#adsense

قال لهم البشير… فكانت زحلة والحكاية

حجم الخط

“أمامكم ساعة واحدة لتتخذوا قراراً تاريخياً. فإما أن تظلّوا في زحلة او أن تغادروها، لأن الطريق ما تزال مفتوحة لبضع ساعات فقط. إذا غادرتم زحلة حافظتم ولا ريب على حياتكم، ولكن سقوط المدينة يصبح حقيقة أكيدة، وهذه تشكل نهاية ملحمة المقاومة. وإذا بقيتم ستجدون انفسكم بلا ذخيرة، بلا دواء، بلا خبز، وربّما بلا ماء… أني افوّض لكم كل الصلاحيات لتقرروا ما ترونه مناسبا، لا اريد ان اتفلسف من بعيد، انا مكاني هو الى جانبكم في زحلة وكنت اود ان اكون معكم لأن بين الموت بقذيفة عشوائية في بيروت والموت حاملا سلاحي في زحلة أفضل ان اموت في المعركة. إذا قررتم أن تبقوا، فاعلموا شيئاً واحداً، أن الابطال يموتون ولا يستسلمون”… وبقوا فوق ولم يستسلموا وبدأت ملحمة البطولة.

كبيرة الكلمة؟ “ملحمة”؟ اصعدوا الى زحلة واسألوا حيطان الملاجئ قبل البشر فوق، ولتخبركم كيف يسطّر الناس العاديون حكاياتهم المستحيلة من لا شيء، هو فقط مزيج من الايمان المطلق وفائق كرامة يصنع تلك الشجاعة الفائقة فتنسج الحكاية الكاملة واسمها، المقاومة.

فوق، الحجارة قبل الابطال تنطق بما فعله المقاومون واهل المدينة الرامشة على البطولة، كانوا فوق تحت حصار هولاكو القرن العشرين، حافظ الاسد وجيشه الجرار، وكانت الاشرفية تستمع بصمت مهيب الى النداء العاجل الذي وجهه الشيخ بشير من قلب الاشرفية للمقاومين.

فوق، كان جيش الاحتلال يسعى لتطويع زحلة لتكون عبرة لمدن وقرى لبنان كافة، وفي الاشرفية كان المقاومون والاهالي يتحضّرون لتلبية النداء. فوق كانوا جيشا جرارا عتادا وعديدا، يضيّقون الانفاس فوق أسوار المدينة وفي بالهم ان النصر محتّم، اذ كيف يصمد هؤلاء الشباب “التافهون” أمام جيش جرار مجهّز بالمدفعية وحتى بالطيران، بينما المقاومون يملكون بالكاد كم دبابة وبارودة؟!

كانت المقاومة منهكة بمعاركها في لبنان من الشمال الى بيروت، وخصوصا الاشرفية، وكانت فرقا موزعة هناك وهنالك، عتادها قليل وعددها قليل مقارنة بجيش منظّم مدجج بكل الأسلحة. لكن فات اولئك البرابرة ان الشجاعة جيش بحد ذاته يقارب المليون ويتفوق على ما عداه من جيوش، وان الايمان بالأرض ذخيرة تفوق سلاحا قد يغمر الارض بباروده وناره. كان الايمان اقوى الاسلحة لان الارض ارضنا، وما كان يملك المقاومون الا الدفاع عنها لأنها معركة حياة او موت لا اقل، فاختاروا المواجهة حتى الموت لأجل الحياة.

وجه الباش نداءه الشهير ذاك من قلب الاشرفية، وكانت الاشرفية تفتح كنائسها وصلواتها لتوجّه النداءات للناس بان يدعموا الشباب في زحلة، ودخلت المناطق المحررة يومذاك في ما يشبه الصمت التام للإصغاء التام، لما يقوله بطل الأيام.

كنا في الخوف الكبير واذ بنا في العنفوان الكبير، كنا لا نفهم بعد في السياسة، لكن نعرف ان ثمة شباب في الشارع القريب هنا، إذا ما احتجنا الى خبز دواء طعام كرامة، سيأتون بها على جناح الطير. أنقذنا الابطال من ذل الاحتلال حين وقفوا عند أبواب الاشرفية لمئة يوم متواصلة وهم يرفعون عنا ضيم اجتياح البرابرة، وعند ابواب الشمال وبيروت وهناك وهنالك، الا يفعلون الامر ذاته في زحلة؟

كنا نعرف ان الشباب سيلبّون النداء، ولن يلتفتوا الى ما سيواجههم من أخطار فعلية. وكان 2 نيسان 1981 وكانت الحكاية. فُتحت ابواب الجحيم على مصراعيها فوق زحلة، والمقاومون يتهافتون من كل لبنان عبر الجبال تحت الثلوج لإنقاذ المدينة، والمدينة بشبابها ورجالها ونسائها تقاوم، تحولت الملاجئ الى بيوت جماعية للكل، بعدما هدم المناضلون الاسوار التي تفصل بين ملجأ وآخر ليتمكنوا من معرفة أوضاع الاهالي والتواصل معهم، وتحوّل الاهالي الى مسعفين في الخبز والطبخ ومداواة الجرحى حين يعجز المقاومون عن الوصول الى المستشفيات التي دكّها جيش حافظ الاسد بوحشية لا تقارب.

وكان نهر الشهادة، نهر يا تاريخاً يا أمّة لا تريد ان تتذكّر، يا وطنا لم يعش الا من دماء الابطال، وحتى اللحظة، حتى اللحظة يخبر المقاومون تلك الحكاية المستحيلة حين دخل أحد المقاتلين الملجأ ليخبر عن استشهاد عدد من رفاقه، فرفضت الامهات معرفة اسمائهم، اذ خشيت كل منهن ان يكون ابنها او ابن الاخرى فينهار الجميع. هي حكاية من مئات الحكايات عن صمود تاريخي لا يقارب، تظن انه ينسج فقط من مخيلة كاتب مبدع، لكنها حكايات من ابداع واقع ابطال، واقع نُسج بالدم والنضال لأجل الانسان والتاريخ في لبنان، واقع اسمه “ملحمة ابطال”.

2 نيسان 1981 تاريخ تمنّى جيش حافظ الاسد لو ينساه بالتأكيد، ولم ينسه، وعاش ما عاش لينتقم من لبنان لأجل ما فعلته زحله به وبرجاله التعساء في زحلة وكل لبنان، ومات حافظ الاسد وزحلة حصرمة قلبه وقلب من استلم من بعده مشعل الاجرام والظلم والتنكيل بلبنان.

ثمانية وثلاثون عاما، وبشار الاسد يحاول ان يمحو هذا التاريخ من الذاكرة ومن التاريخ برمّته، لكنه لن يستطيع، فمفكّرته عامرة بتواريخ الانكسار والذل في لبنان، ولو طالت سنين احتلاله لأرض الابطال والقديسين، وهذه مدينة علّمت هذا الشرق ما معنى المقاومة المسلّحة والمقاومة الشعبية، واحدة من اكبر المقاومات بتاريخ لبنان الحديث الذي سطّره رجالنا بحروف الدم وليس اقل، شباب استشهدوا بنهم الحب للأرض، منهم من استشهد في وعر الجبال تحت الثلوج حين كانوا يحاولون امداد رفاقهم بالسلاح بعدما اقفل جيش الاسد كل المنافذ لتطويع المدينة واحتلالها، ومنهم من نال شرف الاستشهاد في قلب شوارع مدينة قلوبهم، وفيما كانوا هم يذهبون بسخاء الى الاستشهاد، كانت الاشرفية تقرع اجراس الكنائس وتصلي على نية الشباب والنصر…

معركة زحلة، من أنصع الحقائق في تاريخ الكرامة اللبنانية، دبابات الاسد تحطمت عند ابواب المدينة، جبروت المحتل تمرمغ في تراب لبنان، المقاومة وتحت الثلوج والصقيع علّمت الحاقد دروسا بالانتماء والنضال لأجل الارض والمقاومة، وما انتهت بعد الحكاية…

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل