قصة الكهرباء في لبنان – 2

كتب سيمون سمعان في “المسيرة” – العدد 1693

قصة الكهرباء في لبنان:

من الإمتياز العثماني الى البواخر العثمانية

 

غيّرت الكهرباء وجه العالم، صناعةً واقتصاداً ونمط حياة. ومنذ عرفها لبنان في بداية القرن العشرين، بدأت قصةٌ اختلفت على مدى عقود، عن مثيلاتها في بلدان العالم كافة. ففي أي منطقة من العالم نما هذا القطاع وتوسّع ونمت على جوانبه قطاعات، حتى في تلك التي عرفت حروبا وأزمات. إلا في لبنان حيث ما كادت الكهرباء أن تصل إلى مناطق بعيدة، وما كادت قرى نائية أن تنعم بالنور، حتى عادت إلى صدر الدار وسائل بدائية للإنارة والتدفئة والتشغيل. انطلق القطاع بداية في العاصمة بقرار عثماني، وتوزّعت الإمتيازات على شركات عديدة. وتغيّر الشكل والصفة لتتحول تلك النعمة مع الزمن إلى نقمة ومشكلة وضعت لبنان خارج الزمن وخارج المسار الصحيح للتطور. وفيما وسّعت دول المنطقة قدرتها على إنتاج الطاقة الكهربائية خلال العقود الأربعة الأخيرة، واتجهت بقوة إلى وسائل إنتاج نظيفة ومتجددة، وصولا إلى تأمين مردود ربحي من هذا القطاع، اتخذ لبنان الإتجاه المعاكس سواء لناحية تراجع الإنتاج أو زيادة التكلفة والعشوائية والتلوث. وبعدما كان يُنتج أكثر من حاجته للطاقة، صار المشتركون فريسة لأصحاب المولدات الخاصة، والدولة رهينة استجرار جزء من الطاقة من البر ومن البحر. هذا التاريخ من إنتاج الكهرباء في لبنان، حافل بالمحطات والأحداث، ويختصر مسيرة كان يُراد لها أن تكون مضيئة ومجدية. لكن لا الحرب رحمتها ولا سياسات وزراء الطاقة بعد الحرب كانت أفضل. فباتت منتجة للعجز وسوء الإدارة لا للتوفير والإنارة. فما هي أبرز المحطات التي تضمّنها هذا التاريخ، وكيف تطورت؟

 

دخول نفق التقنين… والأزمات

على رغم تواصل الحرب وويلاتها خلال 15 عاما، وتسببها بتدمير الشبكات أو المحطات التي توقفت عن مدّ المشتركين بالكهرباء وفرضت انقطاعا متكررا للتيار، إلا أن التقنين الفعلي بدأ منذ العام 1990، وبالمجموعات المعطّلة التالية:

معمل الجية: 37 في المئة من قدرته الإنتاجية.

معمل الصفا: المجموعتان رقم 1 و2.

معمل الغازية: 68 في المئة من قدرته.

معملا البارد: بكامل قدرتيهما.

وخلال شهر كانون الثاني من العام نفسه، وبسبب الحالة الأمنية، تعذّر وصول المحروقات إلى معمل الزوق، وقد تمت تغذية المنطقة الشرقية من العاصمة جزئيا. أما باقي الشبكة فكان يغذّى بأكثر من 12 ساعة يوميا، بحيث بلغ معدل تغذية شبكة المؤسسة ككل، 11 ساعة وربع يوميا.

وفي شباط من العام نفسه تعطل خطا النقل (الزوق – بصاليم) لعدة أشهر. وتمت تغذية الشبكة بمعدل 3 ساعات وربع يوميا.

وفي آذار زاد على تلك الأعطال، تعطّل مجموعة إضافية في معمل الزوق لما بعد نهاية العام. وتمت تغذية الشبكة بمعدل 3 ساعات وربع يوميا. واستمر الوضع على هذه الحال لعدة أشهر لاحقة.

أما في حزيران فإلى الأعطال السابقة، أدت موجة الحر إلى تزايد الطلب على الطاقة. ولم ترتفع التغذية لبعض الوقت، إلا في آب حيث بلغت 8 ساعات يوميا. واستمر الوضع كذلك طيلة العام بمتوسط تغذية بلغ 5 ساعات و45 دقيقة يوميا. وبلغت الطاقة المقطوعة نسبة 68 في المئة من حاجة الشبكة.

ويبين الإنتاج والإستهلاك في مختلف المراكز التي لم تكن مرتبطة ببعضها البعض، كما هي الحال اليوم، أن معدل التطور السنوي خلال الأعوام 1936 حتى 1950 بلغ 10.8 في المئة. وهو التطور ذاته الذي حصل في السبعينات بعد استكمال إنارة كافة القرى. وبالمقارنة مع العام 1994، فإن ما استهلك على مدى العام 1925 يُستهلك اليوم في خلال 5 ساعات، وما استهلك على مدى العام 1950، يستهلك اليوم في غضون 3 أيام. مع الإشارة إلى أن مدينة بيروت كانت تستهلك ثلثي الطاقة في لبنان. والجدير بالذكر أنه في العام 1950 بلغ الإنتاج المائي 64 مليون كيلووات / ساعة، بنسبة 55 في المئة من مجمل الإنتاج.

ونظرا لاستدامة حال التقنين وحاجة المواطنين وخصوصا المؤسسات والمصانع إلى الكهرباء لتسيير أعمالهم، لجأ المعنيون إلى المولدات الخاصة كحل موقت ريثما تتأمن الكهربا. هذا «الحل الموقت» بات مستداما بعدما عجزت الحكومات المتعاقبة منذ العام 1990 عن تأمين الكهرباء. وطبعا لم يكن الحل الذي اعتُمد مؤخرا بالإستعانة بالبواخر، حلا مستهدفا بل موقتا أيضا حتى تنفيذ الخطة الإستراتيجية لتأمين كامل حاجة لبنان من الطاقة. واستمر التقنين، واستمر الهدر في خزينة الدولة كما الإرتفاع في الدين العام المتأتي من هدر الكهرباء، من دون أن يعمد أي من المعنيين المتعاقبين إلى استنباط الحل الجدي الدائم لتأمين طاقة نظيفة بكلفة معقولة ولـ24 ساعة في اليوم. ولم يتوقف الأمر عند العجز، بل إن عددا غير قليل ممن تعاقبوا على وزارة الطاقة اغتنموا حاجة الناس إلى الكهرباء ليحولوها مصدر انتفاع شخصي. ويحفل الأرشيف بعشرات الحالات التي كان يتم فيها تقاسم الإعتماد مع المتعهد من دون إنجاز المعامل بالمواصفات المطلوبة، فيستمر العجز ويستمر التقنين.

هذا الواقع دفع إلى تنظيم عمل المولدات الخاصة التي بات أصحابها ينتظمون في نقابة ويشكلون شريكا في الإنتاج إلى جانب الدولة، وهو ما ليس ملحوظا طبعا في أي من وثائق التشغيل على مدى مئة وعشرة أعوام منذ الإمتياز العثماني في العام 1909. فأجبَرت وزارة الإقتصاد أصحاب المولدات على تركيب عدادات، ما قضى على آخر أمل لدى المواطنين بأنهم قد ينعمون قريبا بالكهرباء، على غرار سواهم من مواطني دول العالم، حتى تلك التي عرفت حروبا أو كوارث طبيعية. وللمفارقة أن حكاية الكهرباء في لبنان التي بدأت بفرمان عثماني، انتهت بعد قرن وعقد من الزمن، بالعودة إلى خلفاء السلطان للإستعانة بهم في تأمين الكهرباء. وكأنه عهد عليهم استكمال ما بدأوه، علما أن لبنان كان في خمسينات القرن الماضي يُنتج أكثر من حاجته، ويصدّر الطاقة الفائضة إلى الخارج. وكأننا بتنا محترفي عودة إلى الظلام ومجرّدين من الرؤية والتصميم على الخروج… إلى الضوء!

 

**أطراف إنتاج الطاقة الكهربائية في لبنان

يملك المنتجون 21 معملا، منها 15 معملا مائيا تعمل بضغط المياه، و6 معامل حرارية تستعمل المحروقات لتشغيلها.

مؤسسة كهرباء لبنان: مؤسسة حكومية أنشئت بقانون صدر بتاريخ 7/7/1954، وعهد إليها إدارة المشاريع التي استردتها الدولة من شركة كهرباء بيروت (فرنسية _ بلجيكية). وهي من المؤسسات التي تنتج الطاقة وتبيعها لحسابها الخاص. توصلت عام 1994 لتغطية حوالى 87% من حاجات لبنان من الطاقة الكهربائية. تملك 3 معامل حرارية ومعملا مائيا واحدا يستفيد من نبع الصفا.

المصلحة الوطنية لنهر الليطاني: مؤسسة حكومية أنشئت بقانون صدر بتاريخ 14/8/1954 للإهتمام بشؤون الري وإنتاج الكهرباء من نهر الليطاني. بدأت إنتاجها الكهربائي في 22/1/1962. تملك 3 معامل مائية، وتبيع كامل إنتاجها لمؤسسة كهرباء لبنان بموجب تعاقد في ما بينهما بدأ بتاريخ 9/1/1962.

الشركة الفينيقية لقوات نهر ابرهيم المائية والكهربائية، شركة خاصة منحت إمتياز إستثمار الطاقة من نهر ابرهيم بتاريخ 22/10/1927، لمدة 99 سنة. بدأت عملها عام 1950. تملك 3 معامل مائية على مجرى نهر ابرهيم وتبيع كامل إنتاجها لمؤسسة كهرباء لبنان بموجب تعاقد في ما بينهما بدأ بتاريخ 6/3/1950.

شركة كهرباء لبنان الشمالي «القاديشا»، شركة خاصة تنتج وتبيع الطاقة الكهربائية لحسابها الخاص في الشمال. مُنِحت إمتياز إستثمار الطاقة من نهر قاديشا في 6/4/1924 لمدة 50 سنة بعد بدء إنتاجها الذي حصل في إيلول 1929، ومدد لنهاية العام 2011. تغطي حاليا حوالى 11% من حاجات لبنان من الطاقة. تملك 4 معامل مائية على مجرى نهر قاديشا – أبو علي، ومعملا حراريا. بينها وبين مؤسسة كهرباء لبنان عقد تبادل للطاقة منذ أوائل العام 1962. استردت الدولة إمتيازها في 15/10/1985 لتضمها لاحقا إلى مؤسسة كهرباء لبنان.

شركة كهرباء البارد: شركة خاصة منحت إمتياز استثمار الطاقة من نهر البارد بتاريخ 17/1/1946 لمدة 75 سنة أي لعام 2021. تملك معملين مائيين على مجرى نهر البارد. بدأت عملها سنة 1954 وتبيع كامل إنتاجها لكهرباء لبنان. تعاقدت مع مؤسسة كهرباء لبنان بتاريخ 19/8/1953، وحتى نهاية 1978 ثم مع «القاديشا» بين 1/1/1979 و30/6/1989 بعقد مصدق بتاريخ 10/4/1979، وعادت وتعاقدت مع كهرباء لبنان بتاريخ 15/6/1991.

مصلحة مياه بيروت: مصلحة حكومية ينحصر اهتمامها بتأمين مياه الشفة لبيروت، تملك معملا مائيا منذ 16/7/1968 بموجب مرسوم رقم 7661 تاريخ 29/6/1967 على مجرى نهر الكلب. تبيع كامل انتاجه الى مؤسسة كهرباء لبنان بموجب عقد في ما بينهما. اما الامتياز الاول لاستثمار نهر الكلب للطاقة الكهربائية فقد منح بمرسوم رقم 3016 تاريخ 18/11/1953.

شركة كهرباء زحلة: تملك معملا حراريا ومعملا مائيا يستفيد من مجرى نهر البردوني منذ سنة 1923. وهي حسب الامتياز الممنوح لها، تنتج وتبيع الطاقة الكهربائية لمدينة زحلة وضواحيها لحسابها الخاص، لكنها اليوم تستمد حاجاتها من مؤسسة كهرباء لبنان منذ 1/4/1969 بموجب عقد بدأ بتاريخ 25/4/1969 ويستمر حتى نهاية 1998.

شركة الترابة اللبنانية: شركة خاصة بدأت عملها عام 1929. تملك معملا مائيا على مجرى نهر الجوز ومعملين حراريين لتأمين استهلاكها الخاص، وتستمد باقي حاجاتها من القاديشا.

بالاضافة لهذه الاطراف يمكن الاشارة الى ان الشبكة اللبنانية ترتبط بخطوط نقل مع الشبكة السورية المجاورة مما اتاح تبادل الطاقة الكهربائية بين البلدين منذ 23/11/1972 وعلى مراحل متعددة.

(انتهى)

إقرأ أيضاً: قصة الكهرباء في لبنان – 1

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل