حاصباني: هكذا نحول عجز الكهرباء الى أرباح

كتبت نجم الهاشم في “المسيرة” – العدد 1693

اعتبر نائب رئيس مجلس الوزراء غسان حاصباني ان “المقاربة القواتية لمواجهة التحديات المالية والاقتصادية شاملة وهناك أفكار وخطط كثيرة. نسبة العجز مقارنة مع الدخل القومي تتزايد. وصلنا الى مرحلة زادت فيها الأرقام عما كانت عليه عندما ذهبنا الى مؤتمر «سيدر». بدل أن تنزل النسبة من 8 الى 5 في المئة، زادت الى 11 في المئة تقريبا، وهذه أرقام أولية وليست رسمية. وبالتالي الخطوات التي كانت مطلوبة لسد العجز باتت تحتاج الى تفعيل وزيادة أكثر”.

أضاف حاصباني، في حديث الى مجلة “المسيرة”، “المسألة المكلفة التي تستهلك أكثر من 45 في المئة من الدين العام هي في الكهرباء. جزء كبير من الدين العام تكوَّن على مدى الأعوام الماضية من خلال دعم الكهرباء. وهذا الدعم عائد الى عدة أسباب: السعر الذي تُباع على أساسه الكهرباء للمواطنين أقل من الكلفة، ويُضاف الى ذلك كمية الهدر في الطاقة المنتجة  التي لا تصل الى المستهلكين، وكمية الفواتير غير المحصّلة من المشتركين، وحجم الذين يحصلون على الكهرباء من دون إشتراك. ومع إرتفاع ثمن الفيول أويل يزيد الفرق بين ما تتكلفه الخزينة وما يدفعه المواطنون.”

ردا على سؤال عن كيفية التخلص من العجز في قطاع الكهرباء قال حاصباني:

قطاع الكهرباء يكلفنا دعمًا بما يتراوح بين مليار و500 مليون دولار وملياري دولار سنويًا قياسًا على أسعار الفيول أويل وكمية الإنتاج. يمكن سد هذا العجز كليًا من اليوم حتى العام 2024 أو 2025 في حال بدأت المعالجة الحقيقية والفورية. أولاً علينا أن ننطلق وبشكل جدي باعتماد الحلول الدائمة. وهناك لائحة مشاريع موجودة علينا أن نبدأ بتطبيقها بأسرع وقت ممكن وبأقل كلفة. مضت أعوام تركز فيها الإهتمام على إنتاج 800 ميغاوات موقت الى أن يوجد الحل النهائي، بينما ما علينا أن نقوم به وضع آليات الحل النهائي فورًا على سكة العمل والتنفيذ، ومن ضمنها يكون الحل الموقت الذي ينتقل تدريجيًا الى الحل النهائي. لا يمكن التركيز على الحل الموقت وتأجيل الحل النهائي.

في أيار 2017 قرر مجلس الوزراء البدء بالعمل بدفاتر الشروط لتلزيم إنشاء المعامل الدائمة. أين صارت دفاتر الشروط؟ عامان مرّا من دون المباشرة بذلك. نحن لم نعرقل ولم نعترض ولم نرفض أي خطة للكهرباء. تحفظنا كان على الطاقة الموقتة وطريقة إعتمادها من خلال المناقصات الشفافة المطلوبة. تتراوح نسبة الطاقة المهدورة بين كلفة الإنتاج وما يتم تحصيله من جبايات بين 35 في المئة والـ50 في المئة بحسب بعض الدراسات. ربما المعدل 40 في المئة في شكل عام. لكي يصل إنتاج الكهرباء كاملاً الى المستهلكين يجب وقف الهدر التقني المقدّر بنحو 15 في المئة وإنزاله الى حدود الـ4 في المئة. الشبكة الحالية قديمة وهناك مشكلة عدادات وخنقات. تم وضع مشروع لتطوير الشبكة بقيمة 350 مليون يورو تقريبًا العام الماضي، وتمت الموافقة عليه لتنفيذه قبل زيادة الإنتاج. إذا زدنا الإنتاج من دون التمكن من تصريفه كاملاً يصبح العجز أكبر. حتى لو تم رفع سعر التعرفة على المواطن من دون إصلاح الشبكة ومن دون تحصيل الجباية والفوترة الكاملة لا تُحل المشكلة. هناك جباية اليوم صحيح، ولكن ما يتم فوترته يجبى منه 94 في المئة. ولكن ما لا تتم فوترته يشكل المشكلة الأكبر.

لماذا أصحاب المولّدات يحصّلون فواتيرهم مئة في المئة؟ لماذا لا يتم تكليف الجيش وقوى الأمن بوقف التعديات على الشبكة؟ ولماذا لا تصير جباية الكهرباء مئة في المئة؟ عندما يتم تركيب عدادات ذكية يصبح بالإمكان قطع الكهرباء عن المشتركين الذين لا يدفعون وتتحسن الجباية والفوترة، خصوصًا أن نظام الفوترة والجباية قديم ومتأخر. إضافة الى ذلك، المعامل القديمة العاملة على الغاز أويل أو الفيول أويل قديمة وإنتاجيتها منخفضة لا تتعدى الـ35 في المئة، وهذا الأمر يستدعي إعادة تأهيلها أو بناء معامل جديدة تستخدم طاقة جديدة. معمل الزوق مثلاً يعمل بنصف طاقته وبفاعلية أقل من 30 في المئة. هذه المعامل يجب زيادة فعاليتها الى أكثر من 65 في المئة حتى يمكن القول إن ما ندفعه ثمن فيول يؤمن ما يتوجب إنتاجه من كهرباء. كل هذه الخطوات يجب إعتمادها بالتوازي حتى نتمكن من سد هذا العجز خلال خمسة أعوام. العملية ليست مجرد شعار كهرباء 24 على 24 وليست مجرد حبر على ورق وخطط موجودة ولا تنفذ على رغم موافقة مجلس الوزراء عليها، هناك جزئيات فيها يدور حولها لغط ويتم التركيز على هذا اللغط من دون النظر الى الحل الشامل، لأن حل الكهرباء ليس مجرد زيادة إنتاج وزيادة تعرفة. الأمر يتطلب قرارات جريئة من مجلس الوزراء للبدء بتنفيذ الحلول الدائمة لا الموقتة ضمن الأطر الإجرائية السليمة والشفافة للحصول على أفضل الأكلاف.

يجب الوصول الى حل دائم ومستدام وكامل للكهرباء، بما فيه مصادر الطاقة البديلة وتطوير الشبكة والعدادات والفوترة وتنظيم الجباية الكاملة بمؤازرة القوى الأمنية كما حصل في الحملة على أصحاب المولّدات.

هناك الكثير من الحلول التي يجب دراسة كلفتها على مدى خمسة أعوام. إذا اعتمدنا البواخر على مدى خمسة أعوام مثلاً تصبح كلفتها أكبر من كلفة المعامل. الحل لا يمكن تجزئته. هناك حلول مركزية تنطلق من الطاقة القصيرة المدى وتتوسع الى الطاقة الدائمة وتنتقل من الفيول أويل الى الغاز، أو المشغّل هو الذي يستقدم الغاز على عاتقه بأفضل الأسعار ريثما تبني الدولة محطات الغاز العائمة. وهناك حلول لامركزية من خلال إعتماد محطات إنتاج في المناطق بانتظار إنضمامها لاحقاً الى المعامل الكبرى، وهذا الخيار يؤمن إنتاجًا محليًا ويخفف الهدر على الشبكة ويؤمن جباية أفضل، وهناك حل هجين يجمع بين الطاقة الموزعة والطاقة المركزية الموقتة التي تصبح دائمة. نريد الحل الأسرع والأوفر الذي تراعى فيه كل الأصول القانونية والشفافية، ويمكن من خلال ذلك أن يبدأ قطاع الكهرباء بتأمين أرباح بعد العام 2024، ويمكن أن ترد مؤسسة كهرباء لبنان السلفات التي تتقاضاها اليوم من الخزينة.

في ما يتعلق بقطاع الاتصالات قال حاصباني: إن قطاع الاتصالات واعد جدا في لبنان وهو كان يؤمن نحو مليار و300 مليون دولار. منذ العام 2012 بدأ ينخفض وصار الإنخفاض أكبر في العام 2017 لعدة أسباب. عائدات شركات الخليوي والإتصالات لم تنخفض، ولكن ما تحوِّله هذه الشركات الى الدولة هو الذي ينخفض.

لأن الإستثمارات في الشبكة تزداد، وكذلك الكلفة التشغيلية. لذلك يجب النظر الى هذا القطاع من خلال ملكية الدولة للبنى التحتية التي تشمل الـ«فايبر» والخطوط الثابتة وتديرها «أوجيرو»، وكل الخطوط المتنقلة «موبايل» وبنى تحتية وشبكات تديرها شركتا «ألفا» و»تاتش» بحسب الإسم التجاري، حيث أن عقدي الإدارة هما مع شركتي «أوراسكوم» و»زين». عندما أُبرمت هذه العقود كان ذلك بهدف تحسين أداء الشبكات وخلق نوع من التنافس التجاري بينهما، مع الإشارة الى أن الدولة هي التي تحدد الأسعار وتملك الشركتين، ولذلك يبقى هامش المنافسة ضئيلاً ومتعلقا بمسألة الخدمات  التي يتم تأمينها. كان من المفترض أن تأتي هذه الشركات، المفترض أنها عالمية، بخبراتها لإدارة هذا القطاع في لبنان. إن النظر الى الوضع الحالي في الشركتين يظهر أن عدد المدراء في كل منهما في لبنان قليل وقرارهما يوقع عليه الوزير المختص في جميع الحالات، بما يعني أن القرار مرجعه واحد. يُضاف الى ذلك أن الشبكات متكررة (duplicate). إذا كانت الدولة هي المرجع، فلماذا الحاجة الى شبكتين؟ حتى أن الأبراج التي تركّب عليها الأنتينات مزدوجة. لذلك المصروف الزائد تتحمّله الدولة، علمًا أن هذه الشركات لا تخضع لرقابة الدولة ولا لمجلس الخدمة المدنية، وأي توظيف يحصل فيها يكون غير ملحوظ. وبالتالي، يمكن أن يوظفوا عددًا كبيرًا فيها من دون الخضوع الى الرقابة.”

فأضاف حاصباني: القانون 431 نص على أن تتشكل «ليبان تلكوم» من الوزارة و«أوجيرو» بهدف تخصيص جزء منها لشريك عالمي استراتيجي يساعد في إدارتها ويستثمر فيها، لأنها يمكن أن تؤمن عائدات إستثمارية مرتفعة وتحسّن الأداء وتحافظ على ملكية الدولة للقطاع. عندما يدخل هذا الشريك الاستراتيجي يدفع لقاء ذلك مبالغ كبيرة تدخل الى الخزينة العامة دفعة واحدة.

إذا استثمرت شركات دولية في الإتصالات وضخت 4 أو 5 مليارات دولار، فهذه الأموال تدخل الى الخزينة مباشرة، وإضافة الى ذلك لا تعود الدولة مجبرة على إستثمار أموال في الشبكات سنويًا. حجم الأموال الذي يدخل الى الخزينة من خلال الشراكة في سنة واحدة يوازي حجم مدخول ست سنوات من العائدات. تأثير هذا المبلغ في عملية سد العجز وتسديد الديون أكبر بكثير من تأثير العائدات السنوية التي يؤمنها قطاع الإتصالات وتهدر في دفع فوائد الديون، لأن المعالجة تكون بخفض الدين العام قبل البحث عن خفض فوائد الدين العام وهندسته.

هذا القطاع واعد جدًا ومجدٍ جدًا. وهناك شركات دولية مهتمة بالإستثمار في لبنان. حجم الخطوط الخليوية والثابتة نسبة الى عدد المواطنين لا يزال قليلاً مقارنة مع دول أخرى. لدينا نحو 4 ملايين مشترك في الخليوي. يُفترض أن يكونوا 8 ملايين.

تعليقاً على ما تضمنته خطة وزيرة الطاقة ندى بستاني المقدمة الى مجلس الوزراء، وبعد تشكيل لجنة وزارية لدراستها وإبداء الرأي فيها، أورد دولة الرئيس غسان حاصباني، العضو في هذه اللجنة، عبر مجلة “المسيرة” الملاحظات التالية حولها:

• في الخطط تكون المبادئ العامة دائمًا موجودة ويتم تحديثها مع الوقت.

• هاجسنا إزالة العقبات التي تحول دون تطبيق هذه الخطط، وذلك يكون بتوضيح التفاصيل.

• قد تكون هناك موافقة على خطة، ولكن قد تكون هناك مقاربات وتفاصيل في تنفيذها، لذلك علينا النظر إليها كلاًّ على حدة، لأنه لم يعد لدى لبنان أي قدرة على تحمّل أي خلل قد يؤدي الى عدم خفض الدين العام أو الى ازدياده. فالأولوية هي لخفض العجز لأنه لم يعد بالإمكان التهرب من هذا الموضوع.

• علينا التأكد من قدرة مجلس الوزراء على اتخاذ قرارات تؤدي الى تنفيذ سليم للخطط، لأنه لا يكفي أن تكون لدينا خطة وأن يكون وافق عليها مجلس الوزراء.

• أهم شيء اصلاح الشبكة وتخفيض الهدر بشكل كبير وتنظيم الفوترة وتحصيل الجبايات ومنع السرقات والتأكد من تنفيذ الإصلاحات في قطاع الكهرباء قبل زيادة الإنتاج، وأن يتزامن ذلك مع تشكيل الهيئة الناظمة للقطاع وتشكيل مجلس إدارة جديد لمؤسسة كهرباء لبنان.

• يجب أن تترافق المرحلة الأولى مع خطوات خفض العجز.

• بالنسبة الى دفتر الشروط، فإن الخطة الموضوعة من وزيرة الطاقة لا تتضمن مواصفات هذا الدفتر.

• يجب أن تمر المناقصات عبر إدارة المناقصات بإشراف اللجنة الوزارية ومجلس الوزراء. والتأكيد على دور إدارة المناقصات هو لتفادي الطعون في المستقبل. وثمة حاجة الى لجنة وزارية تساعد على تذليل العقبات وتشرف على الموضوع بتكليف من مجلس الوزراء.

• يجب أن تكون هناك نظرة الى الحل النهائي عبر دفتر شروط واحد متكامل لكل جوانب الإنتاج ومراحل تطويره. لماذا؟ لأنه لا يمكن الفصل بين الحل الموقت والحل النهائي. فنحن نحكي عن خطة واحدة فيها مراحل تنفيذ، وعندما تم الفصل بين الحل الموقت والحل الدائم تم التركيز على الموقت وإهمال الدائم، حيث أنه منذ حزيران 2017 لم يكلف بعد الإستشاري لوضع دفتر الشروط. التفاصيل تكون في دفتر الشروط الذي لم تلحظه الخطة، وعلينا درسه قبل الشروع بأي خطوات إضافية.

• خلال مرحلة وضع دفتر الشروط يقف مجلس الوزراء أمام مسؤولياته لتخفيف الهدر التقني وغير التقني على الشبكة، فيكون البرهان بخطوات فورية وعملية خلال الأشهر القادمة.

• المطلوب إضافة أكلاف تستلزمها عملية الإستملاكات لبناء معامل جديدة، وذلك من خلال النظر بدقة الى الحاجة إليها والى كلفتها قبل تكبيد الخزينة أي أعباء إضافية.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل