حكيم؟ الله في الدمعة والجلاء والثورة!

لا أحد، لا أحد يذرف دمعة، دمعة واحدة ما لم يكن المنبع جرح القلب. لا قلوب تُجرح ما لم تكن تحب، لا حب في العالم يكتمل ما لم يشوبه الخوف، لا خوف يأتي من عدم ما لم ينهكه الحنان. كانت دمعة سمير جعجع شيئاً من كل هذا. رجل لم يكن يسأل “اين كنت يا الله حين وحين وحين…”، بل رجل تعتّق في التجربة الاليمة، لانه احب بلاده حتى الحنان والخوف والدمعة، تحمّل اخطاء الاخرين وذهب صاغرا الى قدره ليحرر شبابه وناسه. ولما خرج الى ضوئه كنا شهدنا على الحرية مرتين. الاولى ثورة الارز، والثانية جلاء جيش الاحتلال السوري عن لبنان ذاك الـ26 من نيسان 2005.

طيب يا بنت اي رابط بين الاستقلال وتلك الدمعة؟! هي حكاية دموع في الحالتين، بكينا فرحا، وعند كل مفصل حب مشوب بالحنان ندمع ويدمع ايضا سمير جعجع.

انها ذكرى الاستقلال الثاني حكيم إضحك ارجوك. لا تخافي يا صبية هو يضحك دائما، لكن القلب الكبير الذي عاش التجربة الكبيرة يسمح لنفسه ان يعلن انسانيته على الملء ان يخبره انه رجل سياسي عتيق، كان قائدا عسكريا صلبا مهاجما مدافعا شرسا عن ارضه، لكن انا انسان، اضحك انتصر اهزم افرح وابكي حين تنغشني بلدي في شغاف قلبي وتأخذني الى ذاك الحنين المخملي، فيتدحرج صوتي فوق دمعة الحب تلك، هذه بلدي عمري قدري حياتي ومصير الناس لا تنسوا.

يا الله، كيف تتقاطع التواريخ في بلادي. دمعة الحكيم تقاطعت مع ذكرى مجزرة الارمن، وايضا مع دمعة فرح لا تقارب حين وقفنا الى رصيف التاريخ نراقب جلاء جيش الاحتلال السوري عن أرضنا. ذاك اليوم المجيد، ولما غابت آخر دباباتهم عن أرضنا عرفت معنى الانتصار. تذوقت في تلك اللحظة بالذات حلاوة الدمع المالح حين يحفر اخدودا في جبال الكرامة. كانت خدودنا الجبال ودمعنا المالح سكر الانتصار.

عرفنا في تلك اللحظة التاريخية النادرة معنى وهدف النضال، فهمت الحياة فجأة وتعلّمت ان دم الشهيد حرية، ان اعوام المعتقل الحر حرية لأبناء الارض، ان نضال الشجعان ايمان، وشجاعة المقاومة وطن. تعلّمت ان الصبر والايمان والقلوب الكبيرة وحدها تعيد الارض لأهلها مهما عصفت بهم من اهوال.

لم أشهد على تاريخ في حياتي أجمل من ذاك اليوم، عبقت في تلك اللحظة رائحة دماء الشهداء كمن يصرخ فينا “لأجل هذه اللحظة صرت سمادا للأرض، لأجل دمعة الانتصار الرقراقة بالحنان والكرامة انا الشهيد احيا في ضيائي لان عطر دمائي فاحت اخيرا حرية”. كانت السعادة حين رأينا وجه الاحتلال الكالح بذله وهو يرحل مكسورا مهزوما مطأطأ الكرامة عن ارض لبنان، بعدما امعنوا فيه لاكثر من خمسة وثلاثين عاما، قصفا موتا اغتيالا تهجيرا اعتقالا تعذيبا فسادا اذلالا، وها هم يرحلون، ليحملوا في رحيلهم الذليل رمادهم لتعود الارض خضراء يجتاحها الزهر والعبق وياسمين الشهداء.

في ذاك اليوم عرفت ان ثمة وجود فعلي لذاك المصطلح الاسطوري “الانتصار”. في ذاك اليوم فهمت معنى ان يشعر الانسان ان قلبه كبر لدرجة انه ما عاد يستوعبه، ويكاد يخرج من بين ضلوعه وهو يرى كابوسا يزيح عن صدر بلاده. وقفت يومها اراقب آخر قوافلهم في منطقة ضهر البيدر وهم باتجاه المصنع، كمن يقف الى حافة الحلم تماما، فيعبث بشعره ووجهه وعينيه ليتأكد انها حقيقة، واذ به يكتشف انه ليس حلما بل امر واقع، وذاك الجيش الذي نكّل بشبابنا وناسنا، يترك البلاد، يرحل “فل وخليك رايح تتخلص دني” صرخت. “لاء لاء سكتي هلأ بيسمعوكي بيقوصوا علينا”، اجابتني سيدة كانت تراقب بصمت وفرحها يصرخ في عينيها، وعشرات يقفون الى حفافي الطريق، نزلوا من سياراتهم ليشهدوا على اللحظة “فالّين؟ فالّين من هون؟ كتّر خيرك يا ربي على هالنعمة، الله لا يردكن”، صرخت اخرى، “رجعتلنا بلادنا؟ معقول؟” وحمل الرجل زوجته بسعادة غامرة وهي تضحك وتضحك، والناس تضحك وتبكي في آن، وانا واقفة الى قارعة ضهر البيدر مسمرة في ارضي أستمتع بفلتهم الذليلة تغيب في المسافات.

كان الجلاء ثمرة ثورة الارز. انتصرت الثورة لان الارادة الشعبية كانت اقوى من الاحتلال، اقوى من اصوات الحلفاء العملاء الذين ما تقبلوا خروجهم وما سمع صوتهم احد، بل صارت صورهم واصواتهم ترابا موحلا تتقاذفه ارجل الثوار في ساحات الحرية.

صحيح لم ينته النضال عند ذاك الجلاء الذي يجب ان يكون عيد استقلال حقيقي وعطلة رسمية واحتفالا رسميا، في تلك الدولة التي تستنسب الحرية كما تستنسب تعاطيها مع ابنائها، لكن لا بأس، نحن ما زلنا على قيد النضال، وكما اخرجنا الاحتلال المعلن مرة، سنخرج ايضا الاحتلالات المقنعة بالف وجه وعلّة من لبنان.

دمعة سمير جعجع فرح وشجن ولقاء وحب لوطن المعاناة، دموع الناس يوم 26 نيسان 2005 ثمرة النضال المرير، وفي الدمعتين كان الله موجودا. لم يتركنا يوما ولن يفعل، هذه ارضه رزقه، وقريبا وعندما نحقق استقلالنا الثالث والنهائي، سندمع من جديد ونقبّل وجه الرب الحاضر ابدا في تراب الارز.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل