الحكومة “تترنح” وسط دخان الدواليب المشتعلة

 

 

ما إن باشرت الحكومة في التفرغ لإعداد الموازنة العامة وإقرارها، مرفقة بتصريحات معظم وزرائها، وفي مقدمتهم رئيسها سعد الحريري، حول العهود بإنجاز موازنة تقشفية، بالإضافة إلى “التسريبات الكثيفة” عن تضمّنها “إجراءات موجعة” و”قرارات غير شعبية” تطاول رواتب موظفي القطاع العام، عسكريين ومدنيين، حتى اشتعل الشارع بالأمس.

سبق العسكريون المتقاعدون جميع “المتضررين” إلى الطرقات، واستبقوا القرارات الرسمية، فقطعوها، وجعلوا الدواليب المشتعلة “تصدح” بأعلى دخانها الأسود، محذّرين من المساس برواتبهم ومعاشات التقاعد وسائر التقديمات و”الامتيازات” على أنواعها، “وإلا، سيكون هناك كلام آخر”. والتهديدات بالإضرابات المفتوحة تسلك طرقها إلى التنفيذ.

تدلّلت الحكومات المتعاقبة وأضاعت الوقت، وقذفت بالمشاكل المتراكمة إلى ما شاء الله. وصرفت وهدرت وأنفقت وفسدت وأفسدت كثيراً، بغالبية عناصرها، بما لا طاقة لبلد واقتصاد بحجم بلادنا واقتصادها على تحمّله، إلى أن اصطدمت في النهاية بحائط الحقائق “الموجعة” التي لا تُرد. والمؤسف أن غالبية الطبقة السياسية استفاقت من “غفلتها” بفعل التحذيرات التي بدأت في الداخل على لسان رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، والضغوط المتوالية من الدول الصديقة للبنان وعلى مشارف “الانهيار الكبير”، وليس بفعل صحوة ضمير “ضربتها”.

“الخيارات محدودة. فعند النقطة التي وصل إليها وضع البلد، أو التي أوصلته إليها السياسات والممارسات السابقة، لا يمكن إلا القيام بمعالجات جذرية بنيوية للخروج من المأزق. لكن هذا لا يعني أن تتحمل الطبقات الفقيرة المسحوقة نتائج هذه السياسات والممارسات التي لا ذنب لها بها”، تقول أوساط سياسية متابعة، من دون أن تنفي أن “تصاعد موجة الاعتراض، لا شك سيجعل الحكومة في وضع (المترنح)، ما لم تسارع إلى استيعابها”.

وتعتبر الأوساط ذاتها، أنه “لا بد من اتخاذ بعض تلك الاجراءات الموجعة، كما يسمّونها”. لكنها تشير إلى أن “ثمة أبوابا كثيرة يمكن طرقها لمعالجة الوضع بأقل أضرار على الفئات الشعبية، عبر مكافحة جدية للفساد ووقف التهرب الضريبي والجمركي، وضبط الحدود والمطار والمرافئ ومنع التهريب واتخاذ أقصى العقوبات بحق المخالفين، ورفع الضغوط عن أجهزة الرقابة والمحاسبة، وغيرها كثيرة، لا باستسهال مدّ اليد إلى جيوب صغار الموظفين أو رفع الضرائب بشكل شامل، إنما باعتماد الضرائب المدروسة على السلع التي تعتبر من الكماليات”.

ويبقى السؤال: هل تتراجع الحكومة أمام ضغط الشارع المنذر بالمزيد من التصعيد؟ وماذا سيكون موقف الدول المانحة وما مصير قروض “سيدر” وملياراته “الإنقاذية” الموعودة في حال تخلّفت الحكومة عن الإيفاء بتعهداتها والتزامها بالإصلاحات والموازنة التقشفية؟

في المقابل، هل يخفف “المعترضون” من سقوف معارضتهم ومطالبهم، وينسحبون من “لعبة الشارع”، ويضعون القليل من الماء في نبيذهم، لأن الهيكل متى انهار سيسقط على رؤوس الجميع؟

نادر: ذاهبون إلى انهيار حتمي ما لم يتداركوا الأمر

الخبير الاقتصادي الدكتور سامي نادر، يعتبر أنه من النافل القول إن “وضع البلد لا يحتمل، لكنهم أدخلوا أنفسهم (ويقصد الطبقة السياسية) في هذا المأزق”. ويشير إلى أننا “نعيش منذ فترة طويلة تتجاوز العقد من الزمن في خضم الأزمة، إذ هناك عجز في الخزينة العامة يتنامى، مترافقاً مع غياب أي إصلاح والنزف مستمر”، لافتاً إلى أننا “كقطاع عام، ننفق أكثر بكثير من قدرتنا”.

ويكشف نادر، في حديث إلى موقع القوات اللبنانية الإلكتروني، عن أنه “في كل اللقاءات التي أجريناها مع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في كل المرحلة السابقة، كانت الملاحظات دائما حول الانتفاخ في القطاع العام والطلب بترشيد الانفاق. لكن حتى العام 2011 كان لدينا نمو في الاقتصاد، وهذا النمو كان يوازي ويتخطى ارتفاع الدين العام الذي كان ينمو بنسبة 5% سنوياً، فيما نسبة النمو الاقتصادي وصلت في الـ2008 و2009 إلى 8%، ما مكَّن من التكيّف مع الوضع”.

“لكن الوضع اختلف منذ العام 2011 حتى اليوم”، يقول الخبير الاقتصادي، موضحاً أن “العجز يتراكم ويزداد وينمو بنسبة 5 إلى 6% سنوياً، بينما الاقتصاد ينمو بنسبة 1%. وأتت الضربة الكبرى مع إقرار سلسلة الرتب والرواتب، إذ زادوا العجز من دون أن يقوموا بأي جهد إصلاحي حقيقي، بعكس ما ادعوه من اصلاحات أتت بنتيجة معاكسة، إذ قاموا بزيادة الضرائب فانخفض مدخول الخزينة”.

ويضيف، “حذرناهم من أنه لا يمكن زيادة الضرائب في حالة الركود الاقتصادي، لأننا بذلك نعمّقه ونضع عقدة أساسية في الاقتصاد، لكنهم للأسف لم يستمعوا”.

ويرى نادر أننا “اليوم وصلنا إلى وضع لا يمكن الاستمرار في نسبة العجز القائم، ويجب تقليصه”، محدداً “أربعة أبواب لا يوجد غيرها”، وهي: الرواتب 35%، وخدمة الدين 34%، والكهرباء 11%، وكل النفقات الجارية بما فيها النفقات الاستثمارية 20%، فنخفف بذلك ما يمكن من نفقات الدولة”.

ويشدد على ضرورة “معالجة العجز الذي يتسبب به قطاع الكهرباء بنسبة 11% سنوياً، أي نحو ملياري دولار، والذي يجب إزاحته عن كاهل الدولة. صحيح أنهم أقرّوا خطة الكهرباء، لكن في ما لو طُبِّقت وإلى أن تأتي بنتائجها تحتاج إلى 3 أو 4 سنوات كما يقولون”.

“وتبقى مسألة الرواتب التي زادوها”، يتابع نادر، “وهنا (راح الصالح بضهر الطالح)، لأن هناك أناساً بالتأكيد يستحقونها، وهؤلاء ستقع الواقعة عليهم في حال تم تخفيض رواتبهم. لكن هناك أيضاً أناس لا يستحقون الزيادة لأنهم يتلقّون رواتب عن وظائف وهمية، ويجب معالجة هذا الأمر الشاذ. وإذا أردنا حلولاً لمعالجة الوضع، وقبل المسّ بالرواتب، هناك أنظمة التقاعد، فالبعض منها فيه الكثير من البذخ”.

ويؤكد نادر أنه “يجب إعادة النظر بشكل جذري بسياسة التوظيف. البلد لا يمكنه تحمّل أن يعمل 10% منه في القطاع العام. لا يمكن أن يشكل القطاع العام 35% من الناتج المحلي، كما أعلن حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، هذا أمر غير طبيعي”، موضحاً أن “هذا هو الاقتصاد الريعي بعينه، حين يعيش الاقتصاد على حساب الدولة”.

ويرى أن “هذا الأمر قد يمرّ لسنة أو سنتين أو ثلاث أو أربع، لكن في النهاية لا يمكن الاستمرار بهذا الشكل وسينتهي، لأن القطاع العام لا ينتج قيمة مضافة”. ويلفت إلى أن “ما يُنتج القيمة المضافة ويخلق الثروة هو القطاع الخاص، بينما القطاع العام يقدّم خدمات ويعيد توزيع الثروة”، معتبراً أن ” القطاع المصرفي يعيش على ضهر الدولة، حيث يوظّف في سندات الخزينة بدل أن يوظِّف في الاقتصاد (ويجلس ويمدّ رجليه)، وفي المقابل 10% من الشعب اللبناني يتلقى رواتب من الدولة”.

ويعتبر أن المعنيين “لا يقومون، حتى اللحظة، بعصر النفقات. هم لا يزالون يقومون بالسفرات والصرف والبذخ كيفما كان”. ويؤكد أنه “يجب على كل وزير أن يأتي إلى مجلس الوزراء ويضع على الطاولة موازنة لوزارته ناقص 20% عن موزانة السنة الماضية، ونجمع موازنات كل الوزارات، فنكون بذلك قد قمنا بمجهود جدي وخفّضنا العجز بنسبة مليار ونصف مليار دولار وأعطينا إشارة إيجابية للأسواق”.

ويؤكد نادر أنه “بغير ذلك، لا أمل، نحن ذاهبون إلى انهيار حتمي، ومصير مقررات مؤتمر سيدر ومساعدات الدول المانحة والصناديق الدولية ستكون في المجهول. فالعالم مشغول بهمومه، ورأينا مثلاً فرنسا المنهمكة بين (السترات الصفر) وبالأمس الكارثة المؤسفة التي حلّت باحتراق كنيسة (نوتردام دو باريس)، ومثلها سائر الدول. العالم لا يجلس متفرغاً لإنقاذنا، إن لم نقم نحن بإنقاذ أنفسنا”.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل