لبنان على الصفيح الساخن

في مقالات سابقة تكلمنا عن الفترة المقبلة في المنطقة ووصفناها بانها فترة مطبات واهتزازات لن يكون لبنان بمنأى عنها إذا لم يحسن اللبنانيون فصل بلدهم ومصالح الدولة عما سيجري في المحيط.

اليوم نقول ان لبنان بات على الصفيح الساخن، ومن بين المؤشرات الكثيرة نتوقف عند خمسة منها اساسية:

اولا: المنعطف الجديد والخطير في المواجهة الاميركية ـ الايرانية ووصولها الى نقطة الذروة الحاسمة مع دخول واشنطن مرحلة ” تصفير” صادرات إيران النفطية عالميا، وقرار ادارة الرئيس دونالد ترمب الغاء الاعفاءات في استيراد النفط الايراني لثماني دول ووقف اعطاء اي تمديد لها.

هذا التطور بحد ذاته والتي تقابله ايران بمنحى تصعيدي اولى تجلياته برزت مع اقالة قائد الحرس الثوري محمد جعفري وتعيين الجنرال حسين سلامي احد رموز التشدد في الجناح الحاكم، وتهديد وزير خارجية ايران الاخير بإمكانية اقفال مضيق هرمز ان تعرضت صادرات ايران النفطية للتضييق عبر هذا المضيق وصولا الى النبرة العالية والهجومية في خطاب الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله من بيروت، والذي شن جام غضبه على المملكة العربية السعودية ودولة الامارات لكونهما تعهدتا بتعويض النقص الحاصل من وقف تصدير النفط الايراني لمنع حصول صدمات كبيرة في اسعار واسواق النفط العالمي.

فمواقف السيد نصرالله ان دلت على شيء فعلى جاهزية كاملة للانخراط في اي مواجهة مباشرة او غير مباشرة مع الاميركيين لمساندة طهران في تلك المواجهة، وبالتالي استجرار لبنان الى مواجهة مع الاميركيين لا يؤيدها قسم كبير من القوى اللبنانية.

فايران التي حاولت ان تراهن على الوقت، على امل انتظار سنتين لتغيير الرئيس دونالد ترمب، وبالتالي تبدل السياسة الاميركية تجاهها، مدفوعة في املها هذا، بتصاريح واعلانات عدد من المرشحين الديمقراطيين في واشنطن امثال بيرني ساندرز، واليزابيت وورن، وجوليان كاسترو، وقريبا نائب الرئيس السابق باراك أوباما جو بايدن، والذين اجمعوا في برامجهم الانتخابية على استعادة الاتفاق النووي الذي انسحب منه الرئيس ترمب، ما لبثت ان ادركت صعوبة تحمل هذه الفترة الطويلة من الافقار والتجويع والتركيع الاميركي لها خصوصاً ان استطلاعات الرأي في واشنطن تميل بمجملها الى عودة ترمب في ولاية ثانية بعد تحقيقه للأميركيين نموا اقتصاديا داخليا كبيرا.

 

ثانيا: تحديد كبير مستشاري الرئيس الأميركي وصهره جاريد كوشنير موعد بعد شهر رمضان لإطلاق مبادرة البيت الابيض لحل القضية الفلسطينية والمعروفة باسم استفزازي “صفقة القرن”، إذ بات من الواضح والجلي للمراقبين، أبرز ما قد تحتويه هذه الصفقة من تضحيات مؤلمة ستفرض على الفلسطينيين وتقلب بالتالي الكثير من المعادلات والحسابات الاقليمية والدولية.

وفي هذا السياق، لا يمكن التقليل من حجم التأثيرات الخطيرة التي سببتها الى الان سياسة ترمب في ملف الصراع العربي ـ الاسرائيلي بدءا من نقل السفارة الى القدس وصولا الى قرار اخضاع الجولان للسيادة الاسرائيلية وكلها خطوات تصعيدية وتصاعدية تمهد لما سيأتي اعلانه بعد شهر رمضان المبارك.

 

ثالثا: الغاء السفارة الاميركية في بيروت وبصورة مسبقة تأشيرات دخول لبنانيين الى الولايات المتحدة، كمؤشر خطير على ملامح السياسة الاميركية الجديدة في المرحلة المقبلة، وتأثيراتها على الوضع اللبناني. وفي هذا السياق، يجدر التذكير بان قسماً كبيراً من اللبنانيين الملغاة تأشيراتهم هم من رجال الاعمال الذين بادروا في مرحلة سابقة الى الترويج للمشاركة في اعمار سوريا، وقد تشجعوا بمؤشرات اعادة فتح سفارات وقنصليات عربية في دمشق، وزيارة الرئيس السوداني المخلوع عمر البشير مشق للقاء بشار الأسد، بناء على طلب روسي، تلك الزيارة التي قد تكون احدى اسباب اطاحته لاحقا.

الا ان “فرملة” واشنطن للاندفاعة العربية باتجاه دمشق اثرت على العديد من هؤلاء رجال الاعمال اللبنانيين، وفي نفس الوقت، ساهمت في انكشاف العديد من السياسيين اللبنانيين الذين تنادوا وتباروا في زيارة دمشق ولقاء الاسد في الآونة الاخيرة.

 

رابعا: بوادر احتدام المواجهة بين المملكة العربية السعودية وايران في لبنان، ليس اقلها التزامن ولو مع بعض الفوارق في التوقيت، بين كلمة السيد نصرالله الاخيرة في العيد السنوي لكشافة الامام المهدي النارية ضد السعودية والامارات وزيارة المستشار في الديوان الملكي السعودي عبدالله الربيعة لبيروت والتي اتصفت بزيارة تقييمية لاستثمارات ومشاريع دعم واعمار لبنان، في وقت لم تخلُ من رسائل سياسية سعودية واضحة ومباشرة للمحور الايراني في الداخل، تشير الى مدى تعمق وتجذر العلاقات اللبنانية ـ السعودية وافضال المملكة على لبنان، كرد مباشر او غير مباشر على مواقف حزب الله ومن خلاله طهران المجتهدين منذ فترة في محاولة شد لبنان الى محورهم.

 

خامسا: بوادر تراجع قوة الدعم الاوروبية للبنان، ماليا واقتصاديا، خصوصا من الجانبين الفرنسي والألماني امام الفوضى الرسمية اللبنانية المتجلية في عدم وجود مقاربة لبنانية رسمية واحدة للموازنة وسياسات التقشف الى الان، ما كان ولا يزال ينعكس على عدم قدرة الحكومة على انجاز مشروع موازنتها للعام 2019 الى الان. وامام دخول الاتحاد الاوروبي مرحلة تغيرات جذرية في سياسات الدول الاعضاء الانفاقية في الخارج خصوصاً في ظل تصاعد ضغوط اليمين المتطرف والرفض المتصاعد للتورط في مشاكل الشرق الاوسط وتمويل اي بلد او اقتصاد من جيوب المكلفين الاوروبيين كالفرنسيين والالمان، خصوصاً في ظل الترقب الاوروبي الحذر لما ستكون عليه المنطقة في مرحلة بعد شهر رمضان إثر الاعلان عن صفقة القرن.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل