
افتتح رئيس مصلحة النقابات في حزب القوات اللبنانية إيلي جعجع كلمته خلال لقاء تحت عنوان “كرامة العامل اللبنانيّ” في معراب، بقول من رسالة القديس بولس الرسول الثانية إلى أهل تسالونيقي، “لا نأكل خبزاً مجّاناً من أحد، فمن لا يريد أن يعمل عليه ألا يأكل أيضاً”.
وأضاف، “فكّرت فيما يمكن أن أستند إليه ممّا يوضح معنى العمل وقيمته في حياتنا في مناسبة عيد العمّال في الأول من أيّار هنا في معراب. فما وجدت أبلغ من بيان بولس الرسول في الفقرة التي إبتدأت بها كلمتي. فالعمل يرتبط بالعيش، ويأخذ معناه منه ويحمل كوسيلة كرامة ما حمله العيش للبشر”.
وتابع، “العيش الكريم غاية العمل وواهب قيمته ولطالما تاه من لجأ في فهم العمل إلى معادلات أخرى. فالأجر مفردة من مفرداته يفسّره العمل ولا يفسّر العمل. ولطالما سكن العمل تجاذبٌ حادّ وضيّق أضاف على إنحطاط الرغبة بجرّ العمل إلى الكسب، إنحطاط النيّة بخلط العمل بالسلطة، ما يفضي إلى وضعيّة تضرب العمل في معناه ومبناه وغايته، فيغيب بذلك العمل الكريم فتضيع كرامة الحياة ولذّتها، وينحدر الإطار الاجتماعي إلى لجّة من الفساد لا قاع لها”.
وأضاف، “ينحرف العمل عن غايته يوم يختنق كوسيلة في حدود الأجر، إذ يغدو الأجر الشرعيّ رمزاً لتفاهة العمل، مقطوع الصلة عن العيش الكريم ويكون المعبر لثروة الأعمال غير المشروعة والجرائم العاديّة سواءً حملتها حماية من محسوبيّة أو تفلّت في جوّ من اللامسؤولية فيصبح المجرم (كالمهرّب والمرتشي ….) الذي لا يخاف العقاب نمط حياته الجرميّة موضع فخر وأساس رفاه تحجز له المكانة الإجتماعيّة ومراتب السياسة”.
وأوضح ان “هذا ما يجعل العمل الشريف يتضاءل في عينيّ العامل لطرده من جنّة المكانة الاجتماعية والثروة فينحدر في نظر العامل كرامةً ومعنى ويعظم هذا الوباء لو أصبح ذا طابع عام أو لو كان طابعاً عامّاً سببه، كما لو انكسر أو اختل التوازن بين مجتمع العمل ومجتمع السلطة، فتسرّب بطريقة غير مشروعة بعض فاعليات العمل إلى السلطة ضارباً قواعد العمل وممتهناً القانون، أو نفذ بعض ممتهني السلطة إلى مجتمع العمل عدواناً فأطاحوا بالحصانات التي ترعاه وتحميه”.
واعتبر إنّ “حماية كرامة العمل هو شرط وواجب لحماية صحّة الوطن ومستقبله كما أنّ حماية مجتمع العمل هو أساس لاقتلاع ثقافة الفساد وتجفيف آلياته ولا يقوم بذلك إلّا نزاهة ترعى التوازن بين الحقلين وأخلاق وطنيّة تحمي كرامة العمل وألق العيش الكريم”.
وأشار الى ان “لبنان وكما قال إرنست رينان وهو أحد المستشرقين الكبار ممّن زاروا لبنان: لقد طفت في بلاد الأرض ووجدت أوطانها تعيش على هبة من الله وهو صانعها… إلّا لبنان… فما حبته الطبيعة بمورد أساسي يعيش منه، فكلّ هذه الأوطان من عمل الله أمّا لبنان فهو البلد الوحيد الذي يمكننا أن نقول أنّه عمل أبنائه”.
وأردف، “إنّكم لو فتّشتم لما وجدتم قمحاً يزرع في جلول ضيّقة منحوتة في قلب الصخر قد جلب التراب إليها. إنّكم لو فتّشتم لما وجدتم مجتمعاً عاش لأكثر من ألف عام في مغاور وكهوف وعلى قمم الجبال بين أعشاش النسور. إنّكم لو فتّشتم لما وجدتم حفنة من الرجال تدافع عن الجلول والمغاور والتلال لمئات السنين بنفس الشراسة وبصبر كبير وبجلد فريد”.
واستطرد، “إنّكم لو فتّشتم لوجدتم شعباً ربط العيش بالعمل، عيشاً وعملاً زيّنا كرامة وجود كان لبنان لها عنوان. إنّكم لو فتّشتم لوجدتم وطناً بناه الإنسان، وطناً لا يعرّف بغير اسمه…لبنان. نعم…. إنّ لبنان لا يفسّر إلّا باللبنانيين، صانعو تاريخه”.
وأكد ان “اللبنانيين لا يعرفوا إلّا بميزة كرامتهم وعنفوانهم، جهدهم وعرقهم، كرمهم وشهادتهم. وإذ نتطلّع اليوم إلى غد نستأهله على قاعدة التضحيات كلّها، لا يمكننا إلّا أن نستعيد العمل اللبناني كرامةً ومعنىً وقيمةً إجتماعية، بحيث نبني شأناً عامّاً يرعى عدالة إجتماعية لعمل عنوانه الكرامة ، ومجتمع خال من آليات الإفساد وثقافتها”.
وقال، “نأخذ على أنفسنا عهداً للسّنة المقبلة أن ننجز برنامج قيمة العمل اللبناني ومن كرامة العمل اللبناني جاعلين من هذه السنة، سنة كرامة العمل كما جاعلين من قولنا فعلاً، فعل حقائق لا كلمات كليّة ولا جزئيّة بل قولنا والعمل في سبيل الكمال”.