دير الأحمر: قصة إلتزام ونضال في عهد الوصاية – 1

كتب زياد شيت ديراني في “المسيرة” – العدد 1693

دير الأحمر: قصة إلتزام ونضال في عهد الوصاية

إعتقالات ومسيرات باللون الزيتي وشعارات بحماية سيدة بشوات – 1 

 

كانت سنة 2018 سنة الشهادة والشهداء، التي أعلنتها كنيستنا المارونية المباركة، كنيسة الشهداء الذين سفكت دماؤهم حفاظاً على الأرض والمعتقد والحرية ولحماية الإنسان في كل زمان ومكان أنّى وُجد على مرّ التاريخ. قدموا أنفسهم فرادى وجماعات، من الـ350 راهبًا شهيدًا الى يومنا هذا الذي جسّدته المقاومة المسيحية اللبنانية، وقد تماهت المسيحية في لبنان مع المارونية في الدفاع عن الأرض والشعب والحرية.

إن بذل الذات، أي الإستشهاد، هو أسمى درجات الشهادة كما يقول الرب يسوع «ما من حب أعظم من هذا وهو أن يبذل الإنسان نفسه عن أحبائه». وقد بقيت المقاومة اللبنانية، خصوصًا «القوات اللبنانية» مستمرة في الشهادة للقضية نفسها التي إستشهد لأجلها الشهداء، وفاء لهم ولذاتها. وقد ظهرت هذه الشهادة والوفاء في إستمرار الذين خرجوا سالمين من الحرب مع الأجيال الجديدة في تكملة النضال يوم سكت الرصاص واستمرت الحرب عليهم بأنواع كثيرة. ولأن الوفاء مدرسة، فيجب شكر كل الذين ناضلوا في هذه الأيام العصيبة، وأنا بدوري سأذكر بعض أسماء الرفاق الذين كان لي شرف العمل معهم والذين أمدوني بكثير من العزم والعنفوان عندما كانت كل الأجواء تدعو الى اليأس والإحباط. وأعتذر مسبقاً إن خانتني الذاكرة ونسيت أحدًا، ولكنهم محفوظون في القلب، خصوصًا في قلب القضية التي عملوا لها أمام الله والتاريخ ولم ينتظر أحد منهم الشكر أو التكريم. وهم، من دون ذكر العائلة والإسم قد يكون لعدة أشخاص: أنطوان وأنور وإبراهيم والياس وإيلي وإيليان وبطرس وبيار وتوفيق وجان وجورج وجوزف وحبيب وحنا وخليل وداني ودوري ودياب وجعجع ورامي وسامي وزياد وسمير وشربل وشادي وطوني وفادي وفهد وكمال وملحم ومخايل وميشال ومنصور ومروان ومارون وماريو وماري ونانا ونايف وهاني ووليد ويوسف، وأولاً وأخيرًا القائد غسان، وريمون وحميد وجاك ومرشد ومارسيل وماجد ومنير ونوهرا وفيصل وبرنارد وربيع وبشارة وقزحيا وجوني…

 

غادر الحكيم غدراس وارتحلنا في حجّ  مبارك الى بكركي نهار الجمعة وكنا قلّة، ومساء غادرنا بأكثريتنا وارتأى عدد قليل منا أن ينام في ساحات بكركي. نهار السبت عدنا الى بكركي واتفقنا أن يكون الأحد يومًا حاشدًا، فانطلقنا نطرح الصوت ونشحذ الهمم، وكانت مهمتي سهلة أنا ورفاقي من دير الأحمر ومنطقتها، إذ لم نعانِ الكثير سوى بالتنقل لإعطاء الخبر الذي مفاده: «بكرا القداس عند بيّنا البطرك في بكركي كرمال الحكيم».

نهار الأحد حصلت المواجهة مع القوى الأمنية عند مدخل الصرح البطريركي. وبعد إنسداد الأفق، وكنت جالسًا الى جانب بول عنداري، أتى نحونا جورج مطر وصرنا نتداول بالموضوع، فطرحت عليهم فكرة تأليف لجنة من أربعة أو خمسة أشخاص، فألفنا اللجنة من سبعة أشخاص وكان ضباط الجيش يراقبوننا وعرفوا أننا مسؤولون من تحركاتنا، فتقدمنا منهم وأحالونا الى العميد جورج خوري، فتكلم بإسمنا رفيقنا بول وقال له: «إن هذا الشعب لن يرضى إلا بالدخول الى بيته وعند رأس كنيسته لعرض الموضوع عليه»، ودعمنا كلنا فكرة بول… عند المغادرة إلتفت الى خيم الجيش ورأيت شبابنا الموقوفين ومنهم دانيال، فأبينا المغادرة وطلبنا من العميد خوري إطلاق سراحهم ودعمنا المطران أبو جودة بمطلبنا، وكان لنا ما أردنا.

بعدها إنكفأت مرحليا بسبب مرض أبي بالسرطان وتدهور صحته السريع، حتى أنه فارق الحياة ولم يكمل الستة أشهر بالإصابة، وعيّنا جناز الأربعين الذي صودف في الذكرى الأولى لتفجير كنيسة سيدة النجاة، فطلبت سرًا من بعض الذين أمون عليهم بالنزول الى الكنيسة في الزوق.

عُيِّنت أستاذاً للتعليم المسيحي في تكميلية دير الأحمر الرسمية من قبل لجنة «التعليم المسيحي في الأبرشية»، فكنت أمرّر بعض الوطنيات للتلاميذ وأذكّرهم بالظلم اللاحق بسمير جعجع، وكون مسيرة الحكم التابع في وطننا هي ضد مسيرة التاريخ وضد المنطق وضد الحق، وطلبت من التلامذة أن يدوّنوا أسئلة على وريقات في أي موضوع يريدونه، مع حفظي لعدم ذكر أسمائهم، وكانت نسبة 20 في المئة من الأسئلة تدور حول «القوات» والحكيم. فصرنا نتابع مع الرفاق هؤلاء التلامذة ونرعاهم ونسهر عليهم. وتوالت الإستدعاءات الى مخابرات أبلح.

أدركت أننا بحاجة الى التنظيم، لا سيما أنني ورفاقي المسؤولين السابقين في «القوات» محاطين بالخطر، وإن أصابنا مكروه يجب أن نكمّل المسيرة. فبادرت الى جمع بعض الشباب في منزلي خاصة في الليالي، فكان البعض يأتي من المدخل الأمامي والبعض الآخر من المدخل الخلفي جهة المطبخ، وهم الأغلبية بعد أن يتكبّدوا السير والإلتفاف في كامل الحي ليصلوا. وكنا نتناقش في عدة مواضيع وما يجب فعله وكيفية عمله. وكانت المخابرات قد كلفت مخبرين إثنين لمراقبة بيتي، فكانا لا يفارقان الحي تقريبًا.

وفي ليلة، بينما كنا مجتمعين، وما أن غادر رفيقنا غسان منزلي مع شابين آخرين لمساعدته، حتى طرق الباب مخبر ثالث يظهر أنهم إستدعوه على عجل بعد أن حلّلوا بأفكارهم أن الأمر جدي ومهم كثيرا، وإلا لما كان تكبّد رفيقنا غسان مشقة المجيء وهو بحالته المعروفة التي أقعدته على الكرسي جراء إصابته أثناء حرب الإلغاء. ولنعد الى المخبر، فقد طرق الباب، وما أن فتحت الباب حتى هرول سريعا نحو غرفة الجلوس حيث الإجتماع، وتبعد غرفة الجلوس عن المدخل حوالى ثمانية أمتار، وقال إنه بحاجة الى بحث أمر معي، وجال بنظره على الحاضرين فحفظ الذين يعرفهم وغادر، وما هي إلا حوالى الأسبوعين حتى استدعتنا مخابرات أبلح أنا وثمانية من الذين كانوا في هذا الإجتماع، وثبت لدينا أن التسعة نعرفه ويعرفنا، أما البقية فلا يعرفهم ولا يعرفونه.

وكان من جراء ذلك أن مارسوا ضغوطا عليّ. ففي إحدى المرات سألني المحقق من هو هاني شيت ديراني؟ وهل أعرفه؟ وما صلة القرابة بي؟ وهددني بأن أنتبه وأنهم سيستدعونه. وكان إبني هاني لا يتعدى العاشرة من عمره، فمرروا رسالة تهديد لي بعائلتي. فأجبته بأنه إبني وقد ساعدنا بتوزيع كارت المعايدة بالقيامة المجيدة على باب إحدى كنائس دير الأحمر.

كان الشباب لا ينفكون عن تذكير الكل بقضية «القوات» وقائدها المسجون، وراحوا يستنبطون طرقا وأساليب، ومنها أننا في صباح أحد الأيام أفاقت دير الأحمر على صور الحكيم ملصقة في كافة شوارع البلدة الرئيسية، وقامت الضجة وراحت المخابرات اللبنانية والسورية تنغل في البلدة، وبسرعة عرفت مَنْ من شبابنا قام بالمهمة وقابلت إثنين منهم وباركت لهما الخطوة وأوصيتهما بألا يقولا لأحد مهما تعاظمت الضغوط. وطلبت المخابرات من المختار أن ينزع الصور، وكان المختار متعاطفاً معنا، فجاء إليّ وطلب مني التشاور في الأمر فماطلت. ووصل الأمر الى ستريدا، فبعثت لي برسالة شفهية بنزع الصور فورًا، فارتبت بالأمر، ولما عرفت بريبتي أرسلت المرحوم دياب القزح، وهو كان المسؤول عن «القوات» في منطقة البقاع الشمالي وقتها، وكان رجل ثقة لدى الحكيم وستريدا، فاجتمعت به في منزله. وبعد مناقشة الموضوع طرحت عليه أن يقوم المختار بالطلب من الأخوة الرهبان، أخوة الصليب يومها، بنزع الصور وأن يبدأوا عند الساعة السادسة مساء، فتسنى لنا الوقت بإبلاغ الجميع بالموضوع. وقام الأخوة بنزع حوالى 85 في المئة من الصور.

 

يوم البراءة

إستعدَّت دير الأحمر للإحتفال بيوم البراءة وكأنه براءتها هي بالذات من تهمة زور وظلم بتفجير كنيسة هي المحامية عنها منذ القدم ولا زالت. فاختلطت أصوات المفرقعات النارية وفورات الشمبانيا وقرع الطبول وأهازيج الرقص والدبكة ولحن المزمار والمجوز ورنين أجراس الكنائس. وكان الإحتفال الكبير الرئيسي في ساحة البلدة التي تبعد عن حاجز المخابرات السورية في وسط البلدة حوالى 60 مترًا. وأعتقد أنه لأول مرة بعد حل حزب «القوات» ودخول الحكيم الى زنزانة وزارة الدفاع تُرفع أعلام «القوات» وصور الحكيم بالتزامن مع بشري من دون أي تنسيق أو علم أو خبر.

في اليوم التالي، وكعادتي، أفقت باكرًا عند الساعة الخامسة لأتوجه الى السهل لمتابعة الأعمال الزراعية، فلمحت قافلة كبيرة آتية من طريق بعلبك إيعات باتجاهنا ومن دخانها عرفت أنها عسكرية، فهربت نحو السهل والتقيت بالكثيرين، كما فرّ آخرون نحو الجرد. إنتشرت حوالى الكتيبة بكل آلياتها المدولبة والمجنزرة يرافقها نحو ثلاثين عنصرًا من المخابرات بثياب مدنية، وبدأوا بالمداهمات بحسب لوائح كانوا يحملونها. إحتجزوا عدة شبان، ومن لم يجدوه أخذوا أباه أو أخاه أو عمه أو… وذلك بعد إهانات كثيرة. داهموا بيتي وروّعوا زوجتي وأطفالي وقلبوا البيت رأسًا على عقب، وعندما كانوا يفتشون جارورًا قالت لهم زوجتي: «زوجي لا يسعه جارور»، فأجابها أحد الجنود: «إنشالله منحطو بجارور، ونحنا منعرف شغلنا». وبعد مغادرتهم أخذت زوجتي الأولاد وأقفلت البيت وذهبت الى بيت أهلها. وبعد ساعتين جاءت دورية ثانية، فصادفت عمي شيت المهاجر الى أوستراليا وجاوبهم: «إن زياد فوق الـ18 وما بياخد إذن مني ت يروح ويجي». فاقتادوه بفظاظة الى الجيب، ولما حاول إبن عمتي الخوري هنري عماد التدخل تدافعوا معه وأسمعوه كلامًا قاسيًا. وهكذا لم يراعوا أي حرمة ولم يحترموا أي مبدأ، ولا التزموا بأي قانون أو عُرف.

وكانوا يضعون الذين يحتجزونهم في شاحنة ريو أوقفوها أمام مركز المخابرات السورية بحكم الآمر والمأمور بحسب روحية إتفاقية التعاون والتنسيق والأخوّة. وعندما تمتلئ الشاحنة تغادر ويأتي دور غيرها. وصادف أن وضعوا عمي في الشاحنة بجانب المرحوم عكرمة مبارك الذي اقتادوه بدلاً من إبنه مبارك، وكان الكل معصوبي الأعين فعرفوا بعضهم، وراح المرحوم عكرمة بشجاعته وجهره المعروفين لدينا ينادي بصوت عالٍ: «نحنا اللبنانيي تعوّدنا ع شِحْواركم بس هيدا الزلمي أجنبي معو الجنسية الأوسترالية وبكرا سفارتو بتبهدلكم». فتنبّه أحد الضباط وأطلق سراح عمي بعد ثلاث ساعات من الإحتجاز. وكانت النتيجة أن أصدر القضاء العسكري أحكامًا بالسجن على الموقوفين تراوحت بين الـ5 والـ7 أيام تحت جرم إطلاق نار وإشاعة الفوضى.

كان التنسيق مع رفاقنا في بيروت والساحل قد بدأ يتنظم من خلال عقد إجتماعات دورية كل شهر مرة، وذلك في بيت موريس مرّة أو مشهور أو حكمت مرة أخرى، أو في بيت ميلاد أو زياد تارة أخرى، وكان يحضر أكبر عدد ممكن حتى يصل الى الأربعين أو في المرات القليلة حوالى الخمسة عشر كادرًا سابقاً. أذكر منهم شحادة ش، شحادة ش، شحادة ل، نزيه ل، الياس ل، جان ش، طوني ش، أنطوان ش، يوسف ح، طعان ح، جورج خ، جورج ح، غسان ح، طوني ح، جورج ك، جورج ك، نايف ح، ميلاد ح، جوني ح، ميرنا ح، طوني خ، ناصر ل، جوزف ح، الياس ق، جاك خ، منير ف، جورج ن، حنا ح، فهد د، شليطا ح، جورج ب، وليد ق، جورج ع، مروان أ.ر، طوني أ. ي، حنا خ، أنور ق، بيار ب، بيارق.

 

زيارة البابا

في العام 1997 رمينا التمنيات على الأحلام وتدغدغنا بالعفو والإفراج بمناسبة زيارة البابا القديس يوحنا بولس الثاني، لكن طريق الجلجلة لم يكن قد اكتمل بعد، بل كنا في مرحلة مسح وجهنا بالمنديل الذي طُبعت عليه آثار آلامنا وجلدنا من أقرب القريبين وجرحنا من الأبعدين.

تحضّرنا وحشدنا وكان الكل يتسابق للوقوف أمام سيدة النجاة، فارتأينا أن يقف الناس على الطرقات ليظهر الحشد المسيحي أمام البابا، ووزعنا الأعلام القواتية وصور الحكيم، ونزل من الدير والمنطقة حوالى خمسة آلاف ولاقاهم من أبنائنا في الساحل الضعفان. والطريف أن بعض النسوة قد خبأن أعلامًا وصورًا تحت ثيابهنّ ورفعنهنّ أثناء القداس الذي أقيم على الواجهة البحرية لبيروت.

 

بلديات 1998

عام 1998 أعلنت السلطة المنتدبة الحاكمة عن إجراء الإنتخابات البلدية. عقدنا إجتماعًا في ضبيه وقررنا أن نبارك وندعم الوفاق الذي كان يقوم به النائب السابق الدكتور طارق حبشي. وهكذا كان. وقد بذل الرفاق جهودًا كبيرة لإتمام الوفاق، خصوصًا رفيقنا موريس.

الساعة العاشرة قبل الظهر، وضمن جولته التفقدية على أقلام الإقتراع، وصل وزير الداخلية الأستاذ ميشال المر الى دير الأحمر، وكان شبابنا يملأون الساحة، فرفعوا أعلام «القوات» وصور الحكيم مع هتافات لـ»القوات» والحكيم. فتح الوزير شباك سيارته فاغتنم أحد الشباب الفرصة ووضع صورة الحكيم بوجه الوزير كأنما ليقبّلها. طبعًا كان الشباب تحت الضغط والإحساس بالظلم والمؤامرة، وكانت نظرتهم الى كل من هو في السلطة أنه عميل، منهم من هو برتبة «طاووس نافش ريشه» وهو الزويعم، ومنهم الأوطى (وليس الأدنى) الزاحف والمعفّر وجهه بالذل والإنبطاح. وكان بث ونقل مباشر شاهده كل اللبنانيين.

تم الوفاق وتقرر أن يُقام قداس شكر في كنيسة سيدة البرج، على أن ينطلق الجمهور وعلى رأسه راعي الوفاق الدكتور طارق حبشي يرافقه أعضاء البلدية الجديدة المتوافق عليها من منزل الدكتور حبشي في الطرف الغربي من البلدة الى كنيسة السيدة في الطرف الشرقي للبلدة، مرورًا بالشارع العام. وكنا نحن شباب «القوات» يهمنا أن نظهر قضيتنا، أي قضية الحزب المحلول وقائد الحزب المسجون بأي طريقة مُتاحة. ولم نتوانَ عن إلتقاط الفرص السانحة لأنها الطريقة الوحيدة التي كان يمكننا أن نتحكم بها، وهي رفع أعلام الحزب وصور الحكيم للتذكير بقضيتنا، لا سيما وأن البعض كان يتحاشى التعاطي معنا وكأننا مرض البرص ويجب عزلنا أو مرض الطاعون وسنعديه حرية. نقل الإعلام الصورة مباشرة على أكثرية المحطات التلفزيونية ورآها رفاقنا في بشري، فأتى رفيقنا الأستاذ إيلي كيروز (النائب السابق) مع مجموعة كبيرة من الرفاق لزيارتنا ودعمنا والوقوف الى جانبنا وتهنئتنا.

كانت نتيجة الظهور القواتي الفاعل في كافة المناطق اللبنانية، لا سيما في العاصمة بيروت والتحالف الرسمي مع الرئيس الشهيد رفيق الحريري، أن ثارت ثائرة الإحتلال وعملائه فردوا بتفجير الرفيقين نعمة زيادة وجورج فؤاد ديب إبن دير الأحمر، فارتفعا شهيدين وابتدأت الضغوط على أهل وأقارب الشهيد جورج من قبل المخابرات، وابتدأوا بتلفيق الأكاذيب واختلاقها، كأن يقولوا لأهله إن ما جرى هو خلاف داخلي في «القوات» وهذه تصفيات، أو أن «القوات» قد كلّفتهم بمهمة تفجيرية ولكن العبوة إنفجرت بهم بسبب خطأ تقني قبل الوصول الى الهدف، ولما لم يلقوا منهم آذاناً صاغية ولا تجاوبًا هددوا البعض منهم مباشرة بعدم الحديث عن الموضوع بتاتاً.

إستُدعي الكثير منا مع بعض الرفاق في بيروت والساحل الى مركز مخابرات الجيش في أبلح، فالتقينا في الباحة الداخلية لثكنة أبلح. أذكر من الرفاق موريس حبشي ومشهور النخلة وجوزف حبقة وشحادة شيت…

 

قداس ميفوق

في أيلول 2000 نظم رفاقنا فادي الشاماتي والياس الحويك ورفاق آخرون قداسًا للشهداء في سيدة إيليج، فحشدنا واستأجرنا الفانات وذهب كثير من الرفاق بسياراتهم والبعض ذهب قبل بيوم وناموا في إيليج. ويوم القداس كانت المعاناة الكبرى، إذ إنتشر الجيش على كل الطرق الرئيسية والفرعية، وحتى الزواريب الترابية المؤدية الى كنيسة سيدة إيليج ومدافن الشهداء، وبإجراءات تعسفية ومضايقات، فاضطررنا الى ركن سياراتنا في القرى البعيدة والإنطلاق سيرًا على الأقدام لعدة كيلومترات، وصادف كل منا أقلّه عشرة حواجز بذات المضايقات. وكنا نرى على كل حاجز شبابًا لنا محجوزين لأتفه الأسباب كالتذمّر من التعب والحر والعرق، وكان الجرم الأكبر اللباس الزيتي واللون الزيتي، حتى لو كان لباسًا مدنيًا. وكانت نتيجة هذا اليوم الطويل توقيف العشرات، من بينهم ثمانية من دير الأحمر وعيناتا وبرقا…

(يتبع)

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل