مصلحة الوطن فوق كلّ اعتبار

اجتمعوا مع البنك الدولي وبعض الخبراء اللبنانيّين لبتّ موضوع الكهرباء الحيويّ، لا سيّما بعد تسارع المؤشّرات الخطرة للأزمة الاقتصاديّة والماليّة والاجتماعيّة التي لم تعد مكتفية بإطلالة رأسها بل بات جسمها بأكمله وسط الحياة اللبنانيّة. فهل يأخذ لبنان بالتحذيرات الخارجية للبنك الدولي، وبعض الدول، والمنظمات الماليّة، والهيئات الاقتصادية الغربية المعنية بمقررات مؤتمر “سيدر” ، وليس آخرها البنك الأوروبي لإعادة الاعمار والتنمية؟ أم أنّ الفرصة الأخيرة ستضيع كسابقاتها؟

على ما يبدو للمراقبين أنّ المعنيّين اللبنانيّين بملفات الشأن العام قد “حسّوا بالسّخن”، ونار الفساد التي أشعلها بعضهم، منذ ربع قرن تقريبًا، في الهشيم المتبقّي من الدولة آنذاك، قد طاولت حقوله الخاصة. لذلك بدأ الاستنفار حيث أنجز، على سبيل المثال لا الحصر، وزير الماليّة علي حسن خليل تعديلات قيصريّة على مشروع موازنته لوضعها قريبًا على جدول أعمال مجلس الوزراء.

وفي السياق عينه، بدأت التسريبات الصحفيّة بأنّ رواتب الموظّفين ستخفّض، ورتبًا وتدابير من الأسلاك العسكريّة ستحذف، وزيادات ضريبيّة ستقرّ، وتخفيضًا للسّلسلة التي أثقلت كاهل ميزانيّة الدولة، لأنّها فاقت التوقّعات كلّها، لا سيّما أنّ الجبايات التي تقرّرت لها لم تفِ بالحاجة المطلوبة، ستخفّض بنسب عالية. لكن ما يطمئن أنّ معالي وزير المال صرّح أنّه أجرى تخفيضات زادت عن الواحد في المئة الذي التزمته الحكومة في بيانها الوزاري، عملا بتوصيات مؤتمر “سيدر”.

كذلك أيضًا، اجتمعت اللجنة الوزاريّة المكلّفة درس خطّة الكهرباء ما قبل الأخيرة، وبرئاسة دولة الرّئيس الحريري، لبتّ الخطّة النهائيّة وإحالتها على مجلس الوزراء بعدها، لاتّخاذ الموقف الحاسم. لكأنّ هذا الملفّ المكهرب منذ أكثر من ربع قرن لا يزال بحاجة إلى دراسة لتحديد قيمة الأضرار فيه، بغية التوصّل إلى اجتراح حلول عجائبيّة لحلّه! وذلك كلّه وسط حلول عمليّة قدّمها حزب القوات اللبنانيّة في هذا الملفّ كغيره. وينتظر القوّات مناقشته في المشروع الذي تقدّم به، على أمل أن يتمّ ذلك اليوم قبل الغد.

وانطلاقًا من قاعدة شعبيّة قوامها: “لا نستطيع أن نملأ السلّة بالماء”، دعا القوّات إلى سدّ الثغرات التقنيّة وغير التقنيّة وتفعيل الجباية في الكهرباء قبل العمل على زيادة الانتاج فيها وإلا ستتحوّل إلى زيادة في الهدر. وبالنّسبة إلى موضوع الموازنة، نأمل أن تكون التّخفيضات قد طاولت السلطات العامّة كلّها وليس جيوب المواطنين الفقراء الذين يئنّون تحت وطأة الضّائقة الاقتصاديّة والاجتماعيّة في الأساس.

صحيح أنّ الاجراءات الماليّة ستكون موجعة جدًّا لكن لا بديل عنها لتأمين الأموال لمتطلّبات المرحلة الراهنة. اكتفينا إعفاءات ضريبيّة ومخصّصات ماليّة وهبات ومنح لجمعيات وهميّة. هذا الواقع بات ملحًّا جدًّا لجلب الاستثمارات الموعودة لتدارك المؤشّرات الاقتصاديّة السلبيّة التي تشير إلى أزمة وشيكة. ما بين الشر والأشر علينا الاختيار وإلّا وقعنا في الافلاس المحظور.

فالبديل من هذه الاصلاحات المؤلمة هو مؤلم أكثر. نأمل ألا تضيع الفرصة هذه المرّة لأنّها الأخيرة، لا سيّما أنّ المنطقة ستشهد تغييرات حتميّة في الكيانات السياسيّة، وفي أيديولوجيّات الحكم فيها. وذلك على وقع تذوّق الشّعوب الحرية التي كانت محرومة منها. فهي لن تقبل بعد اليوم بأن تكون مستعبدة لأنّها أعتقت بسواعد ودماء أبنائها الأحرار.

كذلك في الملفّ الدولي الضاغط نحو تحقيق إنجازات دوليّة، على مستوى السلام الدولي، لكن انطلاقًا من رؤية بعيدة كل البعد من الرؤى العربيّة. وذلك على وقع تهويد مقبل للجولان، وتخوّف من أن تكون الأجزاء المتنازع عليها بين لبنان وسوريا هديّة ترضية فوق الهدية الأساسية. ولإنعاش الذاكرة فقط، لقد كان القوّات من أوائل المطالبين بترسيم الحدود مع سوريا لحلّ هذه المسألة؛ لكن المصالح الخاصّة لبعضهم غلبت المصلحة العامّة. أما آن الأوان بعد لتغليب مصلحة الوطن على المصالح كلّها؟

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل