حكومةٌ لا تملك الخيار… الإصلاحات بـ”الإجبار”

تسارعت الاجتماعات واللقاءات الرسمية على خطَّي ملفَّي الموازنة العامة وخطة الكهرباء، اللذين يتصدران الأولوية نظراً للمؤشرات التي تعطيها ماهية القرارات التي ستتخذها الحكومة لمعالجة هذين الملفين الأساسين، إن لخفض العجز المالي للخزينة أو وقف الهدر والفساد والنزف في قطاع الكهرباء. في وقت، كل المعطيات تؤكد أن الهروب إلى الأمام من مواجهة الحقائق عبر استخدام المساعدات الدولية كـ”مسكنات” مرحلية، لم يعد ينفع، فضلاً عن أنه بات غير متاح من قبل الدول المانحة.

وبدت الحكومة مع مطلع الأسبوع الحالي كمن يسابق الوقت بين الإصلاحات والقرارات “الموجعة” والانهيار الاقتصادي المحتوم، وفق كل التحذيرات المحلية والدولية المتكررة، وآخرها تلك التي أطلقها بالأمس النائب الأول لرئيس البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية يورغن ريغتيريك، بعد زيارته على رأس وفد ضم نائب رئيس البنك بيار هيلبرون، رئيس الحكومة سعد الحريري ووزير المال علي حسن خليل، بعدما لفت الى “أنّ المؤشرات الاقتصادية الحالية تشير الى أزمة وشيكة”.

وبعدما راجت معلومات أن خطة الكهرباء ستُطرح على مجلس الوزراء غداً الخميس لاتخاذ القرار، بعد الاجتماعات المتلاحقة على مدى اليومين الماضيين للجنة الوزارية المكلفة متابعة هذا الملف برئاسة الحريري والتي درست ورقة “القوات اللبنانية” لمعالجة وضع الكهرباء، لم يحسم وزير الإعلام جمال الجراح في تصريحه إثر اجتماع اللجنة الوزارية أمس الثلاثاء الأمر، كاشفاً عن اجتماع ثالث للجنة بعد ظهر اليوم الأربعاء للانتهاء من بحث الموضوع. فيما أعلنت وزيرة الطاقة ندى البستاني عن احتمال عقد جلسة لمجلس الوزراء الجمعة المقبل في قصر بعبدا، لعرض خطة الكهرباء والتقرير في شأنها.

أما في ما يتعلق بمشروع الموازنة العامة الذي أعده وزير المال ويهدف للوصول الى سقف عجز لا يتجاوز التسعة في المئة من الناتج المحلي، وبعدما طلب رئيس الحكومة منه في إجتماعهما الإثنين الماضي إجراء تخفيضات إضافية والعودة إليه للنظر في الموضوع ليتقرر على ضوء ذلك موعد عرضها على مجلس الوزراء، فعاد الحريري وإلتقى حسن خليل عصر أمس الثلاثاء لليوم الثاني على التوالي، والذي حمل معه مسودة الموازنة كاملة متضمنة مشروع خفض العجز بنسبة أدنى بنحو 2.4% عما كان عليه في موازنة 2018.

وعلم أن وزارة المال أحالت مسودة مشروع الموازنة المخفضة الى الأمانة العامة لمجلس الوزراء، تمهيداً لمناقشتها. في وقت، أعلن وزير المال أن توقيت عرضها على مجلس الوزراء يبقى في يد رئيس الحكومة.

الخبير الاقتصادي الدكتور جاسم عجاقة يؤكد في حديث إلى موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، أن “النقطة الأساسية التي على الجميع أن يعرفها، هي أن الطبقة السياسية في لبنان لم يعد لديها الخيار، وهي تعيش تحت ضغوط دولية بشكل متواصل وواضح وغير خافٍ على أحد”.

ويضيف أنه “سواء كانوا يريدون أو لا يريدون، هم ملزمون بالتنفيذ وإجراء الإصلاحات المطلوبة واتخاذ القرارات اللازمة”.

ويشير عجاقة إلى أن “الإجراءات التي اتخذت في مشروع الموازنة العامة فيها الكثير من الاقتراحات على هذا الصعيد، ووزارة المال تعرف جيداً أين يمكن أن تخفض العجز ومتى”. لكنه يلفت إلى “المخاوف من أن تكون موازنة العام 2019 كسابقتها موازنة الـ2018، أي خفض العجز والإنفاق على الورق، فيما فعلياً على الأرض لا يتمكنون من تطبيق أي شيء”.

ويشدد على أن “ملف الكهرباء يشكل أكبر باب يمكن من خلاله أن يوفّروا إذا كانوا يريدون ذلك. لكن هذا الأمر لا يعني أنه لا يمكنهم ذلك أيضاً في أبواب أخرى”.

“الفساد مستشرٍ في كل مكان، وهناك عدد معين من الاجراءات التي لديها مفعولاً فورياً مباشراً في حال اتُخذت”، يؤكد عجاقة، معتبراً أن “أسطع مثل هو ما يجري في مرفأ بيروت”. ويضيف: “لا أحد يمكنه ألا يرى التهرُّب الجمركي في المرفأ، حيث لا تخرج أي بضاعة بتعريفها الصحيح للتهرب من الضرائب، وهذا أمر مستغرب بشدة. وكذلك التهريب القائم على الحدود من دون أي رادع”.

ويكرر أن “هناك عدداً كبيراً من الإجراءات التي يمكن أن تحدث تغييراً جدياً، إن كانوا يريدون فعلاً اتخاذ القرارات المناسبة”. ويشير إلى أنه “في ما يخص الدولة وإنفاقها، فليعذرونا، ليس من الضرورة أن يسافر جيش من المرافقين مع كل مسؤول ووزير ونائب. يمكن أن يذهب عدد محدود من المرافقين، ويمكن تخفيض الدعم للسفر ومنع بعض السفريات غير الضرورية”.

ويلفت إلى أن “هناك لائحة طويلة من التدابير اللازمة التي يمكنهم اتخاذها. وأعتقد، ليس فقط 9%، بل يمكنهم تخفيض العجز في الموازنة أكثر من ذلك بكثير إذا كانت لديهم النيّة الصحيحة. لكن مخاوفي تبقى في أن يظل الموضوع على الورق فقط لا غير. وهذا أمر مخيف بل مرعب، لأنه بذلك يكون هناك لعب بمصير وطن”.

غير أن عجاقة يعطي بعض الأمل رغم سوداوية الواقع، ويقول: “إيماني أنه من اليوم فصاعداً الأمور لن تكون كما كانت سابقاً، إذ سيكون هناك عيون سياسية كثيرة مفتوحة على الإنفاق الحكومي. وأعتقد أن الصرخة ستتصاعد من قبل الكثير من الأطراف، إذا حصل تخطٍّ غير منطقي وغير معقول”.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل