لاجئون وبعد…

تقرّ روسيا اليوم بأنّ أزمة النّازحين هي في غاية التّعقيد وهي غير مرتاحة لأنّ مبادرتها، المفترض أن تكون من غير عقبات، تواجه أعتى العقبات من لبنان ومن النّظام السّوري بحدّ ذاته. وبعدما خطف وهج ضمّ الجولان الأضواء عن ملفّ النّازين، يبرز ملفّ جديد اليوم يتمثّل في العمليّة السريّة الاستخباراتيّة التي استعادت بوساطتها إسرائيل رفات الجندي “زخريّا باومل” الذي سقط خلال اجتياح لبنان في معارك السلطان يعقوب البقاعيّة، وذلك بعد مرور سبع وثلاثين سنة على اجتياح لبنان في العام 1982.

ناهيك عن الملفّات الاقتصاديّة الضّاغطة كموضوعي الكهرباء وخفوضات الموازنة. فالأوّل خطأ بالأصفار في الأرقام غيّب 270 مليون بتهكّم تامّ، لكأنّ الاستخفاف بعقول النّاس بات مهنة شريفة يمتهنها بعضهم. أمّا في الموضوع الثّاني، أي الموازنة، فهي أصبحت في المربّع الأخير على أمل ألا تطال الخفوضات الموعودة جيوب النّاس الكادحين الذي يكابدون الفقر والجوع ليبقوا أحرارًا في هذا الوطن. والأهمّ من ذلك كلّه، كي لا يفقدوا إيمانهم بلبنان.

ويتفوّق على هذه الملفّات الملفّ الأكثر تعقيدًا وهو ملفّ مكافحة الفساد. صحيح أنّنا بتنا نسمع من هنا ومن هناك بـ”قبّة باط” في بعض الوزارات والادارات العامّة لمحاكمة من ثبت فسادهم. ومن المؤكّد أنّ هذه خطوة مطلوبة. لا بل منتظرة. لكن نأمل ألا يكون المرتقب هو المنتظر. أعني بذلك أن تقف مكافحة الفساد عند حدود بعض موظّفي الفئات الدّنيا ويتمّ حماية الفاسدين الكبار.

إزاء هذه الملفّات كلّها، يبدو خوف جديد يطال اللّبنانيّين في أرزاقهم وبالتّالي في أعناقهم. يكفي أن تنظر إلى الدّساكر والقرى في جبالنا وأريافنا التي تحوّلت إلى بقع “ويكأنديّة” (من كلمة week end باللّغة الانكليزيّة). نريد مخطّطات تقدّم من أحزابنا ومن وزاراتنا المسؤولة، تعيد فيها الحياة إلى أريافنا حيث الأرض الرّغيدة تطعم أبناءها جميعهم. اكتفينا تنظيرًا ومثاليّات.

والخوف الأدهى يكمن في تحوّل اللّبنانيّين أنفسهم إلى لاجئين في بلدهم. استجداء الكهرباء من دول الجوار في حين أنّنا كنّا من البلدان الأولى التي أنتجت طاقة كهرومائيّة نظيفة في جوارنا. ذلك على وقع بحث العدوّ الاسرائيلي مشروع لإنتاج الطاقة الكهرومائيّة من عمليّة استجرار لمياه المتوسّط إلى مياه البحر الميّت الذي يبلغ انخفاضه عن مستوى المتوسّط حوالي 400 متر بحسب سجلات العام 2013. ما يجعل توليد الطّاقة بحسب الجاذبيّة أمرًا بسيطًا جدّا. إضافة إلى تحويل البحر الميّت إلى بقعة حياة بعد انخفاض نسبة الملوحة فيه على أثر زيادة مياهه بمياه المتوسّط.

وفي موضوع الموازنة والخفوضات المطروحة، انتظار اللّحظة الأخيرة في الموضوع الاقتصادي لا يتطلّب حلولا جزئيّة بل هو بحاجة إلى “حكيم” لإجراء عمليّة استئصال جذريّة للورم الاقتصادي الفاسد المتفشّي في جسم الدّولة كلّه. لذلك تقدّمت “القوّات” بالخطط في مختلف المجالات. والمطلوب اليوم التحلّي بجرئة المناقشة لا البحث عن المزيد من الحجج لاستخفاف العقول تارة بحذف الأصفار، وطورًا بزيادتها من دون هوادة لزيادة الخيرات الخاصّة لبعضهم على حساب الخير العام.

يكفي أن ننظر إلى الواقع بحكمة. في حين أنّ مصير المئات من المفقودين اللّبنانيّين في السجون السّوريّة ما زال مجهولا، يعقد هذا النّظام صفقات استخباراتيّة مع العدوّ. فلماذا إذا نكال بأندى الشتائم عندما نقول عن هذا النّظام بأنّه عدوّ؟ فهو نفسه يعتبرنا أعداءه. وإلا فليتفضّل أولئك كلّهم وليضعوا حدًّا لدموع الأمهات التي ما جفّت منذ أكثر من أربعة عقود خلت. عدا عن ذلك، تنتظرنا أيّام عصيبة إذا لم نجرؤ بأن نكون حكماء. وإلا فعلى لبنان السلام. وقد أعذر من أنذر.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل