بئر الصّفرا والأموال الصّفراء

بصيص نور لاح في الأفق المسدود بعد الكشف عن بدء الحفر قبالة شاطئ بلدة الصّفرا الكسروانيّة، التي تبعد 29 كلم عن العاصمة اللّبنانيّة، بيروت، وذلك في الرّقعة رقم 4 النّفطيّة. مقابل ذلك بدأ الحفر في الموازنة منذ فترة ولم يخرج منها بعد غاز المصروف الصّحّي للدّولة اللّبنانيّة، جلّ ما يخرج حتّى الآن الصرف الصّحّي المتّجه من جبال لبنان إلى مياهه. فهل ستكون هذه الخطوة بابًا جديدًا لسدّ العجز في ميزان الموازنات التي ستلي؟ أم سيشكّل هذا الملفّ بابًا جديدًا من أبواب الأموال الصّفراء التي أغرقت لبنان في منظومة الفساد المالي والاستراتيجي بين دول المنطقة والعالم؟

ممّا لا شكّ فيه أنّ هذا الملف سيحمل بنتائجه المنتظرة الايجابيّة في حال استكمال مسيرة الاستكشاف وصولا إلى الاستخراج. وستكون هذه العمليّة حقل تجارب بالنّسبة إلى ما سيتبعها من عمليّات استكشافيّة في الحقول المتبقيّة من حيث الكميّات المستخرجة. ونأمل ألا تشكّل هذه الكميّات صدمة سلبيّة بالنّسبة إلى اللّبنانيّين جميعهم. فما فوق الأرض في لبنان بات مجهولا كيف بالحري بما هو تحتها؟

الشّركتان اللتان ستعملان في هذه الرّقعة حدّدتا مهلة 55 يومًا كمهلة لحفر البئر. مع العلم أنّ الوزارة النّاشطة في هذا الملف لم تستطع حتّى الساعة إزالة التعديات على شبكة الكهرباء وذلك خلال السنوات العشرة ونيّف منها. لقد فقد اللّبنانيّون ثقتهم بالذين ينتهجون الشّعبويّة والغوغائيّة في الشأن العام، وجلّ ما نريده اليوم أعمالا وليس أقوالا. فهل سيتحوّل ملفّ النّفط إلى حالة جديدة للتعديات؟ أو سيصبح ذريعة جديدة لأعمال إرهابيّة أو مقاومتيّة؟

لا يحتمل لبنان مزيدًا من الأموال الصّفراء تدخل مجدّدًا إلى لبنان من دون أن تمرّ عبر خزينة الدّولة. الحصار المفروض على أكبر الدّول المنتجة للنّفط هو أنموذج يحتذى في هذا الملفّ للدّول التي تعارض باستراتيجيّتها الاستراتيجيّة العالميّة. قد يقول قائل أنّه من المبكر الدّخول في مهاترات “النقّ” لأنّه من المبكر بعد قبل التأكّد من ماهية المخزون المتواجد في الرقعة المستهدفة، هل هو نفط أم غاز، وهل الكمية الموجودة هي كمية تجارية أم لا؟

فهذه هي الطّرق المعتمدة عالميًّا في مجال استكشاف النّفط وصولا إلى استخراجه. فبعد مرحلة الاستكشاف قد تضطرّ الشركة إلى حفر بئر أخرى في حال لم يتمّ استخراج الكميّات الموعودة من البئر المحفورة في المرحلة الأولى. وفي هذه الحالة لا تتحمّل الدّولة المزيد من التكاليف الماليّة لأنّها على عاتق الشّركات. فهل سيستغلّ النّافذون سياسيًّا وجود الكميّات الموعود استخراجها في منطقة نفوذهم السياسي لأغراض انتخابيّة؟

في هذا السياق لفتت بعض المصادر إلى أنّ التلزيمات المتعلقة بكامل المشروع، تتم خارج إدارة المناقصات في التفتيش المركزي. إذ تقود وزارة الطاقة، وبموافقة الحكومة، تلك العملية. فضلا عن أنّ هذه المرحلة الأولى ستشكّل بابًا جديدًا للاستثمارات. وتنتظر الشّركات حلّ الحقول المتنازع عليها لتدخل في عمليّة التلزيمات مع الدّولة بشكل مباشر. لكن من المجدي بعد سلسلة التّجارب التي مرّ بها لبنان في ملفّ التلزيمات بالتّراضي أن تتمّ هذه المسائل عبر دائرة المناقصات وليس كما كانت تحدث الأمور قبل ذلك. لا أحد يضمن قضايا السمسرات التي نشطت في لبنان نتيجة ثقافة الفساد التي هيمنت على بعض الفئات التي تتعاطى الشأن العام في الدّولة. فهل تستعدّ هذه الفئات اليوم لتغيير ثقافتها؟

لذلك كلّه، لا ينفع التلاعب اليوم مع الشّركات غير الحكوميّة، ولا حتّى مع المجتمع الدّولي الذي يترقّب من لبنان تبدّلا في استراتيجيّاته، لا سيّما الدّفاعيّة منها، وذلك لصالح تقوية نفوذ الدّولة أكثر، من حيث حصريّة السلاح، وعدم تقويض السيادة لحساب بعض الأحزاب أو الفئات السياسيّة. وعلى ذلك ستبني هذه الشّركات استراتيجيّاتها الاستثماريّة في لبنان خلال السّنوات القادمة. فهل لبنان الدّولة الذي يصرّح تصريحات متناقضة بين قبل الظّهر وبعده قادر على إقناع هذه الشّركات؟

كذلك المجتمع الدّولي يترقّب بحذر تصرّف الدّولة اللّبنانيّة في مجال مكافحة الفساد، ليس فقط لما نتج عن مؤتمر سيدر وحسب، بل لأنّ ثقافة الدّولة والفكر المؤسّساتي اللتين أرستهما بعض الفئات التي دخلت حديثًا في الشأن العام، هما هدف هذا المجتمع اليوم. فهل سيحقّق لبنان خطوة إلى الأمام في هذا الملفّ؟ أم سيكون مزيدًا على مزيد من خطوات إلى الوراء؟

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل