زهرة التواضع: جبران

آخر مشهد – كتب عماد موسى في “المسيرة” – العدد 1693

 

سأقولها للمرة الأولى: أنا  في سن الثانية عشرة، كان يفترض بي، نظراً لنبوغي المبكر، أن أسافر إلى جامعة برنستون لا كطالب جامعي بل كأستأذ محاضر في الأنتربولوجيا، لكن تحسساً مني لمعاناة شعبي قررت أن أتابع صف الـ”سيزيام ب” نهاراً والنضال السري ليلا لتحرير لبنان من الغرباء، وبعون الله وُفقت بطرد المحتلين ولم يبقَ أمامي سوى جيوب قليلة في مزارع شبعا وتلال كفرشوبا وقرية الغجر.

 

سأقولها وللمرة الأولى، أنا كان يمكن ألا أتعاطى السياسة التي سرقت مني طفولتي ومراهقتي، والمعروف عني حبي للعمل في الظل بعيدا عن الضوضاء والأضواء. لكن ما حصل أن يوم التسليم بين الرئيسين رونالد ريغان وخلفه جورج بوش (الأب) سُمع ريغان يهمس في أذن بوش. هيدا جبران رح يخلقلنا مشاكل يا جورج. يجب لجمه. في مقدوره أن يخرب اللعبة الإقليمية ويفسد مخططاتنا في لبنان. إذّاك قررت التصدي للهيمنة الأميركية ومع الوقت صار الرؤساء المتعاقبون من بيل كلينتون إلى جورج بوش (الإبن) وباراك أوباما يتندمون: يا ريت سمعنا من جبران ما كان صار فينا هيك  وهيك لا بأفغانستان ولا بالعراق ولا باليمن…

 

عادة لا أخلط بين الشخصي وبين الشأن العام، لكن سأقولها للمرة الأولى وأنا اليوم في قمة المسؤولية، أشكّل حكومات، وأسقط حكومات وأضرب بيدي على الطاولات وتتسابق على رضاي التلفزيونات: يوم كنت صغيراً حفظت أغنية “الله يرضى عليك يا إبني” خصوصاً هذا المقطع، وراح ولي العهد يدندن ما كتبه توفيق بركات له ولوديع الصافي:

 

“بنت المدينة بدها خدّام

وإلا ع ريش نعام ما بتنام

ليلى يا إبني إن جارت الإيام

بتعيش عالزيتون والجبنة

الله يرضى عليك يا ابني”.

 

وبالفعل كان قلبي مع ليلى الفلّاحة، قال جبران وقد احمرّت وجنتاه. وألذ كوز تين تذوّقته كان من قطف أناملها، وأطيب صحن كشك كذلك أعدّته بيديها، وياما وياما انتظرتها على العين لأحمل الجرّة عنها. آه يا ليلى. لكنني أُجبرت ألاّ أتزوج حب حياتي ليلى لأن الوطن ناداني لفوق على قصر الشعب فلبيت النداء.

 

وما دمنا نتصارح، برحمة موتاي، أنا أُجبرت على الترشّح في العام 2005 وأسقطت نفسي بنفسي. أوعزت إلى المناصرين أن يصوّتوا لأنطوان زهرا وبطرس حرب، لطالما كرهت أن أكون نائباً. أنا رجل فكر نضالي ولست من  الساعين إلى مقعد نيابي. وتقولون لي لماذا ترشحت في العام 2018؟ سأقولها للمرة الأولى: 118 صبية هددن أن يضعن الأصفاد في أقدامهن وينتحرن جماعياً في بحر البترون إن خذلتهن وسمحت بسرقة مقعد هو لي.

 

وسأقولها للمرة الأولى: نعم عطّلنا كقوة ديمقراطية تشكيل الحكومة غير مرة، وعطلنا انتخابات الرئاسة، لا لرغبة في التعطيل بل لأن الله سبحانه وتعالى اصطفانا لقيادة سفينة الإصلاح والتغيير وظهر علي الملاك جبرائيل ذات يوم ونتعني بكتفي: قم يا جبران وانقذ البلد. أوتريدون أن أخذل الملاك جبرائيل! الملاك أجبرني على التعطيل.

 

وما لا تعرفونه عني، أنني لم أرغب يوما بتولي رئاسة التيار الوطني الحر بعد الجنرال، بخاصة من طريق التعيين، ونحن من المنادين دائما ومن الطليعيين في تطبيق الديمقراطية. حتى أنني رجوت إخواني أن يجنبوني تجرّع هذه الكأس، لكن التيار قال بصوت واحد شباناَ وشيباً: أنت يا جبران أرفع من كل ما سنّه البشر، كالديمقراطية وتداول السلطة والمراقبة والمحاسبة…. وهل ينطبق على الآلهة ما يُطبّق على البشر؟

رباه لا تحرمنا من إله الديماغوجية والمغتربين!

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل