يرتد سلبا على مساحات الحرية المصانة من الدولة.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل