أنا أحسد الارمن

شخصيا، حتى اللحظة، لم أتصالح فعليا مع الاتراك. لا أسافر الى تركيا، وفي المدى المنظور لا يبدو أني سأفعل. لم أحبها يوما رغم ما فيها من جمال. لا يزالون في بالي شعبا قاسيا استعبدنا اربعمئة عام وذقنا على ايامهم مرارة العلقم، وخرجوا من بلادنا وما تركوا ارثا عظيما أكثر من حكايات دموية عن أحمد باشا الجزار، كما كان لقبه، وتلك الاركيلة البغيضة، وطبخة “اليبرق” اي ورق العنب المحشو.

لا تركوا ارثا معماريا ولا ارساليات ولا مدارس كما فعل الفرنسيون من بعدهم، ورغم تعاقب الازمنة والاستقلال وما شابه، لم اتحرر من “نقزتي” منهم. كانوا احتلالا بشعا نكّل باللبنانيين كمن يمزمز اركيلة. ومن هنا اسأل نفسي غالبا، ماذا يفكر الارمن في لبنان والعالم تجاه الاتراك، الذين سطّروا في تاريخهم أبشع مجزرة على الاطلاق في بداية القرن العشرين، نحكي عن مجازر الارمن التي بدأت ذاك الـ24 نيسان 1915؟

لا ألوم الشعب الارمني على ذاكرته الحيّة التي لم تنس يوما تاريخها الدموي مع الاتراك، ومنذ ذاك الزمن وهي تطالبه وبعناد، بالاعتذار ولا يفعلون. احترم اصرارهم، واكاد اقول احترم “تقوقعهم” إذا جاز التعبير. الاكيد ان لو لم “يتقوقع” الارمن على حالهم لفترة، لما استطاعوا ان يحفظوا قضيتهم لينفتحوا على العالم. انها حكاية شعب، هي رواية بدأت بالدم، الكثير الكثير منه، مجازر بشعة لعلها الاقسى والافظع بتاريخ الإبادات الجماعية في التاريخ الحديث.

لملم الارمن دماءهم المتناثرة في دفتر التاريخ وجعلوها حاضرا جاهزا للحياة دائما وقبعوا في انتظار الاعتراف بالجريمة والاعتذار عنها. داوى الارمن حالهم، ضمّدوا الجراح والشتات، صنعوا وحدتهم وتكاتفهم ليحافظوا على تراثهم وحكاياتهم الحلوة المتبقية من جيل عتيق شهد على المجازر، ونقل مشعل الحكايات لأجيال جديدة لتبقى ارمينيا التراث حاضرة في وجدان الاجيال ونجحوا، لكنهم لم يصلوا بعد الى حيث ينشدون فعلا لأجل شهدائهم، واحترم كثيرا هذا الاصرار. نحن عندنا شهداء، الكثير الكثير منهم، ولم ننسهم يوما لكن الدولة نسيتهم، نسيت حتى شبابها الاحياء في معتقلات بشار الاسد، فهل ستتذكر أساسا اولئك الذين استشهدوا ليحيا وطن؟

ما علينا، نبقى في الارمن، نبقى في نقاط التشابه التي تجمعنا بهم، نحن القوات اللبنانية تحديدا، نحن لا نلتفت الى النكران، نكمل نضالنا كما يجب ان يكون وننتظر اياما أفضل، مكافأة النضال وطن حقيقي، وسنصل أؤمن بذلك. الارمن حملوا اشلاءهم وحولوا المجزرة الى حياة تنبض بهم في لبنان والعالم وأعلنوا بالصوت العالي “لن ننسى شهداءنا، لن ننسى المجازر، لن نتوقف عن المطالبة بالاعتذار لاستشهاد اكثر من مليون ارمني على يد الاتراك” وتركيا توغل في النكران.

نحن لا نذهب الى سوريا “الا ع راس دبابة” كما قال لي أحد الرفاق يوما، ما عاد الامر يحتاج الى دبابة، سوريا مخزن اسلحة الغرباء، لكن لنا بذمتها اربعين عاما من الاحتلال وآلاف الضحايا والشهداء والمعتقلين. لنا بذمتها وطن يا عالم، ولن تصطلح الامور بيننا ما لم يطلق شبابنا، وتعتذر سوريا عما فعلته بلبنان، ونعرف ان الامر لن يحصل قريبا لان “اصدقاء” سوريا، وهم عمليا عملاء، كثر في لبنان، لكن تبقى قضيتنا مقدسة ونضالنا مغمّس ببخور الايمان، وهكذا يفعل الارمن ايضا، ولذلك تحمل القوات اللبنانية قضيتهم.

“القوات اللبنانية” حزب القضية، ولأنها كذلك تؤمن بقضايا الآخرين المحقة. لنا من الشباب الارمن حصة كبيرة من المناضلين والمناضلات والرفاق، لنا منهم الكثير من الشهداء، الارمن هنا هم لبنانيون اولا، لان هذا موطنهم، لكن من دون أن يسقطوا من وجدانهم ارمينيا الارض الام، وارمينيا قضية الشعب المضطهد، لذلك كل سنة وفي ذكرى المجازر، تفتح معراب ابوابها لتحكي عن تلك القضية، لتذكّر بها، ليكون المنبر لأصوات لبنانية ارمنية تعرف كيف تحكي قضيتها وتعلن شهادتها، وتخبر العالم ان من لا يطالب بحقه يضيع هو ويضيع حقه تحت أقدام الزمان والزمن لا يرحم.

ارمن وغير ارمن نحن لبنانيون اولا لأجل الوطن، لبنانيون نؤمن بأن من غرز سكينا في قلب شعب، عليه ان ينتشل من الجرح العميق بعضا من بلسم لتستقيم قيم الحياة. نجح الارمن في تكاتفهم وحفظوا قضيتهم من سكين جزّار أبشع بعد وهو النسيان والتجاهل، وكل ما يطلبونه الان ان يعلن اصحاب السكين ندمهم، الا يستحق المليون شهيد كلمة؟ الا يحق للمليون شهيد الاعتراف بهم؟ الا تعرف تركيا ان في الاعتراف والاعتذار تكون انقذت انسانيتها من انحدار أكبر، وان الاعتذار من دولة كبيرة هو انتصار لذاتها قبل انتصار للأرمن بحد ذاتهم؟

احترم الارمن، وأكثر ما احترم فيهم “تقوقعهم” اتعرفون لماذا؟ لأنهم لو لم يفعلوا هذا لأصبحوا حكاية منسية في كتاب تاريخ لم يُكتب جيدا، ولصاروا شتاتا هائما على وجه الدنيا، وأكثر بعد؟ أحسدهم لانهم حفظوا عراقتهم، وانا الان اصلي لنتقوقع على لبنان، لنكون عنصريين في وطنيتنا معليش، علنا ننقذ حالنا في صراعنا المرير لنحفظ قضية وطننا…والله أحسدهم!

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل