هستيريا الشائعات تعرّي ثقافة اللبنانيين

منذ أشهر قليلة، اجتاحت هواتف اللبنانيين رسائل صوتية مخيفة عن حال الطقس مع كل “بخة” مياه، حتى خيّل الينا في لحظة صدمة، أن لبنان لم يشهد في تاريخه القديم ولا حتى المعاصر، على تساقط امطار أو طقس شتوي وثلوج.

كم من مرة سمعنا عن هلع من انهيار الليرة اللبنانية، أو عن وضع صحي حرج يطاول أحد السياسيين؟ كم من مرة وصلت الى هواتف أكثر من 4 ملايين لبناني رسائل ذُيلت مصادرها بجهات رسمية تطلب منا الحذر، ليتبين في ما بعد أنها أخبار مختلقة عارية من الصحة؟ واللائحة لا تنتهي!

جديد الأيام الماضية، حالة الهلع التي رافقت أهالي طلاب المدارس. وكأن المؤسسات التربوية أماكن يجب ان نخشى منها لما تحمله من خطر على اولادنا.

قد تكون قضية الطفل مارفان حبيقة أقلقت أولياء الأمر، لهول ما جرى مع ملاك لم يتجاوز الخمس سنوات من عمره، وهو أمر طبيعي ومنطقي، لكن ان يصبح الزكام حالة شاذة ويتحول تغيّب عدد من الطلاب عن المدرسة الى حالة هستيريا، فهذا امر يجب التوقف عنده.

نهاية الأسبوع الماضي، اضطرت إحدى المدارس الخاصة إلى إقفال أحد اقسامها لتعقيمها، تطميناً للأهالي الذين امتنعوا عن إرسال أطفالهم احتياطاً. وأرسلت إدارة المدرسة توضيحاً للأهالي تطمئنهم من خلاله أنها بعد استشارة اختصاصيين تبيّن أن الوضع ليس خطيراً، مرفقة التوضيح بمجموعة نقاط توعوية حول النظافة.

سبق ذلك حملة هاتفية كان نجمها الـWhatsApp groups، بعدما تغيبت إحدى التلميذات التي كانت تعاني من الـH1N1 A الشبيهة أعراضها بأعراض الإنفلونزا الموسمية. ونقلت والدة الطفلة رأي الطبيب الذي طمأن أن الحالة ليست خطيرة والأعراض طبيعية، إلا أن عدداً كبيراً من الأهالي فضّل اتخاذ الحيطة وأبقى أولاده في المنزل، واجتاح الخبر “الطبيعي جداً” وسائل الإعلام.

لا يلام الأهالي على قلقهم، فهم المسؤولون عن أولادهم، ولكن ما سر هذا الهلع الذي يجتاح مجتمعنا، لا بل ما سرّ هذه الشائعات التي تنتقل الينا كالنار في الهشيم، مخترقة راحتنا النفسية وضاربة أعصابنا؟ وكيف تحول مجتمعنا من صلب – صامد الى آخر مربك -متلاشٍ؟

ضومط: عدم الاستقرار يولد هذا الهلع

تقول المعالجة النفسية سيسيليا ضومط أن عدداً من الاهالي شعروا بالهلع (الخوف الشديد) أو القلق من إشاعة الـH1N1 A لانهم اعتبروا أن عدم إرسال أولادهم الى المدرسة يعني حمايتهم، لا سيما أن الأهل بموقع المسؤولية ويخشون من تعرض أولادهم لاي خطر. وهنا لا بد من التوقف عند الخوف المنطقي والخوف غير المنطقي، إذ كلما ازداد مستوى القلق والتوتر لدينا، كلما خفّ المنطق والتحليل والموضوعية.

وتشدد في حديث لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني على أن ما تغيّر في مجتمعنا هو أن الأهل باتوا يشعرون اليوم بذنب كبير حيال أولادهم لأنهم باتوا مضطرين للتغيب عنهم بسبب الظروف الحياتية وتوجههم الى العمل، ما يولد لديهم قلقاً دائماً وإحساساً بالذنب، من هنا يستيقظ خوفهم فجأة عند سماعهم أي خبر يمكن أن يطاول أمن اولادهم، لافتة الى أن الضغوط الحياتية الاجتماعية والاقتصادية، تظهر في محطات مماثلة.

تشرح المعالجة النفسية وضع اللبناني الذي يعاني من نسبة قلق مرتفعة جداً بسبب الخوف من عدم قدرته على تغطية حاجاته الأساسية واليومية، فهو يخشى من أن يخسر عمله بين لحظة وأخرى، ويخشى من أن يكون عاجزاً عن تأمين ما يلزم لعائلته ويعيش عدم استقرار اجتماعي وسياسي، لذلك يصبح الخوف كبيراً ويشعر انه بحاجة للتحرك لحماية نفسه وعائلته، “شعوره بالخطر الدائم يقلقه ما يفقده المنطق فيبالغ في أبسط الأمور، ولا ننسى أن ردود فعل كل واحد منا ترتبط بمخاوفه وبتجاربه الشخصية”.

وإذ تتوقف ايضاً عند تاريخ اللبنانيين الحافل بالأزمات، ترى أن إكثارهم من شراء الحاجيات الغذائية مثلاً لتخزينها، مرتبط بالحروب التي عاشوها، فتصبح حالات الهلع هنا مرتبطة بالمجموعة، لتتحول السوبرماركت الى ملاذ آمن لتأمين الغذاء.

تتطرق ضومط الى الشائعة، موضحة أن الخوف من الخبر يجعل الناس عاجزين عن البحث عن حقيقته وبالتالي يسيرون وراء الشائعة، ولأن نسبة الانفعال والخوف تصبح عالية لديهم، يقومون بردود فعل سريعة، مشبهة الخبر – الشائعة بكرة ثلج، فيتفاعل الخبر بحسب مخاوف وحاجات كل شخص ويتم تناقل الاخبار لتتحول الى شائعات. تضيف، “أسوأ ما في الامر أن وسائل التواصل الاجتماعي جعلت انتشار الخبر سريعاً والـWhatsApp groups تكفلت بنقل الأخبار بطريقة مبالغة بها بأسرع ما يكون.

“في ظلّ ما تقدّم، لا بد من التنبه الى عدم التورّط الدائم في نقل الخبر وتضخيمه وتحويره فيتحول الى شائعة، وهذه المهمّة تقع على عاتق اللبنانيّين وثقافتهم، كما تقع أيضاً على تصرّف بعض وسائل الإعلام التي لا تحترم أعصاب الناس، في بحثها عن الـ”سكوب المُشوّه”، وفقاً لضومط.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل