
أشرنا في عدة مقالات سابقة الى استعداد المنطقة ومن ضمنها لبنان للدخول في زمن المطبات السياسية والاستراتيجية الكبيرة، والى ما يرسم ويحضر من مخططات توصلنا الى خرائط جديدة للمنطقة على وقع احتدام أكثر من محور اقليمي – دولي حول ملفات جيو- سياسية واقتصادية – استراتيجية.
فالمشروع الاميركي الذي يستجر معه حلفاء واصدقاء في الشرق الاوسط، دخل مرحلة حسم الخيارات وتسمية الأمور بأسمائها. لم تكن جولة صهر الرئيس الاميركي جاريد كوشنير في المنطقة منذ فترة حيث جال في الامارات والبحرين وسلطنة عمان والسعودية وقطر وتركيا لحصد الدعم لخطة سلام تلحظ جانبا اقتصاديا هاما لدول المنطقة المهتمة بالاستثمارات، صدفة.
والمعلوم ان كوشنير يتولى الملف الاسرائيلي – الفلسطيني ويحضر أرضية صفقة سوف تظهر ملامحها بعد الانتخابات الاسرائيلية المقبلة في شهر نيسان المقبل.
وليس من قبيل الصدفة ان تتجمد ملفات الاستثمارات في سوريا وتتوقف المبادرات وتتجمد حتى الخطوات الدبلوماسية بإعادة فتح قنصليات وسفارات في دمشق بانتظار موافقة الاطراف المعنية اقليميا على صفقة انهاء الصراع الفلسطيني – الاسرائيلي ليفتح عندها باب ضخ مليارات الدولارات في الضفة وغزة وسوريا واليمن وسواها.
في المقابل وفي ضوء قرار الرئيس دونالد ترمب الاعتراف بالجولان ارضاً اسرائيلية، ما يشير الى عاصفة ستؤدي في محطة اولى الى دخول المنطقة في مرحلة عدم استقرار قد تطول وقد تحمل معها اضطرابات وصدامات، خصوصاً ان الطامة الكبرى المتحكمة بمعظم السياسيات والاستراتيجيات الدولية من واشنطن الى بروكسيل الى موسكو تتمثل بغياب رؤية لدى اي قوة دولية من تلك القوى لمستقبل المنطقة، ان لم يكن البديل الطبيعي ما يسمى “صفقة القرن”.
نستذكر في هذا السياق العراق وما حل به بعد الغزو الأميركي، إذ لم يكن لواشنطن استراتيجية بديلة ما اوقع العراق في الفوضى والتفتت. اليوم في سوريا، ستؤدي غياب رؤية روسية – اميركية متكاملة (خارج اطار الاتفاقات على القطعة) الى زعزعة سوريا، وبدأت اولى المؤشرات مع ضم الجولان الى اسرائيل ومع ارتفاع الضغط الاميركي – الاسرائيلي على الوجود الايراني في سوريا.
فالزمن زمن تكتيكات لا زمن استرتيجيات وهنا مكمن الخطورة وعدم الاستقرار…
حتى ان الاتحاد الاوروبي يفتقر الى استراتيجية تسوية للمنطقة. باريس لطالما اعتبرت وما زالت، ان بقاء القوات الاميركية في سوريا وحدها يكفي لتحقيق عدة اهداف في وقت واحد لغياب البدائل. مجرد انسحاب الاميركيين من سوريا يعني حكماً انسحاب الاوروبيين، خصوصاً بعد انكسار اوروبا امام إيران إثر محاولة تحدي قرار الرئيس ترمب بالانسحاب من الاتفاق النووي وإصار الاوروبيين على الاستمرار فيه الى حد وصلوهم جميعاً الى حائط مسدود.
بالأمس واثر الانتهاء من معارك حرب الباغوز في شمال شرق سوريا، بدأت الدول الغربية تتلمس سيناريوهات المرحلة التالية باتجاه منع عودة داعش وتلافي صدامات جديدة في المنطقة لأن ليس للغربيين اي تصورات اخرى حالية للمنطقة، في حين يتوجس الغرب من تركيا الراغبة في اجتياز الحدود مع سوريا لمنع قوات النظام من اجتياز نهر الفرات.
تلك الضبابية تسيطر على موضوعي ادلب والمناطق المجاورة التي تولت موسكو وانقرة الاتفاق عليها.
كل هذا المشهد الغامض والجامد يستفيد منه اللاعبان الاميركي والاسرائيلي لا سيما ان طهران منهمكة في مواجهة التحدي الاميركي القاتل للعقوبات وقد بلغت وتأثيراتها على الاقتصاد الايراني حدا خطيراً على النظام الاقتصادي والمالي الايراني مضافاً اليه الوهن العربي العام، حيث تجد كل دولة عربية مهتمة بأمورها ولفلفة اوضاعها وبعضها متناحر مع البعض الاخر من المحيط الى الخليج.
من الطبيعي والمشهد على ما هو عليه، ان يفجر الرئيس ترمب هديته “الجولانية” الثمينة لبنيامين نتانياهو بعدما اهداه القدس عاصمة لدولته.
ما يحصل اميركياً هو استمرار لنهج التيار المسيحي الانجيلي اليميني المتطرف في اميركا الذي تربطه بإسرائيل عقائدياً وسياسياً اواصر تاريخية وثيقة، ذلك التيار الذي يمثله الرئيس ترمب وفريق عمله من جون بولتون وسواه أفضل تمثيل.
وهنا وفي المقلب الاخر من الحدث، لا بد من طرح السؤال عن مسؤولية النظام السوري نفسه من الاب حافظ الاسد الى ابنه بشار والذي بنى خلال 50 عاماً وجوده وسلطته وسطوته في المنطقة والداخل السوري نفسه على فكرة مقاومة اسرائيل، في وقت عرقل كل التسويات السلمية ومن ضمنها مبادرة السلام العربية في بيروت وحارب ياسر عرفات ودعم حركات المقاومة المسلحة، ليس حبا بالمقاومة بل تبريراً لاستمرار الحكم، اذ وفي نفس الوقت حول الجولان الى ارض آمنة ومستقرة للإسرائيليين بدل ان يجعلها ارضاً مزلزلة تحت اقدام المحتلين. وفي موازاة وهن وضعف النظام السوري عن المواجهة وعدم اندفاعة روسيا لوقفه لان موسكو بحاجة الى تثبيت مكاسبها في سوريا مع الاميركيين والاسرائيليين وعدم قدرة طهران على مواجهته.
ويبقى ان المواجهة الاميركية – الاسرائيلية – الايرانية مفتوحة على شتى الاحتمالات والرئيس ترمب لا يحد تصرفه الا امرين: امن اسرائيل ووجودها واضعاف إيران لتركيعها من دون البحث في تغيير نظامها بل في تغيير سياساته.
بالأمس تلقى الرئيس ترمب جرعة دعم قوية لولاية ثانية: فتقرير “مولر” فتح امامه طريق الولاية الثانية وتوقيعه على ضم الجولان فتح امام نتنياهو طريق ولاية جديدة كرئيس حكومة اسرائيل – وما بين الاستحقاقين شرق اوسط مترنح ومتخبط في مشاكله وتعقيداته وضعفه… في لحظة قطف الكبار ثمار الفوضى.