#adsense

رهبان السينما اليسوعيون: إذهبوا وتلمذوا جميع الأمم – 1

حجم الخط

كتبت جوزفين حبشي في “المسيرة” – العدد 1692

 

في تاريخ السينما العالمية فيلمان رائعان يرويان قصة رهبان من الرهبنة اليسوعية. فيلم (The mission – 1986) يروي قصة الأبوين غبريال ورودريغو في مجاهل غابات أميركا الجنوبية اللذين ينتهيان شهيدين عن شعب كان غريبًا عنهما، ولكنهما أتحدا معه بالمحبة والخلاص. أما فيلم Silence فيروي قصة راهبين غامرا في الذهاب الى اليابان بحثاً عن آثار راهب يسوعي ثالث إختفت أخباره هناك، وقد تحمّلا ما لا يُحتمل في سبيل إيمانهما مع ما تبقى من مسيحيين هناك في ظل الصمت المدوي والحقيقة الموجعة.

Silence  صوت الإيمان المدوِّي

راهبان يسوعيان في مهمة مستحيلة في اليابان

«جميع الذين يريدون أن يعيشوا بالتقوى في المسيح يسوع، يضطهدون». هذا ما جاء في رسالة بولس الرسول الثانية الى تيموثاوس، وهذا ما أكده السيد المسيح الذي قال «إن كانوا قد اضطهدوني فسيضطهدونكم، وإن كانوا قد حفظوا كلامي، فسيحفظون كلامكم»…

إنه قدر مسيحيي العالم والشرق تحديدا الذين عاشوا مئات السنوات من دون أن ينعموا بالأمان، كونهم يؤمنون بديانة تخالف دين البلدان التي يقيمون فيها. الاضطهاد والمعاناة لا يزالا قدر مسيحيي الشرق حتى يومنا هذا، والسينما كانت ونأمل ان تظل الصوت والشاهد على وقائع تاريخية لا يمكن ان تمحى بمجرد الإنكار والتجاهل والأمنيات.  نأمل لأن السينما الهوليوودية يتحكم بها اللوبي الصهيوني ولذلك هي شبه غائبة نسبيا عن معاناة المسيحيين، مقابل كمّ هائل من الأفلام التي تناولت المحارق اليهودية. ولكن السينما العالمية التي واكبت في الماضي الأوضاع المسيحية من خلال أفلام ملحمية قديمة من نوع Peplum نذكر منها Quo Vadis عام 1951، قدمت في الآونة الأخيرة عددا قليلا من أفلام تدور حول معاناة المسيحيين مثل The Promise (من إنتاج 2016) عن سيناريو وإخراج للإيرلندي تيري جورج، الذي يمكن تصنيفه ضمن خانة الأفلام التي استعادت بشكل أو بآخر حقبة المجازر التي ارتكبتها الدولة العثمانية بحق الشعب الأرمني قبل اكثر من 100 عام، والشريط الوثائقي الفرنسي «إضطهاد المسيحيين اليوم في العالم» (La Persécution des chrétiens aujourd’hui dans le monde) من إخراج رافايل دلبار الذي قدم مشاهد صادمة عن حقيقة تعرّض أكثر من 215 مليون رجل وامرأة وطفل اليوم للإضطهاد في أكثر من 50 بلدًا بسبب إيمانهم المسيحي.

 

ويبقى أهم شريط حديث في هذه الخانة المسيحية، شريط Silence للمخرج القدير مارتن سكورسيزي. في 30 تشرين الثاني 2016  تم عرض فيلم مارتن سكورسيزي Silence  في الفاتيكان بحضور البابا فرنسيس ومئات الآباء اليسوعيين، إضافة الى سكورسيزي وزوجته وابنتيه. شريط  Silence نجح في خلق أجواء مؤثرة وعميقة ومليئة بالقلق والإنزعاج  واللغط الديني، فبطله ضحى بنفسه وكفر بالمسيحية التي يؤمن بها في أعماقه، فقط من أجل إنقاذ المسيحيين. تضحية وافق عليها البابا فرنسيس كما ذكرنا، خصوصا أن رسالة الفيلم تبشّر بأن الإيمان في القلب وليس فقط في الأقوال. رسالة بشّر بها مارتن سكورسيزي الذي سبق ان غاص في بحر الأفلام الدينية مرتين في السابق من خلال Kundun عام 1997 و The Last Temptation Of Christ عام 1988. رسالة كفيلة بخلق لغط كبير وجدل بيزنطي بين الجمهور المتابع، خصوصا بين المسيحيين المنقسمين بين مؤمن بأن الدين في القلب وحسب النوايا، وبين متمسك بعدم إخفاء إيمانه حتى لو كلفه خسارة حياته.

 

سكورسيزي الذي جعلنا كلنا نؤمن بموهبته الفنية مع كل الروائع السينمائية التي قدمها خلال مسيرته الطويلة (12 ترشيحا للأوسكار وفوز بالأوسكار عن فيلم The Departed)، آمن بشرطه وانتظر ربع قرن حتى حققه، أي منذ قرأ في بداية التسعينات احداث هذه الملحمة الدينية السينمائية التي قدمها الكاتب الكاثوليكي الياباني شوساكو إندو في رواية صادرة عام 1966 تحمل العنوان نفسه، وهي مستوحاة بدورها من قصة شريط المخرج الإيطالي الشهير فيديركو فيلليني La Strada.

تحوّلت الرواية شريطا سينمائيا عام 1971 من إخراج ماساهيرو شينودا، قبل ان يقرر المخرج الكبير مارتن سكورسيزي عام 1991 تقديم رؤيته الخاصة عن إضطهاد المسيحيين في اليابان في القرن السابع عشر. وفعلا أنهى سكورسيزي بمشاركة كاتب السيناريو جاي كوكس النسخة الأولى من نص فيلم Silence في منتصف التسعينات، وقرر أن يبدأ بتصويره فور الإنتهاء من شريطه الشهير Gangs of new York عام 2002. ولكن أحد أعظم مخرجي السينما العالمية الذي سبق ان قدم أهم الإنتاجات العالمية (Raging Bull و Taxi Driver وThe Wolf of Wall Street وShutter Island وThe Departed وThe Age of Innocence وCape Fear و CasinoوThe Last Temptation Of Christ) إصطدم بصعوبة تأمين الإنتاج الضخم لشريطه. وهكذا صمت سكورسيزي على مضض وأرجأ الإنطلاق الى اليابان، وسافر بدلا منه في طائرة شريطه Aviator The الذي عرض عام 2004 من بطولة النجم  ليوناردو دي كابريو.

وأخيرا، وبعد ربع قرن على ولادة فكرة الفيلم، نجح مارتن سكورسيزي في ختم مسيرته الإخراجية بمسك رحلة فنية وروحانية ضخمة ومرهقة جدا، وإنجاز أطول فيلم في مسيرته السينمائية (195 دقيقة أي 3 ساعات وربع الساعة تقريبا) بلغت ميزانيته 51 مليون دولار أميركي فقط، بعدما فضل سكورسيزي عدم تقاضي أي مبلغ مادي مقابل أتعابه، ووافق كل من نجوم الفيلم الثلاثة على تخفيض أجرهم من أجل إنجاز الفيلم الذي عانى منتجوه لإيجاد ميزانية له، خصوصا أنه لا يندرج في خانة الأفلام التجارية. حتى التصوير إنتقل من اليابان الى تايوان بهدف التوفير المادي. كل هذا من أجل إنجاز الشريط الإستثنائي الذي كرس له سكورسيزي ربع قرن من العاطفة والحماسة والذي يروي من خلاله  قصة إثنين من الآباء اليسوعيين، سيباستياو رودريغز (أندرو غارفيلد) وفرانسيس جارب (آدام درايفر)، سيسافران إلى اليابان في القرن السابع عشر. هناك سيشهدان إضطهاد مسيحيين يابانيين على يد حكومتهم التي ترغب في تطهير البلاد من أي نفوذ غربي، فتعمد الى إستخدام أكثر الوسائل وحشية لترهيب المسيحيين ودفعهم الى إنكار إلههم  وإحتقاره وإلا كان الموت جزاءهم. وسط كم هائل من المشاهدات والمعايشات القاسية والصعبة، سيحاول الأبوان التبشير بالكتاب المقدس بالسر، بعيداً عن جواسيس النظام العسكري الإقطاعي الحاكم، حتى يجنّبا المسيحيين التعذيب في حال ضُبِطوا وهم يمارسون شعائر دينهم، كالحرق ببطء بسوائل مغلية حتى الموت، أو تعليقهم من أقدامهم مع وضع رؤوسهم في حُفر، أو صلبهم كالمسيح. وعاش الأبوان حالة من الخوف من إمكانية ان يجبرا على الإذعان لطلب الإرتداد عن دينهما والتخلي عنه، وسب ربهما علناً، وهو أمرٌ يخشيان أن يكون معلمهما الأب فيرارا (ليام نيسون) قد أُرغم عليه، خصوصا بعد إختفاء أخباره. خلال إقامتهما في اليابان سينفصل الكاهنان، ويسافر رودريغز إلى الريف، ويلتقي الأب فيرارا الذي تخلى عن دينه.

رودريغز سيعيش حالة من الشك والتساؤلات حول أسباب بقاء الله صامتًا عما يحدث من فظائع في العالم. تساؤلات ستدفعه  للتخلي عن الدين المسيحي في العلن في محاولة للإستمرار وإنقاذ حياة الكثيرين، خصوصا ان المحقق الياباني اعتمد وسيلة ناجحة لزلزلة الأب رودريغز تتمثل في تعذيبه روحيا، من خلال إشعاره بالألم من جراء رؤية المعاناة التي يكابدها رفاقه المسيحيون.

 

وتماما كما تخلى الأب اليسوعي عن دينه علنا من أجل المصلحة العامة، تخلى مارتن سكورسيزي عن النجم ليوناردو دي كابريو الذي يؤمن بقدراته وسبق ان عمل معه على عدد كبير من أفلامه. تخلى عنه لمصلحة العمل التي كانت تقضي التعاون مع نجم أصغر من دي كابريو (42 عاما) لدور الأب رودريغز، فاختار الرائع أندرو غارفيلد (32 عاما) نجم فيلم ميل غيبسون الأخير Hacksaw Ridge الذي قد يحمل له جائزة الأوسكار قريبا. أما لدور الأب فيرارا فاستعان سكورسيزي بالنجم ليام نيسون الذي سبق ان إداره في شريط Gangs of New York. والطريف ان سكورسيزي كان قد فكر بإسناد دور الأب فيرارا للنجم دانيال داي لويس  عندما علم أن ليام نيسون كان في طور الإتفاق على تجسيد شخصية الرئيس إبراهام لينكولن في شريط Lincoln. ولكن الظروف شاءت ان يتبادل النجمان الدورين، فيقدم داي لويس شخصية الرئيس لنكولن ويعود ليام نيسون الى عالم سكورسيزي.

 

من خلال هذا الفيلم  يقدم  سكورسيزي شريطا شخصيا نوعا ما، لا يندرج في خانة الأفلام التجارية التي تهدف للربح المادي. شريط ساحر بتصويره الذي تم في ظروف مناخية قاسية، وأداءات ممثليه المشحونة بالمشاعر القوية. شريط  لا يدور في فلك وقائع تاريخية على رغم  أن أحداثه تدور في إطار تاريخي، نجح في خلق أجواء مؤثرة وعميقة ومليئة بالقلق والإنزعاج  واللغط الديني. فبطله حسب سكورسيزي قدم تضحية كبيرة، فضحى بنفسه وكفر بالمسيحية التي يؤمن بها في أعماقه، فقط من أجل إنقاذ المسيحيين.

(يتبع)

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل