#adsense

الوفد النيابي إلى واشنطن… في Mission impossible

حجم الخط

يتوجه وفد نيابي لبناني الأسبوع المقبل إلى العاصمة الأميركية واشنطن بدعوة من البنك الدولي ، للمشاركة في ندوات ولقاءات مع مسؤولي البنك وصندوق النقد الدوليين في 8 و6 و10 نيسان، تتناول مستقبل السياسات المالية والنقدية والاقتصادية في دول البحر المتوسط والشرق الأوسط.

ويضم الوفد رئيس لجنة المال والموازنة النائب ابراهيم كنعان، ورئيس لجنة الشؤون الخارجية ياسين جابر، ومستشار رئيس مجلس النواب علي حمدان. وتكمن أهمية الزيارة في توقيتها، إذ تأتي بعد أكثر من أسبوعين على زيارة وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو إلى بيروت، والمواقف التي أطلقها باتجاه حزب الله وحزمة المطالب الحازمة التي توجه بها إلى المسؤولين اللبنانيين في ظل العقوبات الأميركية المتصاعدة على إيران والحزب.

وفي السياق، برزت الزيارة التي قام بها وفد من البنك الدولي الخميس إلى بيروت واللقاءات التي عقدها مع رئيسي الجمهورية ميشال عون ومجلس النواب نبيه بري ورؤساء اللجان النيابية، والتي بدت كـ”استطلاع ميداني”، استباقاً لمؤتمر واشنطن، لحقيقة الأوضاع على الأرض ومدى جدية الاجراءات الاصلاحية الحكومية المتخذة. خصوصاً مع تعميم الوفد على كل المسؤولين الذين التقاهم 3 أولويات على الحكومة البدء بها فوراً وهي: معالجة أزمة الكهرباء، وإقرار موازنة تقشّفية لخفض الإنفاق، وإجراء الإصلاحات التي تعهّد بها لبنان في مؤتمر “سيدر” للحصول على التمويل.

ولا شك أنه لم يفت وفد البنك الدولي الاطلاع على الكلام “الخطير” الذي أدلى به حاكم مصرف لبنان رياض سلامة أخيراً، واعتباره أن “سوء الإدارة يسهم في عجز الموازنة والتضخم ويهدّد استقرار البلد، ويثير مخاوف المؤسسات الدولية كالبنك الدولي أو الـIMF أو الـEBRD ووكالات التصنيف التي أصبحت نظرتها للبنان سلبية، لا سيما أنه تبين بعد شهرين من تأليف الحكومة أنها لم تبحث في أي برامج إصلاحية تضع لبنان على مسار إصلاحي”. وتشديد الحاكم على أنه “إذا أردنا تحسين الاقتصاد وتأمين فرص عمل للبنانيين، ينبغي تقليص حجم القطاع العام الذي بات يشكل 35 % من الناتج المحلي الإجمالي”.

وبالتأكيد، لم يغب عن وفد البنك الدولي التعميم الصادر عن وزير المال علي حسن خليل الموجّه إلى مديرية الموازنة ومراقبة النفقات في الوزارة، طالباً منها “تبليغ جميع مراقبي عقد النفقات ضرورة وقف الحجز كلياً لمختلف أنواع الإنفاق، باستثناء الرواتب والأجور وتعويض النقل المؤقت، ابتداء من تاريخه 22 آذار 2019 لحين إبلاغهم تعليمات أخرى”.

الوفد النيابي إلى العاصمة الأميركية سيعقد، بالتزامن مع مشاركته في الاجتماعات السنوية التي يعقدها الصندوق والبنك الدوليان ووزارة الخزانة الأميركية، سلسلة لقاءات مع مسؤولين في الكونغرس بشأن موضوع العقوبات الأميركية على حزب الله، وسط المعلومات الواردة عن تحضير مجلسَي النواب والشيوخ الأميركيين لرزمة عقوبات جديدة لن تقتصر هذه المرة على حزب الله ومسوؤليه وعناصره، بل ستطاول حلفاء ومقربين من الحزب ينتمون إلى أحزاب وتيارات سياسية أخرى. وهذا التوجه كان واضحا في خطابات ومواقف بومبيو في بيروت.

كما يلتقي الوفد رئيسة لجنة الشوؤن الخارجية في الكونغرس الأميركي وعدد من النواب والشيوخ، بينهم من أصول لبنانية. ما يتيح الفرصة أيضاً لمناقشة الإجراءات الأميركية المتعلقة بالمصارف اللبنانية وحركة تحويل الأموال المتخذة تحت عنوانَي مكافحة الإرهاب وتبييض الأموال، والتخفيف قدر الإمكان من تأثيراتها السلبية.

المؤتمر الذي بدأ البنك الدولي بعقده العام 2016 يترافق هذه السنة مع الأوضاع الاقتصادية الخطيرة التي يعانيها لبنان، والمطالبات الدولية الملحة للحكومة باتخاذ إجراءات إصلاحية فعلية وحقيقية لاستعادة الثقة بالمؤسسات اللبنانية والحصول على المساعدات. ومن المنتظر أن يعرض الوفد النيابي كل التفاصيل المتعلقة بالأوضاع السياسية والاقتصادية والمالية والخطط الإصلاحية التزاماً بمقررات مؤتمر “سيدر”، والتشريعات التي أقرّها أو سيقّرها مجلس النواب لتأمين شروط المانحين لا سيما البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.

فهل ينجح الوفد النيابي في مهمته الأميركية والدولية الصعبة هذه وإشاعة مناخ الثقة المطلوبة، في ظل الاجراءات الحكومية الإصلاحية “الخجولة” حتى الساعة وما طرحه وفد البنك الدولي في زيارته إلى بيروت، والذي يعكس انطباعاته “القلقة” في أقل تقدير إزاء هذه الإجراءات، بالإضافة إلى التخفيف من تأثير العقوبات الأميركية على حزب الله وانعكاسها على لبنان؟

ليس من باب التنبؤ ولا من باب التشاؤم، لكن المعطيات القائمة تشير إلى أن مهمة الوفد النيابي في واشنطن لن تكون مفروشة بالورود، بل سيتطلب الأمر من أعضائه بذل جهود حثيثة لإقناع المسؤولين الأميركيين والدوليين الذين سيلتقونهم بصدق النوايا اللبنانية حول إطلاق ورشة حكومية ونيابية إصلاحية جدية، وتحقيق موازنة تقشفية شفافة، وضبط الهدر ومكافحة الفساد وتحديث الإدارة، وسوى ذلك من متطلبات الاصلاح للخروج من هذا الوضع وتحقيق النهوض.

منذ تشكيلها، لا تعطي هذه الحكومة بسلوكها ومسارها والتخبط الذي يحكم الملفات التي تتصدى لها: من النأي بالنفس، إلى النازحين، والتطبيع مع النظام السوري، والكهرباء، والتنازع حول الصلاحيات الرئاسية، وفتح ملفات الفساد “المسيَّسة” باتجاه دون آخر، وغيرها من القضايا، أي ثقة للمواطنين اللبنانيين حول عزمها اعتماد ممارسات سياسية واقتصادية مختلفة عن المراحل السابقة، رغم إعلان سائر المسؤولين عن النية والرغبة بذلك وتحذيرهم من خطورة الأوضاع والانهيار الذي سيطاول الجميع.

وبالتالي، سيكون من الصعب إقناع المجتمع الدولي والدول والصناديق الدولية المانحة بالإسهام بأقصى ما يمكن في مساعدة لبنان وتخطي مرحلة الخطر، إلا عبر سياسات واجراءات حكومية واضحة وشفافة تعيد الثقة المفقودة نتيجة الممارسات السابقة التي لم يخرج الجميع منها بعد. إلا، في حال انقلاب هذه الممارسات والمقاربات الحكومية رأساً على عقب نحو الإصلاح والتحديث الفعليين.

التحذيرات الدولية ليست سراً، والرسائل شديدة الوضوح لا تحمل أي تشفير، وتبليغها يتم من أفواه المسؤولين الدوليين إلى آذان المسؤولين اللبنانيين مباشرة ومن مختلف الدول والمؤسسات والمنظمات الدولية، بدءاً من القيمين على “سيدر” وليس انتهاء بالبنك الدولي: “لا إصلاحات جدية… لا أموال ومساعدات”. بالتالي، الكرة في ملعب الحكومة، فهل ستُحسن اللعب هذه المرة وتمنع الانهيار وتنقذ الوضع؟

قد لا يسمح المجتمع الدولي بانهيار الوضع اللبناني برمّته، لأسباب إقليمية ودولية عدة، ولمصالحه الخاصة. لكنه بالتأكيد لن يجنّد حملات ويحشد طاقات جبارة ويضخ أموالاً ومساعدات بعد اليوم في قربة الدولة المثقوبة، وسيكتفي بالمحافظة على الاستقرار الهش القائم ودعم بعض المؤسسات بما يساعد على ذلك. لكن حتى هذه المساهمة المضبوطة لم تعد تكفي لضمان عدم انفجار الوضع في أي لحظة بظل استمرار حالة الهريان المستفحلة.

لا حلول تنقذ الوضع إلا بالتمسك بسياسة النأي بالنفس والإسراع في اتخاذ القرارات الإصلاحية الانقاذية الصحيحة انطلاقاً من المصلحة اللبنانية الخالصة، بغض النظر عن المطالب الدولية، وأولها الاسراع في إقرار الموازنة العامة التقشفية والالتزام بتخفيض العجز بشكل فعلي، وإقرار القوانين والخطط المطلوبة وتفعيل هيئات الرقابة لمحاربة الفساد ووقف الهدر في مختلف القطاعات، بعيداً عن أساليب المناورة والتذاكي السابقة ومن خلال اعتماد الشفافية المطلقة.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل