من «فجر الجنوب» إلى «فجر الجرود» – 2

كتب سيمون سمعان في “المسيرة” – العدد 1693

حروب ما بعد الحرب

من «فجر الجنوب» إلى «فجر الجرود» (2)

 

لم تنتهِ الحرب اللبنانية عند إقرار وثيقة الوفاق الوطني في الطائف، كما كان مقدّرًا لها، بل شهدت الفترة التي تلت عملية 13 تشرين 1990 حروبًا كثيرة.

اللافت في الأمر أن أحد أبرز شروط إتفاق الطائف هو بسط الدولة سلطة قواتها المسلّحة على كامل الاراضي اللبنانية، الأمر الذي لم يحصل تاركًا الباب مفتوحًا على الفوضى والحروب… حروب لم تنتهِ على مدى السنوات الـ 29 التالية للعام 1990. فلا السلام حل، ولا الدولة رسخت سلطتها متولّية مسؤولياتها ومحتكرة قرار الحرب والسلم، ولا نعم الناس بما كانوا يرتجون.

فالنظام السوري الذي كان يُمسك الناس ويُحصي الأنفاس، عمل في تلك الفترة على خطين: بناء تركيبة رسمية تضمن بقاءه، متمثلة بدوائر الدولة وأجهزتها مدعومة بأجهزته وسطوته. وتحضير تركيبة رديفة عبر القوى الحليفة وفي طليعتها حزب الله، تضمن بقاء سلطته وسطوته ونهجه، في حال اضطر للإنسحاب. وفي الواقع هذا ما تم… فاستمرت الحرب ولكن بأساليب أخرى وبأطراف مختلفين. ولم تزدها أحداث المنطقة وهشاشة الداخل إلا اضطرابا وتعقيدا واستغلالا وتكاليف!

كل تلك الأحداث ما زالت مكدّسة في الذاكرتين الفردية والجماعية. وليس استعراضها في هذا المجال إلا للإضاءة على الرابط بينها من جهة واستعادة بعض خلفياتها ونتائجها من جهة ثانية لاستخلاص العبر. اللافت في هذا المشهد أو هذه السلسلة من الأحداث، على مدى 29 عاما، أنها بدأت بمعركة «فجر الجنوب» وانتهت (حتى الآن) بمعركة «فجر الجرود».

اللافت أيضا أن السلاح خارج إطار الدولة كان وقودها والمضَللون بالإيديولوجيا جنودها. وأنه بعد حل الميليشيات واستثناء حزب الله من قرار الحل، كانت ذراعه حاضرة ومحركة في الغالب الساحق من هذه الأحداث. ما يثبت بما لا يقبل الشك والذرائع، أنه حان وقت التخلي عن ورقة التوتير بهدف التغيير، ووقت أن تكون الدولة المبادر الوحيد وصاحب القرار الأوحد لاستمرار الأمل بقيامة صحية وواعدة للبنان، بعدما تخلف عن الركب لنصف قرن من الزمن.

 

14 شباط 2005: إغتيال الحريري

في14 شباط 2005، ضرب بيروت ما يمكن وصفه بالزلزال السابع عطفا على الزلازل الستة التي شهدتها المدينة عبر تاريخها. تمثّل ذلك في عملية اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري مع 21 شخصًا، عندما انفجر ما يعادل 1000 كيلوغرام من مادة الـ»تي إن تي» الشديدة الإنفجار  مستهدفة الحريري أثناء مرور موكبه بالقرب من فندق سان جورج.

تلك العملية كانت سبقتها محاولة إغتيال الوزير مروان حماده في أول تشرين الأول 2004، وذلك بعد تداعيات التمديد للرئيس إميل لحود في رئاسة الجمهورية، على رغم إصدار مجلس الأمن الدولي القرار 1559 الذي طلب خروج الجيش السوري من لبنان ونزع سلاح «حزب الله» وإجراء انتخابات رئاسية حرة.

عملية الإغتيال تلك، جاءت في سياق ممتد في الزمن. فالرجل منذ بروز دوره في اتفاق الطائف، بات تحت المراقبة السورية، وهدفا محتملا لإزاحته كما سواه في حال بلغت حركته ما يعيق النفوذ والمخطط. وبالفعل تواصُل الحريري مع القيادات اللبنانية الرافضة لوضع اليد السورية على لبنان، ثم استخدام علاقاته الدولية الواسعة لما يخدم رؤيته للبلد لا رؤية نظام دمشق، وانخراطه أكثر سواء في العلاقة مع لقاء قرنة شهوان أو المشاركة في لقاء البريستول المعارض، وتزامُن ذلك مع تطورات دولية واستحقاقات محلية، فكان القرار الكبير بتصفيته.

الأثر الكبير الذي تركه الإغتيال تجلى في مظاهر عدة، كان أبرزها صرخة الشارع السني اللبناني برمته بإتهام نظام دمشق باغتيال الرئيس الحريري ومطالبته بالإنسحاب من لبنان. كذلك قام تحرك دولي لافت وشاجب للإغتيال فاتحا الطريق أما تحقيق دولي بالقضية وبأسرع وقت قبل العبث بالأدلة، وهو ما كان النظام الأمني باشر به على أكثر من مستوى. وكذلك إنشاء محكمة دولية خاصة بلبنان. وفي 6 شباط 2006، اتفقت الحكومة اللبنانية والأمم المتحدة على تشكيل المحكمة، وعُدّت هذه المرة الأولى التي تحاكم فيها محكمة دولية أشخاصًا لجريمة ارتكبت ضد شخص معين. واستنادا إلى العديد من الوسائل والوثائق المحلية والدولية، بالإضافة إلى المحكمة الدولية الخاصة بلبنان وإلى تحقيق مستقل قام به النقيب وسام عيد، فإنه تم العثور على أدلة وُصفت بأنها دامغة وتثبت تورط عناصر تابعة لـ»حزب الله» في عملية الإغتيال.

ولم يتوقف هنا أثر الإغتيال بل أطلق دينامية أكثر جرأة وفتح الباب واسعا على تطورات لم تكن قط منتظرة لو لم يقع الزلزال. فعقب اغتيال الحريري حصلت عدة انفجارات واغتيالات ضد شخصيات مناهضة للوجود السوري في لبنان وكان من بينها: سمير قصير، جورج حاوي، جبران تويني، بيار أمين الجميل، أنطوان غانم، وليد عيدو، وسام عيد، وسام الحسن ومحمد شطح. كما حصلت محاولة اغتيال كل من: مروان حمادة (قبل الإغتيال)، إلياس المر، مي شدياق، وسمير شحادة (الذي كان يحقق في قضية اغتيال الحريري). وقد برزت أسماء المحققين بيتر فيتز جيرالد وديتليف ميليس ودانيال بلمار.

وفي العاشر من حزيران 2007 تم إنشاء المحكمة الخاصة بلبنان لمحاكمة المسؤولين عن اغتيال رفيق الحريري. واصدرت هذه المحكمة مذكرات توقيف بحق عناصر من الحزب الذي رفض تسليمهم ونفى أي علاقة له بالإغتيال. وقد أنهت المحكمة محاكمتهم غيابيًا، ويُنتظر أن تصدر أحكامها خلال العام الحالي.

 

14 آذار 2005: يوم مجيد

إعادة خلط الأوراق في لبنان التي فرضها إغتيال الرئيس رفيق الحريري، دفعت القوى الحليفة لسوريا إلى التظاهر في 8 آذار تأييدا لها، فكان الرد المدوي في 14 آذار عندما تظاهر المناهضون لنظام دمشق مطالبين بانسحاب الجيش السوري وبالسيادة والحرية والإستقلال وإنشاء المحكمة الدولية، وعودة العماد ميشال عون وإطلاق سراح قائد «القوات اللبنانية» سمير جعجع.

واتخذت هذه الحركة في ما بعد اسم ثورة الأرز، كما عُرفت باسم «انتفاضة الاستقلال»، التي أطلقت سلسلة تحركات شعبية وقيادية تحقيقا للمطالب التي رفعها أكثر من مليون لبناني في ساحة الشهداء وسط بيروت..» وإثر الضغط الأميركي والفرنسي على سوريا سحبت قواتها من لبنان في 26 نيسان عام 2005.

 

 26 نيسان 2005: نهاية إحتلال

في السادس والعشرين من نيسان 2005 انسحب آخر جندي سوري من لبنان بعد مرور 30 عاما على بدء ترسيخ نظام دمشق احتلاله وهيمنته على البلد المفكك. لم يكن أحد يتصور قبل اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وحتى بعده، أن الجيش الذي دخل لبنان في العام 1976 تحت ألف حيلة وشعار واستجلب الدم من أفراده ومن أبناء البلد الرافضين لأي وصاية غريبة أو قريبة، سيخرج في ذلك التاريخ وبتلك الطريقة.

حاول النظام السوري المناورة ومحاولة الإلتفاف على قرار مجلس الأمن الدولي الرقم 1559، فأعلن أنه ينسحب إلى البقاع بحسب ما هو وارد في اتفاق الطائف (إعادة الإنتشار إلى خط المديرج حمانا)، في محاولة لاستيعاب حزم واشنطن. غير أن الإنذار الأميركي الموجه من الرئيس جورج دبليو بوش شخصيا أظهر أن زمن المناورات ولّى وأن على دمشق الإنسحاب في الوقت المحدد من دون إبطاء. وهكذا كان لينتهي مع الإنسحاب عهد ما كان أحد من المراقبين يتوقع حلوله في المدى المنظور، إستنادا إلى القبضة الحديدية المخابراتية التي أطبقها السوريون على الجار الصغير.

لا شك في أن الإنسحاب شكل تحوّلا كبيراً وأدى إلى تغيير في المعادلات، وكان من أبرز تجلياته سقوط النظام الأمني اللبناني السوري وعودة العماد ميشال عون من المنفى وخروج الدكتور سمير جعجع من المعتقل. كما استعاد اللبنانيون نفحة ولو معتلّة من الديمقراطية وحرية الحركة والتعبير، لتنطلق بعد ذلك مرحلة جديدة من العمل السياسي والحزبي كانت محظورة في زمن الهيمنة.

 

حرب تموز 2006: «حزب الله» والقرار 1701

يعلم الجميع أن التنسيق والأخوّة والتعاون بين النظام السوري وحزب الله وتقديم وتسهيل ما يتطلبه دوره من دعم، لم يكن هكذا من دون تخطيط وهدف. فالحزب بنى قوّته تحت جنح النظام السوري وبمعيته ليؤدي الأدوار المطلوبة منه في ما بعد. وكبديل أو كذراع للنظام، بالتنسيق مع طهران طبعا، كان الحزب يتحرك ويصنع الأحداث ويقطف ثمارها. وفي هذا السياق اندلعت في الثاني عشر من تموز 2006، حرب شرسة بين القوات الاسرائيلية وحزب الله في لبنان بعد قيام الحزب باسر جنديين اسرائيليين. واوقعت هذه الحرب التي استمرت 34 يوما نحو 1400 قتيل بينهم 1200 من الجانب اللبناني. وتوقفت المعارك إثر التوصل الى اتفاق مع اسرائيل بإشراف اميركي وإثر صدور القرار 1701 عن مجلس الأمن الذي نص على إستعادة الحكومة اللبنانية سيادتها على كامل أراضيها، وزيادة عدد القوات الدولية الى 15 ألفا، ونشر الجيش اللباني في الجنوب، وإعلان الأمين العام لـ»حزب الله» السيد حسن نصرالله عبارته الشهيرة «لو كنت أعلم».

وبموازاة انسحاب القوات الإسرائيلية بشكل كامل من الجنوب اللبناني في الأول من تشرين الأول 2006 إنتشر الجيش اللبناني مع القوات الدولية في جنوب لبنان للمرة الأولى بعد غياب عنه استمر أربعين عاما. وقد ضمن هذا الإتفاق لإسرائيل استقرار حدودها الشمالية أيضا للمرة الأولى بهذا الشكل ربما منذ العام 1948. وباستثناء بعض الإستفزازات المحدودة والمعدودة، فإن الحدود اللبنانية الإسرائيلية المشتركة تشهد هدوءا منذ العام 2006 حتى اليوم.

حرب تموز لم تكن معزولة في الزمان والمكان ولا في السياق التاريخي للأحداث، وعليه بدا حزب الله وكأنه ورث منظمة التحرير الفلسطينية من جهة والنظام السوري بعد انسحاب جيشه من لبنان من جهة ثانية. فاستمر في مواصلة نهج لم يغب عن اليوميات اللبنانية منذ ستينات القرن الماضي، وتحديدًا منذ توقيع إتفاق القاهرة.

 

صيف 2007: معركة «نهر البارد»

بعد مئة وخمسة أيام من المعارك الضارية، انتصر الجيش اللبناني على الإرهاب بسحقه تنظيم «فتح الإسلام» بزعامة شاكر العبسي في المعارك التي دارت في مخيم نهر البارد صيف العام 2007. غير أن هذا النصر تحقَّق بكلفة باهظة تحمَّلها الجيش، حيث بلغت في نهاية المعارك 168 شهيداً ومئات من الجرحى. لكن لقاء هذه التضحيات الجسام تحقَّقت مكاسب كبرى على المستويين الوطني والعسكري: فقد وحّد الجيش اللبنانيين حول ضرورة الانتصار في معركة نهر البارد من أجل وأد الفتنة، والقضاء على الإرهاب، وتحقيق السيادة على جميع الأراضي اللبنانية. أما خسائر الإرهابيين ومن ساعدهم من المنظمات الموجودة في المخيم فقدّرتها مديرية العمليات بحوالى 600 قتيل، وعدد الموقوفين لدى الجيش وقوى الأمن الداخلي 220 أسيراً. لكن بعض الإرهابيين استطاع الهرب والتواري ومن بينهم رئيس التنظيم شاكر العبسي الذي بقي هروبه لغزا، وتبيّن لاحقا أنه لجأ إلى سوريا. وقد ذكرت معلومات أنه قتل هناك.

هذه المعركة فتحت هي الأخرى الأعين على دور المخابرات السورية في لبنان، ففتح الإسلام وجند الشام ضمن أدوات المخابرات السورية، واستمطرت الأسئلة عن خلفيات التنسيق المستمر بين النظام السوري وحزب الله. هذا التنسيق الذي جعل السيد حسن نصرالله يحذر الجيش يومها من الدخول إلى نهر البارد، مطلقا عبارته «نهر البارد خط أحمر» التي شغلت المراقبين لفترة، بمعنى ما الرابط السببي الذي يجعل حزبا دينيا مثل حزب الله نقيضا للسلفية السنية وعدوا لها، يعتبر أن محاربتها والحد من إرهابها خط أحمر؟

وكان مسلحو «فتح الإسلام» هاجموا مراكز الجيش في محاولة للفرار من نهر البارد، فتصدَّت لهم قوى الجيش وأوقعت في صفوفهم عدداً كبيراً من القتلى والأسرى. وهكذا بعد ثلاثة أشهر ونصف الشهر من بدء المعركة فجر الأحد 20 أيار 2007، انتهت يوم الأحد في 2 أيلول بنصر ساحق على الإرهاب، وبفورة من الابتهاج عمَّت الشمال والعديد من المناطق اللبنانية. وقد اعتُبِرت معركة مخيم نهر البارد أكبر وأشرس معركة خاضها الجيش اللبناني منذ تأسيسه، وشكّلت اختباراً حقيقياً لوحدته ومهنيته العسكرية، وقدرته على خوض غمار أصعب أنواع القتال في الحروب الحديثة حيث تجمع ما بين قتال العصابات المتحصِّنة في المدن والقتال ضد التنظيمات الإرهابية وأساليبها غير التقليدية في القتال.

لا بد هنا من العودة في دراسة البيئة والظروف والتطورات التي هيَّأت لظهور «فتح الإسلام»، إلى العام 2004 حين أعلنت سوريا نيّتها تعديل الدستور اللبناني من أجل تمديد ولاية الرئيس أميل لحود الأمر الذي أثار معارضة فريق سياسي لبناني أساسي ضمّ الرئيس رفيق الحريري والنائب وليد جنبلاط وتجمّع قرنة شهوان والتيار الوطني الحر، كما أثار تحركاً دولياً بقيادة الولايات المتحدة وفرنسا، لم يكتفِ بتقديم الدعم السياسي والمعنوي للقوى السياسية اللبنانية المعارضة للقرار السوري وحسب، بل عمل على تعميم المعارضة الدولية لهذا القرار، ونقل الموضوع إلى مجلس الأمن واستصدار القرار 1559.

وكانت التحقيقات حول جريمة استهداف باصين للركاب في عين علق في المتن الشمالي في 13 شباط 2007 لمنع الإحتفال بذكرى 14 شباط، أكدت أن هذا العمل الإرهابي كان من صنع تنظيم «فتح الإسلام»، وذلك وفق الاعترافات التي أدلى بها أحد المنفِّذين وبعض الضالعين في التحضير للعملية. وهكذا تكوَّنت رؤية واضحة عن أهداف دخول هذا التنظيم إلى لبنان. وبعدما تسرّبت هذه المعلومات إلى الإعلام طُرِحَت تساؤلات عديدة حول أسباب تأخر السلطة والأجهزة الأمنية في معالجة وجود مثل هذا التنظيم الإرهابي، وما يمكن أن ينتج عن ذلك من تهديدات إرهابية لاحقة. يضاف إلى ذلك أنه في بداية شهر أيار 2007، وفي ظل استمرار التصعيد في الأزمة الداخلية وخصوصاً بعدما تركَّزت الأزمة كلها على عنوان إسقاط الحكومة، وإنشاء المحكمة الدولية مع كل ما رافق موضوعها من تجاذبات بين قوى الأكثرية والمعارضة، وبين سوريا والحكومة اللبنانية، بدا أن العودة إلى مسلسل الإرهاب باتت وشيكة، وبأن تنظيم «فتح الإسلام» مرشح لتوسيع نشاطاته الإرهابية. وربما هنا تكمن الإجابة عن كل تلك الأسئلة التي طرحت حول الموضوع…

(يتبع)

إقرأ أيضاً: من «فجر الجنوب» إلى «فجر الجرود» – 1

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل