المطران مطر احتفل بعيد مار جرجس

احتقل رئيس أساقفة بيروت المطران بولس، بعيد القديس جرجس شفيع العاصمة بيروت في الكنيسة الكاتدرائيّة التي تحمل اسمه في وسط بيروت، عاونه فيه رئيس كهنة الكاتدرائيّة المونسنيور إغناطيوس الأسمر والقيم العام لأبرشيّة بيروت المونسنيور شربل بشعلاني والأبوان شربل مسعد وداود أبي الحسن.

وبعد الإنجيل المقدّس ألقى المطران مطر عظة تحدّث فيها عن صاحب العيد والشهادة والإيمان، وقال: “فرحُنا هذا المساء كبيرٌ ونعمة من الله تنزل علينا من السماء، فرُحنا بقيامة الرب الذي بموته وقيامته صار لنا قوّة فداء وقيامة وتجدّد في حياتنا ورجاء لا تقهر لتغيير وجه الأرض. فرحُنا أيضًا بعيد شفيع الكاتدرائية والأبرشية، مار جاورجيوس الشهيد البطل القدّيس. وفي هذه المناسبة تعطينا الكنيسة قراءة ثمينة من الإنجيل المقدّس حول العلاقة بين المسيح وبيننا نحن المؤمنين به، فيقول الربّ: أنا الكرمة مِنّي المائيّة، مِنّي الغذاء، وأنتم الأغصان تُزرعون عليَّ امتدادًا لحضوري في العالم. ويقول لنا: إذا أردتم أن تأتوا بثمار اثبتوا فيّ، أعطيكم المائية والغذاء والقوّة لتعطوا هذه الثمار. أمّا إن لم تثبتوا فيّ فالغصن الذي زُرع عليّ سييبس ويُترح في النار ليحترق. قيامة المسيح انتصار على الشرّ والخطيئة والموت، لكن هذا الانتصار يبدأ بكونه انتصار المسيح. فكيف يتحوّل من انتصار المسيح، إلى انتصارنا نحن؟ “.

 

وأضاف، “ننتصر نحن إن ربطنا حياتنا بحياة المسيح، وإن أسَّسْنا حياتنا على إنجيله، إن أعطانا هو قوّة الانتصار فينا لنموت نحن أيضًا عن الشرّ ونحيا لله ونعمته. خلاصنا نعمة من الله ومساهمةٌ شخصيّة منّي ومنكم بحياة كلّ إنسان وإلاّ هذا الانتصار لا قيمة له إن لم يكن لي دورٌ فيه. على ضوء هذا التعليم المقدّس، نتأمّل بحياة القديس جاورجيوس، هو ضابط روماني من الأجيال المسيحية الأولى، ثلاثمئة سنة قبل أن يعلن الإمبراطور قسطنطين المسيحيّة دين الدولة، ويصعد المسيحيون من تحت الأرض إلى فوق الأرض من دون خوف على حياتهم من القتل والموت. هذا الشهيد البطل كان يحظى بموقع كبير محترم له أجرته، وكيانه، وكلمته، ضابط في الجيش الروماني وهو أقوى جيش في العالم آنذاك، تعرّف على المسيح يسوع، فصار المسيح كل شيء بالنسبة إليه. عرّض نفسه للاضطهاد والموت، وإنْ خُيّر بين الإمبراطورية الرومانية والضبّاط والموقع وبين يسوع المسيح، يختار يسوع المسيح، وهو اختار المسيح ومات شهيدًا. لم يكن إنسانًا متاجرًا أو مساومًا، بل تعلّق بالرب وأعطى حياته للكنيسة ولمسيحه. لذلك وُضع عليه أسطورة قديمة من الفكر اليوناني والفينيقي، عند اليونانيين أوديب الملك وعند الفينيقيين قدموس، يذكراننا أن المدينة أيّة مدينة في داخل أسوارها تحيا السلام والناس يقبلون بعضهم بعضًا، لكن هذه المدينة تبقى مهدّدة من خارج الأسوار، من وحشٍ مفترس يدخل إليها ويمعن فيها قتلًا، لذلك يجب أن يقتل هذا الوحش لتخلص المدينة. الوحش يعني اللاعقلانية، ورفض الإنسانية، وهذا أمر مذهل يبقى إلى يومنا هذا، فيما الناس يطلب منهم أن يعيشوا بحبٍّ وسلام، هناك شرور تأتي وزوابع تقوم، شياطين تنفح لتعيث فسادًا في الأرض وتهدّد سلم الناس وحياتهم. من يوقف هذا الوحش؟ من يدافع عن الكنيسة التي هي مدينة الله؟ القديسون هم الذين يحاربون هذه الوحوش وهذه الخطايا والآفات بدمهم وبحياتهم حتى تسلم المدينة وتعيش بسلام كامل”.

 

وقال: “سُلّم جاورجيوس هذه الأسطورة وصار هو كما ترونه في صورته حامل رمح، فارسًا على حصانه وابنة الملك وراءه تمثّل الكنيسة وهو يصرع الوحش ليعمَّ السلام كنيسة المسيح. الأسطورة في بعض الأحيان أهم من الحقيقة، الأسطورة تعبير عن الحقيقة.

 

أهم هذه الوحوش رفض الآخر، والأنانية، واستغلال الناس وإرادة القتل والسيطرة على الآخرين، نزعة قديمة في الإنسان، يجب أن نتركها جانبًا فتولد فينا إنسانيّة، هي إنسانيّة التضامن. انظروا إلى داخل نفوسكم حتى في داخل حياتكم، ففي كلّ إنسان صراع بين العقل والوحشيَّة. يقول بولس: الخير الذي أريده لا أعمله والشرّ الذي لا أريده إيّاه أعمل، من ينقذني من جسد الموت هذا؟ تضارب في الداخل، لست حرًّا تمامًا بعد إلاّ إذا حرّرني المسيح من قوّة الظلام التي فيَّ. بلادنا اليوم تحتاج إلى وحدة ومحبّة وتفاهم لنتخلَّصَ من وحوش تطاردنا في أيامنا وليالينا”.

 

وتابع، “نطلب من أجل ذلك قوّة المسيح وصلاة القديسين والقديسات الذين عاشوا المرارة في يسوع المسيح على مدى ألفي سنة، لتغلبَ القداسة والإنسانيَّة والسلام على عالمنا اليوم. فقد مات المسيح من أجل إخوته ومن أجلنا ليفتديَا حتى نعيشَ الأخوَّة. وهو بحاجة إلينا حتى نكمّل عمله. يقول بولس: إنّي أكمّل في جسدي ما نقص من آلام يسوع المسيح. نحن بحاجة إلى صلاة ونظافة ونعمة من الله لنقوى على شرّ الأشرار والشرّير. نتمنى من صميم القلب ألَّا يختلف اللبنانييون على لبنان فيضيع الوطن في الظرف العصيب الذي نحن فيه، نصلّي من أجل التوافق والمحبّة بيننا جميعًا لننقذ وطننا وطن الرسالة. هذه أمور نتأمّل بها في عيد مار جرجس عندما نراه كيف صرع الوحش الذي علينا نحن أن نصرعه، وما جرى في سيريلنكا أمر محزن، أن يُقتلَ الناس الأبرياء من دون سبب أو مبرّر وغيرهم قُتل في مكان آخر في نيوزيلندا، قتلوا في مصر وفي نيجيريا وفي الهند والعراق وسوريا واليمن ولبنان. ولكن كيف نوقف حركة القتل هذه؟  هذا ما يُسمى حركة شيطانيَة وجهنّميّة ولا تُكسر إلَّا بالحبّ والغفران والحوار والإيمان والأخوَّة. يقول البابا فرنسيس: هذه حرب عالمية ثالثة ولكن تُعاش بالتقسيط هنا وهناك من دون سلام ولا سلم لأن الإنسان فقد إنسانيّته، وابتعد عن الله”.

 

وأضاف، “عيد القديس جاورجيوس مناسبة حتى نفكر بأنَّ هذا القديس دافع بدمه عن كنيسة المسيح، ونحن نعيش المسيحية في قلبنا بنظافة وثقة ورجاء ونؤمن بأنَّ المحبة قوّة لا تقهر، نؤمن بالحوار بالمثل الصالح، نؤمن بالكلمة والموقف وبالانسانية ووحدة البشر. لهذا وقّع قداسة البابا فرنسيس مع شيخ الأزهر وثيقة تقول كلّنا إخوة بالإنسانية وقد ربحنا هذه الأخوّة لأن المسيح صار إنسانًا وصار أخًا لكلّ واحد منّا، عيد مبارك عليكم جميعًا ولتبقى بيروت عاصمة التلاقي والخير بين المسلمين والمسيحيين. نتفاعل معًا، في هذه الكاتدرائية التي عادت إلى الحياة بعد أن أعدنا لها بهاءها بعد الحرب المدمّرة. كل عيد وأنتم بخير باسم الآب والاب والروح القدس الإله الواحد آمين”.

 

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل