أول وعيي للحرب…

كتب أنطوان مراد في “المسيرة” – العدد 1693

لم أكن قد بلغت الخامسة عشرة عندما اندلعت شرارة الحرب الأولى في عين الرمانة، علماً أن إشارات عدة سبقتها وكنت اتابعها عن كثب بقدر ما تسمح قدرة استيعابي. لقد وعيت على إعجاب أهلي بشخصية كميل شمعون وبالقدرة التنظيمية لبيار الجميل وبآدمية ومبدئية ريمون إده.

وأول وعيي للحرب ظهر مع حرب حزيران 1967 عندما أثارت فضولي رؤية مصابيح السيارات وقد طُليت باللون الأزرق الداكن، وعمد الكثير من الناس إلى حجب أضواء المنازل ليلا بإسدال البرادي على النوافذ تجنبًا لاستهدافها بالغارات الجوية الإسرائيلية.

وكنت استمع إلى بعض الإذاعات ولا سيما هيئة الإذاعة البريطانية وصوت العرب ومذيعها الإستعراضي الشهير أحمد سعيد الذي ادعى أن الجيش المصري دخل تل أبيب فيما كانت القوات الإسرائيلية تصل إلى قناة السويس بعد اجتياح سيناء برمتها.

وأذكر في ما أذكر الهتافات المدوية بحياة الرئيس المصري جمال عبد الناصر عبر النقل الإذاعي المباشر مطالبة بعودته عن استقالته بعد النكسة.

ولاحقا أخذت الصدامات مع الفدائيين الفلسطينيين في لبنان حيزا من اهتمامي، بدءا بالمواجهة الشهيرة في الكحالة بين الكتائب والمسلحين الفلسطينيين وتصاعد التوتر في لبنان بعد أيلول الأسود (1970) في الأردن، وحصول إشتباكات عنيفة بين الجيش اللبناني والفدائيين كما كانوا يسمَّون في أيار 1973 والمداخلات العربية التي حالت دون توسيع الجيش اللبناني لدائرة عملياته بهدف حسم الموقف، ليتبين لاحقا أن لا اتفاق القاهرة ولا اتفاق ملكارت ساهما في لجم الانفلاش الفلسطيني المسلح.

وما ضاعف حماسي كان الخوف الذي كنت أراه في عيني والدتي، لأن والدي كان يعمل في المديرية العامة للتعليم المهني والتقني في الدكوانة، وصدف أكثر من مرة أن كان في سيارته في ساحة البلدة أو على طرقاتها لدى مرور المواكب الفلسطينية المسلحة وهي تطلق النار عشوائيا أو تفتعل الإشكالات في طريقها من وإلى مخيم تل الزعتر وراس الدكوانة.

كانت الكتائب رأس الحربة، وكانت أقاصيص تروى عن الشاب بشير الجميل وعنفوانه وتأثر العديد من الشباب بشخصيته واندفاعه وتمايزه حتى عن بعض توجهات قيادة الحزب.

ولأنني من بلدة جبلية في فتوح كسروان، فقد كان اقتناء السلاح الفردي حالة تقليدية فيها تجمع بين الحاجة والفِخار، فهذا لديه «معدّلة» إنكليزية وذاك تشيكية وذلك فرنسية…

ومن الطرائف أننا كنا نمضي صيف الـ1975 في قرية مجاورة لقريتنا، وكان الفلسطينيون يتوزعون في نواحي شتى من لبنان وبينهم وحدات موالية مباشرة للنظام السوري من بين الأشد شراسة ونزعة إجرامية، وكان العديد من اللبنانيين سنة وشيعة ينضوون في صفوفها إلى عدد محدود من المسيحيين اليساريين.

وحصل أن ضجّت شائعة ليلا في قرى فتوح كسروان بأن الفلسطينيين والشيعة هجموا عبر الجرود من بعلبك، وكان سبب الشائعة حصول إطلاق نار عند حاجز للشباب في أعالي الفتوح بعد امتناع سيارة عن التوقف، فخرج الجميع في البلدة بسلاحهم وخاف والدي، فنقلنا في السيارة إلى جونية، وفي منتصف الطريق مررنا على حاجز للشباب في منطقة العقيبة، فسألوه شو صاير معك؟ أجابهم: هاجمين من بعلبك. وقصد والدي مباشرة بيت الكتائب في جونية ليستفسر فطمأنوه بأن المسألة إشكال فردي، فعاد بنا إلى القرية لكننا صادفنا في طريق العودة تجمعا كبيرا للشباب بسلاحهم في محلة أخرى من بلدة العقيبة، فسألهم والدي شو في؟ فقالوا له منذ بعض الوقت مر شخص أخو… واطلق شائعة بأن هناك هجوما على جرد الفتوح فتجمعنا وما زلنا لعله يمر مجددا.

فهز والدي برأسه وأسرع قبل أن يعرفه أحد!

مع تطور الحرب، كانت الكسليك من أكثر العبارات تداولا، وكانت تثير مزيجا من الرهبة والاطمئنان. بل ذهب الإعلام الآخر إلى الحديث عن أقبية الكسليك وجيش الرهبان الأسود. والكسليك، والمقصود بها جامعة الروح القدس والاجتماعات التي كانت تعقد فيها لنواة الجبهة البنانية، شكلت رمزا للمقاومة السياسية وبالأخص الفكرية، فأرست الخطوط العريضة لهذه المقاومة وأثبتت أن أي نضال من دون رؤية ومخزون فكري وثقافي آيل إلى الفشل.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل