#adsense

الواقع الأليم والثورة المطلوبة

حجم الخط

لم يعد خافياً على أحد دور كلّ فئة سياسيّة في لبنان. منهم من يضطلع بدور ريادي في سلّم الفساد. ومنهم من يضطلع بدور ريادي في مكافحته، حتّى بتنا اليوم بحاجة إلى إعادة ترتيب لسلّم القيم البشريّة لإعادة هيكلة الفكر اللبناني. وذلك لن يكون إلا من خلال منظومتين اثنتين: التربية والحياة السياسيّة. فهل يستطيع اللبنانيّون أن يخوضوا هذه التجربة الجديدة في إعادة هيكلة مجتمعهم؟ وهل هذه مسألة تتطلّب مسيرة أجيال؟ أم أنّ قدرة العمل واستراتيجيّته هي التي ستتحكّم بهذا المسار؟

يبدأ تطوير المجتمعات بتطوير النّهج الفكري أوّلا. وما نحن بحاجة إليه في مجتمعنا اللبناني هو عمليّة نهضة فكريّة قوامها ركيزتين أساسيّتين في التّربية. نحن بحاجة إلى إعداد نشء يعتمد فكريًّا على التحليل وليس على التضليل؛ وكذلك عمليّة إصلاح للمناهج التربويّة المكبّلة بأثقال الأهداف التي تفرض على المعلّم والمتعلّم في آن معاً، أحمالا تربويّة أنتجت خلال العشرين سنة هذه جيلا يعتمد كلّيّاً على المعطيات التي توضع بطريقة واضحة أمامه. وذلك من دون أن يتكبّد العناء في التّحليل للوصول إلى الخلاصات المرجوّة.

وخطورة هذه المسألة تكمن في إنتاجها جيل اليوم الذي يعتبر الجيل الأكثر تبعيّة. حيث بتنا أمام جماعات لا تدرك منطق الثّورة. فبات مجتمعنا مجتمعًا خمولا، حتّى أنّه تخطّى صفة الخمول إلى الرضوخ والقبول بالأمر الواقع. ما من شعب يرضى بأن يُنهَب ويسرق من دون أن يقدم على أي ردّة فعل. ولا حتّى محاولة بسيطة؛ إلا من قبل قلّة قليلة باتت هي نفسها خارجة عن المألوف، لكأنّها من كوكب آخر.

حتى التّربية البيتيّة بحاجة إلى إعادة ترتيب في المنطق البشري للأجيال التي تربّي اليوم. وهي عينها التي نشأت على هذه المناهج، إلا أنّه ما زالت مكتسبة بعض الفكر الثورويّ من ذويها الذين تربّوا على الفكر التحرري الذي قاتل الاحتلالات بصدوره العارية. لكن الخطورة تكمن في الأجيال التي نشأت على هذا المنطق الخمولي وفي تربيتها الموعودة للنّشء الطّالع. ما يعني ذلك أنّنا مقبلون على كارثة تربويّة على الأقلّ في الجيلين المقبلين.

ذلك كلّه من دون التطرّق إلى الضّغط الاقتصادي-الاجتماعي الذي وُضِع الشّعب اللّبناني تحت نيره. هذا ما دفع ربّ العائلة إلى العمل لأكثر من ثلث يومه، ما أبعده عن عائلته فصارت السلطة الأبويّة مفقودة. ناهيك عن الأم اللبنانيّة التي دفعت هي أيضاً ثمن ما تريد أن تؤمّنه لأولادها من السّاعات المفترض تقضيتها مع عائلتها، حيث وجدت نفسها مضطرّة لتعيل عائلتها بأن تعمل هي أيضًا كزوجها. ما جعل العائلة بلا حسيب أو رقيب.

أمام هذا الواقع الأليم، نحن بأمسّ الحاجة اليوم إلى إعادة صياغة المناهج التّربويّة صياغة جذريّة تعتمد على نظام الكفايات وليس الأهداف. وهذه الطّريقة الوحيدة التي تستطيع أن تنتج أجيالا مفكّرة. فالاستثمار بصناعة الانسان هو الاستثمار الأنجح. وحده يحقّق تقدّم ورقيّ المجتمعات. ولنا في ذلك أمثلة اجتماعية من سنغافورة إلى فنلندا واليابان وألمانيا وغيرها من الدّول التي وضعت النّظام التّربوي نصب عينيها لتطوير مجتمعاتها.

أمّا وطنيّاً، ما نحن بأمسّ الحاجة إليه، فيكمن في هيكلة الفكر السياسي على قيم الحرية والديمقراطيّة والمساواة. وذلك لنتخلّص من مقولة صيف وشتاء تحت سماء واحدة. ولتوضع المعايير لإيصال الأكفأ إلى المكان المناسب. وذلك على أسس علميّة لا استزلاميّة أو زعماتيّة.

نعم المطلوب ثورة اجتماعية حقيقيّة تبدأ بهيكلة الفكر التّربوي لنستطيع بناء الإنسان الجديد. كذلك هيكلة جديدة للفكر السياسي من خلال تنظيم أحزاب تقوم على منظومات فكريّة- فلسفيّة، ولو كانت عقائديّة، وحده الفكر الممنهج على عدم الرّضوخ يستطيع المواجهة والرّفض متى يجب. لن تستقيم الحياة السياسيّة في لبنان، وبالتّالي الوطنيّة، إلا بهيكلة الأحزاب على قيم الحرّيّة والعدالة والمساواة. ومن بدأ بهذه العمليّة سيكون السبّاق في عمليّة النّهضة اللّبنانيّة المرتقبة.

أمّا إذا لم يؤخذ هكذا قرار بعد فسننحدر بسرعة قياسيّة نحو عمليّة تدمير ذاتيّ لمجتمع كان في الماضي القريب وقود النّهضة الفكريّة العربيّة، من الرّابطة القلميّة مع جبران خليل جبران حتّى الأمم المتّحدة مع شارل مالك. فهل سنتّقي ربّنا في لبنان لنرتقي حتّى المستوى الذي أرادنا أن نكونه؟

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل