رسالةُ وَجَعٍ الى رمح مار جرجس

 

 

يا شفيعَنا، إِسمَعْ :

إعتادت الشّعوب القديمة أن تتعاطى مع المصائب والنّوائب على أنّها رسائل من الآلهة،

وتجد لها تفسيرات غيبيّة لكي ترفع مسؤوليّتها عنها ، وتنفض يديها من تداعياتها السّالبة .

وامتدّت هذه العادة عبر الزّمن ، وأصبحت تقليداً يلجأ إليه مَن يريدون غسل أيديهم ممّا يحصل، ليُحيلوه على ” الغامض ” . وهي حال المسؤولين المُتتالين عندنا ، الذين استحالوا مؤسّسة تسليمٍ للغيب ، محاوِلين التملّص الذكيّ ممّا يتخبّط فيه النّاس من بَلايا . لكنّهم لم يتنبّهوا الى تطوّر أدوات التفكير التي حتّمت التّصادم بين التفسير الخُرافي للظواهر وبين التفسيرالعلمي والعقلي لها ، ما كشف رياءهم و ” خَرَفهم ” .

لا يستلزم واقعنا الحالي كبير العناء للتدليل على أنّ ما يحصل ليس من باب الأسطورة ، بل

هو احتقان حقيقيّ مرعِب، وإرثٌ لممارسات خدّاعة مُمَوَّلة بشعارات زائفة . والمتربّعون على

رؤوس الناس، في كلّ وقت ، والذين هم على مَساس مباشر مع الأزمة ، كانوا ولا يزالون يمارسون التصريحات التّخديريّة التي يتذكّرها الناس بحسرة ، لأنّها تمرّ من دون حساب ، فهي كذبٌ مُقَنّع وصَفَقةٌ لامتصاص النّقمة وتكميم الأفواه . فمَن غيرهم له ذراع طويلة تحت جلد السّلطة ؟ أوليسوا  تلك الخلطة الفاسدة من أهل كهف الإستئثار والغُرف المغلقة والتحريض ، هذه الخلطة المُنجَزة والتي جعلت البلاد في حالة سيولة عموميّة متهالكة ، قلّصت مساحة الثّقة حتى بين المواطن ونفسه ؟ من هنا ، بات ضروريّاً طلب سَنّ قانون يجرّم التّلاعب بالمصائر .

يا شفيعَنا الرَمّاح،

على أرض الواقع تَحَسّن ملموس في فساد المسؤولين الذين عرقلوا الحلول الفنيّة بالحلول

السياسية ، والذين حصلوا على دعم كامل من التّوتير لإلهاء الناس عمّا يقترفون بحقّهم .وقد

أَسّس هؤلاء الطّارئون لإستراتيجيّة القهر والإجحاف تحت عباءة الإصلاح المنشود ، ومارسوا الحكم الذي افتقر الى أبسط معايير الحكم ، وبسطوا سلطانهم على مفاصل الدولة بالقوّة ، وعاموا فوق ثروات من مشاريع مشبوهة امتصّت تعب الناس . والأدهى أنّ بعض هؤلاء الناس سلّم رقبته الى سلوكيّة الخلل وشكّل وقاية مجّانيّة لثقافة الفساد ، وقابل بالتشنّج كلّ وقفة نقديّة ، وحصّن سياسة الإطباق على الدولة التي باتت ذَبيحة مُدنَّسة .

إنّ سقطة الوطن التراجيدية ليست جبريّة أو بمشيئة تفوق إرادة البشر ، فالسيّئات ليست

مُقدَّرة أو مفاجِئة ، ووقوع الأحداث ليس رؤية ضيّقة بل من صنع الناس ومسؤوليّتهم . والسّقطة التي لها مُسبّبات و”أبطال” ، أقلقت البناء الكياني إذ ختمت بفعلها التدميري العنيف أَيَّ أمل بعدم الوقوع في الفوضى . وبقدر ما يكون رصيد هذه الفوضى كبيراً ، بقدر ما ينتشي السّاعون إليها كغُراب فوق جيفة وطن .

ومن حقّ الناس المُعلَّقين على وَتر فوق هاوية ، أن يشعروا بالخوف . فالخوف ليس مُتخيَّلاً، بل هو انعكاس لبشاعة الحقيقة التي افتعلها رجال المسؤوليّة بسمسرات متنوّعة وبأذرع أخطبوطيّة ومن دون ندم . هؤلاء المقنَّعون بالعفّة والمعتصِمون بِشَملة الفضيلة ، الواعدون بالأعياد ، قد نحروا سمعة الوطن بتظاهرة مُعيبة من عجزٍ وعطلٍ وحقدٍ وفسادٍ وسوء إدارة ، داست وجع الناس وسَمَّرتهم على فُوّهة فتنة وعلى البَشِع من الظّنون .

أيها القدّيس، بالرّغم من الذين حاولوا إلغاءَك من روزنامة القديسين، قدّمتُ لكَ أقلّ ما يتوفّر من مادة اتّهامٍ لِ ” شياطينِنا “، لكي تستحضرَ لهم رمحَك المُظَفَّر.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل