
هل تملك أو تملكين جواباً أو حتى رؤية واضحة حول ماهية مغادرتك الفراش صباحاً؟ يرّن المنبّه. تبدأ حرب أشدّ وطأة من “العالمية الثانية”، ويتأزم الصراعان النفسي والجسدي. يصبح الإنسان مخيّراً بين وسادة دافئة وصفاء ذهن لا مثيل له وملجئ نهرب إليه ليلية وبين وحوش على شتى أنواعها بانتظارنا، وأثقال العالم بأثره التي ترخي ثقلها على أكتافنا جراء سماعنا نغمة المنبّه التي نكرهها، الرنين الذي إذا ما سمعناها خلال النهار نستفيض اشمئزازاً.
والخيار يعود لنا.
تدور مئات الأفكار في رأسنا في تلك اللحظات وما يعود لمادية الحياة أي قيمة. نتمنى لو تعود الساعات للوراء، ويتخيل لنا أنّ خمس دقائق نوم إضافية قد تحقق المعجزات. ليهبّ تيار أفكار معاكس ويعصف في كياننا ليهزّ بدننا بأسره، فنتخيل نتائج تأخرنا عن عملنا وعدم استطاعتنا تجهيز أنفسنا بشكل كامل قبل الخروج من المنزل.
من المنتصر؟ نحن نقرر. صحيح القرار يعود لنا، والمنتصر هي الكفّة التي نرجّحها، وعلى هذا الأساس يختلف واحدنا عن الآخر في هذا المجتمع.
تمنيت أن أرى يوما شخصا مرتديا ولو بسمة خجولة في الصباح بدل نظرة البؤس التي تسود على وجوه الجميع، لدرجة إن قرر أحدهم وتجرأ ولبس بسمة ولو مزيفة سيشعر باختلاف مقيت ونظرات البؤساء إليه ستشعره بارتكابه الجريمة الأعظم في الصباح… فيعود لوجه بائس مثله مثل الآخرين وهكذا دواليك.
لماذا تستسلمون بهذه البساطة؟ تقولون بين أنفسكم، أين الاستسلام ونحن ننهض يوميا من فراشنا لنواجه العالم؟
نعم، تنهضون وتتصارعون مع الحياة من أجل بضعة “أوراق خضر” تستلمونها آخر كل شهر بعد كمّ لا يستهان به من الذل تمرون به يوميا.
تضحون و”تنصاعون” لأطر وقولبة المجتمع بشكل أعمى. كالآلات لا بل كالروبوتات، تنهضون صباحا لتنجزوا مجموعة مهام أُسندت إليكم. وأكثر من ذلك، تذهبون في حياتكم الاجتماعية مع التيار وبما يتطلبه التيار، فلكل عمر واجبات معينة، ومهام محددة، وتقاعس أحدكم عن التنفيذ يصنف أو يوصف بأشد العبارات قساوة.
تستيقظون من أجل المجتمع وللمجتمع من دون علمكم بذلك. تعتقدون أنكم تستيقظون من أجل أنفسكم، ولكن بربكم هل الحياة إتمام واجبات معينة وبالتالي الأكل والشرب والزواج وسيارة ومنزل وعائلة ـ إنْ استطعمتم اليوم ـ تأمينها؟
لقد “أطّركم” المجتمع، ووضعكم ضمن “كادرات” معينة لا تتجرؤون الجري خارج حدودها. ألهذا فعلاً تستيقظون وتطلّقون وساداتكم في الصباح؟
تخرجون، وتجابهون جبالاً ملقاة على أكتافكم، وكمّ تتمنون أن تطول تلك “الـ5 دقائق” التي تحلمون بها عند رنّة المنبه! ولكن المعدة تنادي، والأفواه تتكلم والأبواق تصيح.
جدوا الأسباب الكافية التي تجعل الابتسامة تتجلى على وجوهكم في الصباح. كونوا أنفسكم، وواجهوا. تجرؤوا واكسروا قانونا واحدا من روتين حياتكم غدا. هل تعملون من أنتم، وما تريدون من الحياة؟ لا ألوم أحدا، فالتطبيع يعود في التاريخ إلى التربية المدرسية بالنسبة للذين حالفهم الحظ وتعلمّ منكم، أضف إلى تلك المنزلية التي تترك آثارها المستقبلية.
خذوا الأمل من براءة أطفالكم أو بين بصيص أعين أحبائكم. في بلادنا أزمة هويات لا تقتصر فقط على الوطنية بل تنسحب إلى الكيان الشخصي. وفي الحقيقة، انعدام الهوية الشخصية عند الكثيرين سبب لانعدام الهوية الوطنية.
جدوا هويتكم، ابحثوا عن إبداعكم ضمن الأطر التي وضعتموها لأنفسكم وليست تلك الموضوعة لكم. اكسروا القوانين، والووا القواعد وابرعوا في ما تجدونه يمت إليكم بصلة، حينها تبرعون. كونوا في صراع مع أنفسكم، لا مع جاركم ولا قريبكم أو أصدقائكم، فقط مع أنفسكم.
اجعلوا أهدافكم في الحياة الرؤية الوحيدة، وحدها تدفعكم للنهوض صباحا.
