بوسطة عين الرمانة… خلصت الحرب وتغير اللاعبون – 1

كتبت جومانا نصر في “المسيرة” – العدد 1693

13 نيسان 1975 – 13 نيسان 2019

بوسطة عين الرمانة… خلصت الحرب وتغير اللاعبون

 

عين الرمانة البداية. كان ذلك ظهر الأحد 13 نيسان 1975. تعددت الروايات والحقيقة واحدة: «لا بوسطة عين الرمانة البداية ولا اتفاق الطائف النهاية. كثر قالوا… لو لم تمر تلك البوسطة في عين الرمانة». كثر تمنوا ذلك، أو فكروا أنها كانت قصة بوسطة، لكن ليس بعدما صارت الكذبة حقيقة وصاروا جزءا من تلك الرواية الملعونة التي أثبتت أنها لم تكن البداية إنما استكمالا لسيناريو حرب حيكت خيوطه مع أحداث الأعوام 1958 و1967 و1973 وصولا إلى لحظة القرار وساعة الصفر في بوسطة عين الرمانة. ما حصل «كان متل الكذب»، لكن الكذبة صارت حقيقة مع سقوط الشهيد الأول جوزف أبو عاصي لتكر سبحة الشهادة على مذبح الوطن.

 

من استقلّ البوسطة ذاك اليوم فكر أنها مسألة مناوشات عادية، ركض إلى القبو وأعاد تنظيف بارودة جده من الصدأ أو «جفت الصيد». فكر أنها أحداث عابرة تنتهي مع تراجع التنظيمات الفلسطينية المسلحة إلى مواقعها، إلى خطوطها غير الأمامية، إلى مخيماتها. ولم تكد تشرق شمس الاثنين 14 نيسان 1975 حتى كانت جميع طرق ضاحية بيروت الجنوبية قطعت، بسبب الإنتشار الكثيف للمسلحين وأحراق الدواليب. فجأة صارت حدود الوطن «شرقية» و»غربية»، والسواتر الترابية التي كانت تشقع عالية حددت مسار ذاك التاريخ. من هناك كانت البداية ل 13 نيسان لم تكتب نهايته بعد وبدأ توسع القتال. واستبدل «الشباب» المحفظة بالبندقية. وصار 13 نيسان حكاية في تاريخ لا يحتمل أكثر من كذبة.

خلصت الحرب واندلعت حروب على جبهات الفساد والسلاح غير الشرعي وسيادة الدولة المنقوصة. والنهاية تُكتب مع إعلان الجمهورية.

 

ما حدث في عين الرمانة صبيحة الأحد 13 نيسان 1975 لم يشكل مفاجأة لكل الذين كانوا يتابعون عمليات التعبئة الطائفية، وشحن النفوس بالحقد والإثارة خلال الأسابيع السابقة. لقد كانوا يتوقعون الانفجار، بغض النظر عن حجمه وشكله وأسبابه. أخبار وشائعات، خوف وفوضى ومحاولات «إسدال ستارة» وتركيب سيناريوهات لطمس الأحداث التي وقعت وامتصاص نقمة ذيولها فيما الحقيقة كانت ماثلة هناك في شارع مار مارون في عين الرمانة وتجلت ساطعة كالشمس بعدما صمت صوت العقل ظهر ذاك اليوم. فماذا حدث تحديداً في عين الرمانة قبل ظهر ذلك الأحد؟

كان مقرراً أن يبدأ عند الساعة الحادية عشرة من قبل الظهر ذاك اليوم إحتفال بتدشين كنيسة سيدة الخلاص للروم الكاثوليك في شارع مار مارون المتفرع من شارع بيار الجميل، بحضور رئيس حزب الكتائب اللبنانية الشيخ بيار الجميل. وتم استدعاءعناصر من مفرزة السيار المحلية لتنظيم السير في الشارع. وتزامنا كانت منظمة التحرير الفلسطينية تقيم إحتفالات في مخيم صبرا، بمشاركة جميع الفصائل الفلسطينية.

 

حوالى الساعة العاشرة، وصلت إلى عين الرمانة سيارة من نوع فولكسفاغن يقودها لبناني يدعى منتصر احمد ناصر، وتكشف لوحتها بأنها تابعة للكفاح المسلّح الفلسطيني.حاول رجال السير منعه من التقدم إلى حيث يقام الاحتفال فتجاوزهم، ليصطدم بشباب الكتائب الذين حاولوا بدورهم منعه من المرور، لكنه لم يذعن وأكمل طريقه بسرعة، فأطلقت عليه النار، فتوقف وترجل من سيارته بسرعة، وإذ به يسقط على الأرض نتيجة لإصابة طفيفة في يده نقل على أثرها إلى مستشفى القدس الذي كانت تشرف عليه المقاومة الفلسطينية. لكنه اختفى صباح اليوم التالي بحسب تقارير قوى الأمن الداخلي. أين وكيف؟ الجواب لا يزال لغزا حتى اليوم أو لعل المطلوب كان أن يبقى لغزا لتكتمل فصول الرواية.

بعد ثلثي الساعة تقريبا أي قبل بدء الاحتفال بنحو ربع ساعة، وصلت إلى مكان الإحتفال سيارة من نوع فيات حمراء اللون تقل أربعة مسلحين، وكانت لوحتها الأمامية مغطاة بأوراق تحمل شعارات فلسطينية، فيما تم نزع اللوحة الخلفية. إجتازت السيارة حاجز الدرك الذي أقيم إثر عملية إطلاق النار السابقة، وأطلق من بداخلها النار عشوائياً على الأهالي الذين تجمعوا عند مدخل كنيسة سيدة الخلاص فسقط الشهيد الأول المرافق الشخصي للشيخ بيار الجميل جوزف أبو عاصي ورفيقه أنطوان ميشال الحسيني وديب يوسف عساف وإبراهيم حنا أبو خاطر. إضافة إلى 7 أشخاص آخرين.

يومها كان مقررا أن يحتفل الشهيد جوزف أبو عاصي بنيل إبنه البكر بشير سر العماد في نفس الكنيسة بعد الإنتهاء من إحتفال التدشين الرسمي. ذاك اليوم ارتدى جوزف البزة الرسمية التي اشتراها للمناسبة لكنه مشى إلى مثواه الأخير ليسجل التاريخ إسمه إول شهيد على قائمة شهداء المقاومة المسيحية في الحرب اللبنانية. فكان رد فعل الأهالي وحزبي الكتائب اللبنانية والأحرار أكثر من طبيعي. حملوا البندقية دفاعا عن وجودهم، ونتج عن الفوضى التي حصلت مقتل عنصر فلسطيني وإصابة آخرين تم نقلهما بواسطة عناصر تابعة لسرية الدرك إلى مستشفى القدس، في ما نقل الجرحى من أبناء عين الرمانة إلى مستشفى الحياة. وفور وقوع الحادث شاع الخبر بأن مسلّحين فلسطينيين إستهدفوا الشيخ بيار الجميل في محاولة لإغتياله وبدأ الإنتشار الكثيف لشباب المنطقة في الأرجاء والشوارع المحيطة بمكان الحادث حاملين بنادق الصيد وأسلحة خفيفة.

 

حاول الأهالي لملمة آثار الحادث المأساوي على رغم كل أجواء التشنج والتوتر. لكن الواضح أن القرار بالحرب اتخذ مع اقتحام «بوسطة» تقل مسلّحين فلسطينيين كانوا متوجهين إلى مخيم تل الزعتر، وكانت بنادقهم وثيابهم المرقطة وأعلامهم ظاهرة من نوافذ الأوتوبيس، وينشدون الأناشيد الحماسية. المشهد روّع الأهالي وظنوا أن هجوماً مفاجئاً تتعرض له عين الرمانة، بعد الحادث المأساوي الذي وقع أمام الكنيسة. وكرد فعل دفاعي أطلق الشباب الذين نزلوا إلى الشارع لحماية الأهالي النار على الحافلة مما أدّى إلى مقتل 27 راكباً. على الفور انتشرت الحواجز وتم قطع الطرق بالإطارات المشتعلة، وبدأت الشائعات، والأخرى المضادة تمطر على أهالي في عين الرمانة واحياء بيروت، مما اضطر رئيس حزب الكتائب اللبنانية الشيخ بيار الجميل التوجه إلى البيت المركزي في الصيفي، حيث تلقى إتصالاً من رئيس الحكومة رشيد الصلح الموجود في مبنى المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي وتمنى عليه الحضور إلى المقر مع وزيري الكتائب لويس أبو شرف وجورج سعاده للتداول فيما حصل.

أول تصريح للشيخ بيار الجميل جاء من البيت المركزي حيث أعلن فيه أن هناك  أيادي مجرمة تعمل على إشعال الفتنة في لبنان وهي بدأت في التحرك منذ حوالى الشهرين. ولفت إلى الأحداث التي وقعت في فترات سابقة، مرورا بعمليات الشغب وتفجير خمسة مراكز تابعة لحزب الكتائب في مناطق مختلفة وصولا إلى إطلاق النار على شبان من سيارة مرسيدس مسرعة وإصابة أحدهم بجروح في عنقه. وختم مؤكداً أن العقلاء الفلسطينيين لا يريدون ذلك ولا يقدمون على مثل هذه الأعمال. وبهدف السعي لتطويق ما يجري غادر الجميل البيت المركزي يرافقه وزيرا حزب الكتائب ورئيس إقليم عاليه الكتائبي طانيوس سابا.

تلك الليلة لم يرقد جفن أي من المسؤولين السياسيين والحزبيين في لبنان. وكان واضحا من خلال الوسائل التي تتم فيها معالجة شرارة فتيل الحرب عن طريق لفلفة الوقائع أن شيئا ما سيحصل، وصحّت كل التوقعات. فأصوات الطلقات النارية التي كانت تسمع في محيط سيّار الدرك وعدة أحياء في بيروت تردد صداها إلى البيت المركزي. هذا عدا عن عمليات إطلاق النار على مراكز حزب الكتائب اللبنانية وإلقاء عبوات ناسفة في الشوارع. ومع تقدم الوقت راحت أصوات الانفجارات تزداد كما الشائعات.

 

لم تكد تشرق شمس الاثنين 14 نيسان 1975 حتى كانت جميع طرق ضاحية بيروت الجنوبية قطعت، بسبب الإنتشار الكثيف للمسلحين وأحراق الإطارات وانقسمت بيروت كما ناسها بين شطرين «شرقية» و»غربية».

من استقلّ البوسطة ذاك اليوم لم يكن يدرك أنها الحرب الملعونة التي سيخوض غمارها دفاعا عن أرض وشعب وبيت. فكر أنها مسألة مناوشات عادية أو أحداث عابرة  تنتهي مع تراجع التنظيمات الفلسطينية المسلحة إلى مواقعها، إلى خطوطها غير الأمامية، إلى مخيماتها. تماما كما حصل في العام 1969 و1973. لكن ما حصل «كان متل الكذب». فجأة صارت حدود الوطن سواتر ترابية تشقع عاليا لتحدد مسار ذاك التاريخ الملعون وتحول مسار شباب ومقاومين ووطن ليكونوا العنوان في حكايات أبطال من التاريخ.

 

«نيسان 1975 لو لم تمر تلك البوسطة في عين الرمانة». كثر تمنوا ذلك، أو فكروا أنها كانت قصة بوسطة، لكن في تحليل هادئ للأحداث التي جرت ذلك الأحد، تبين لاحقاً أن السلطات الأمنية اللبنانية كانت وقّعت نهار 2 نيسان اتفاقاً مع ممثلي المنظمات الفلسطينية تمثلت فيه حركة فتح بأبو حسن سلامة، منع بموجبه مرور المواكب الفلسطينية في عين الرمانة ذلك النهار، تحسباً لما قد يحدث ذلك النهار الذي صادف فيه احتفال حزب الكتائب ومنظمة التحرير الفلسطينية. وكان يمكن أن لا تمر البوسطة لأن الوصول من مخيم صبرا حيث كان الاحتفال الفلسطيني إلى مخيم تل الزعتر لا يفترض المرور في عين الرمانة، وتحديداً في هذا الشارع.من هنا يصبح السؤال ملحا، لماذا سلك سائق «البوسطة» وهو لبناني يعرف طرقات المنطقة جيداً هذه الطريق التي تمر في عين الرمانة؟ والأهم لماذا لم تخطره القيادة الفلسطينية بتجنب المرور في أحياء عين الرمانة وهو ما تمّ الاتفاق عليه قبل أيام؟

جواب واحد أدلى به سائق البوسطة خلال التحقيق وقد يؤرخ لحقيقة بقيت منقوصة، حيث قال بأنه سلك هذه الطريق بتوجيه من أحد رجال الشرطة البلدية. لكن من كان ذاك الشرطي البلدي وهل كان وجوده في المكان والزمان المخطط لهما لإشعال فتيل الحرب اللبنانية؟

يقول الدكتور فريد الخازن في كتابه «تفكك أوصال الدولة اللبنانية» أنه لم يتم التعرف إلى هوية ذلك الشرطي البلدي إطلاقاً ولا أحد يعرف كيف «حضر» إلى تلك النقطة وكيف أختفى منها فجأة، كما لو كان شبحاً. وبقي سرّه لغزاً من ألغاز الحرب اللبنانية لا تفسير له. وفي كتابه «المكتب الثاني حاكم في الظل» يقول الصحافي نقولا ناصيف (ص 497): «أنه على أثر شريط الأحداث الذي حصل نهار الأحد 13 نيسان 1975 أظهرت المعلومات المتوافرة لدى الشعبة الثانية في الجيش اللبناني وجود عناصر عملت على تأزيم الوضع كلما مال إلى الهدوء، مدفوعة من جهات غريبة. ففي أثناء الأحداث إعتقل ضابط في الجيش العراقي منتدب للعمل في جبهة التحرير العربية مع ثلاثة أشخاص «غرباء» هم أردنيان وفرنسي ينتمون إلى الجبهة المذكورة إضافة إلى لبنانيين ينتميان إلى الجناح العراقي في حزب البعث كانا يحاولان سرقة سيارات لإستعمالها في التخريب. وقد حاولت السلطات اللبنانية أن تذهب في التحقيق إلى عمق الأحداث، لا الوقوف عند مظاهرها. فتبين لها أن منتصر أحمد ناصر راكب سيارة الفولكسن فاغن، الذي افتعل المشكل هو من الجنوب من مقاتلي جبهة التحرير العربية المدعومة من العراق، كذلك هم معظم ركاب البوسطة.

وفيما خص سيارة الفيات التي كانت تقل المسلحين الأربعة، التي أطلقت النار على الشهيد جوزف أبو عاصي ورفاقه، فبقيت مجهولة الهوية، لأن الجريح الذي نقل منها إلى مستشفى القدس، اختفت آثاره، ولم يعرف من هو، وبالتالي إلى أي فصيل فلسطيني ينتمي، أو إذا كان ينتمي أصلاً إلى المقاومة الفلسطينية. واصطدم التحقيق بجدار تهريب الدليل، الذي قد يكون مفتاحاً لمعرفة منشأ الحادثة.

أما بالنسبة إلى هوية مطلقي النارعلى البوسطة فالجواب ورد على لسان الصحافي جوزف أبو خليل ودونه في كتابه «قصة الموارنة في الحرب» (ص.20): «لم يكن بين مطلقي النار في عين الرمانة أي كتائبي ملتزم، بل كانوا مجموعة من الأهالي الذين ما أن رأوا الموكب الفلسطيني المسلح حتى هبّ كل ّ إلى سلاحه، وقد ظنوا أنهم يتعرضون لهجومٍ، وراحوا يطلقون النار بشكل لا يعبر عن شجاعة بقدر ما يعبر عن ذعر. ولقد كانوا كلهم تقريباً لا يتبرأون من الكتائب ولا الكتائب تستطيع التبرؤ منهم. وعلى هذا النحو أصبح حزب الكتائب مسؤولاً عن حادث لم يشارك فيه ولا كانت له يد في أي واقعة من وقائعه».

فهل كان الهدف مما جرى في عين الرمانة يومها إغتيال رئيس حزب الكتائب اللبنانية الشيخ بيار الجميل، أم إيجاد الشرارة المطلوبة لاندلاع الحرب بعد أن فشلت الشرارة الأولى في صيدا والتي تمثلت في إغتيال معروف سعد، وبقيت مؤسسات الدولة لا سيما الجيش اللبناني متماسكة؟.

خلصت الحرب وتغيرت أوراق اللاعبين. فبعد توقيع إتفاق الطائف في 22 تشرين الأول 1989 والتصديق عليه في البرلمان اللبناني في 5 تشرين الثاني من العام نفسه توقّع اللبنانيون أن ينعموا بالسلام المنشود في دولة تحكمها المؤسسات ويكون السلاح فيها محصورا بالجيش اللبناني. لكن «أسياد وأتباع نظام الإحتلال السوري عبثوا في الأمن والسلام المنشودين وبدأت حروب من نوع آخر. صراعات داخلية، إغتيالات طالت شخصيات سياسية على رأسها الرئيس الشهيد رفيق الحريري وإعلاميين ونواباً ووزراء. وصولا إلى حرب تموز وخروج جيش الإحتلال السوري من لبنان في 26 نيسان 2005.

خلصت حرب بوسطة عين الرمانة  واندلعت حروب على جبهات سيادة الدولة وبسط سلطتها على كافة أراضيها ومؤسساتها، ونزع السلاح غير الشرعي، وترسيم الحدود ووقف الفساد في مرافق الدولة وضبط سياسة الهدر والإنفاق إنقاذا للوضع الإقتصادي التي وصل إلى حافة الإنهيار وتحرير القضاء من عنق زجاجة التدخلات السياسية.

خلصت الحرب وطويت صفحات للتاريخ بعد مصالحات تاريخية أبرزها تفاهم معراب في 18/1/2016 ومصالحة بكركي بين «القوات اللبنانية» وتيار المردة في 14/11/2018.

 

«بالحرب قوات، وبالسلم قوات». قالها سمير جعجع وأكد في أكثر من خطاب أننا كحزب قوات لبنانية تحت القانون» فهل تنصف العدالة والقانون من دفعوا ثمن بقاء كل لبناني حر على أرضه آلاف الشهداء والمعوقين والمعتقلين في السجون السورية؟

خلصت الحرب لكن التوقيع مؤجل حتى الوصول إلى الجمهورية القوية. عندها فقط نستحق الشعار «تنذكر وما تنعاد».

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل