البطريرك صفير… الأول في كل الظروف

كتب رئيس أساقفة مطرانية صيدا ودير القمر المارونية المطران مارون العمّار في “المسيرة” – العدد 1694

معرفتي بغبطة البطريرك صفير

كان يعرف ما يريد وكان الأول في كل الظروف

 

خلال دراستنا في الإكليريكيّة الصّغرى في غزير كان يزورنا المطران صفير، النّائب البطريركي العام في حينه، كسائر أساقفة الطّائفة، وكنّا نندهش من تواضعه، لأنّه كان يأتي إلينا بسيّارة بيجو 404 يركنها تحت الشّجرة أمام الأكليريكيّة، ويترجّل منها إلى الكنيسة حاملاً تواضعه المعهود وقداسته الظّاهرة، ليترأس القداس الّذي تدعوه إليه إدارة الإكليريكيّة.

كنا كطلاّب نركّز على العظة لنأخذ منها درسًا لحياتنا من جهّة، ونكتشف، إذا استطعنا، الأخطاء النّحويّة التي يمكن أن يقع فيها الواعظ من جهّة أخرى. وقلّما كُنّا نجد عند  المطران صفير هفوةً أو خطأ معيّنًا، إذ كانت كلماتُه أنيقةً، معبّرة، صحيحة، تصل إلى الذّهن والقلب سريعًا.

بعدما تقدَّمتُ في الحياة الإكليريكيّة وارتسمت كاهنًا، طلب منّي رئيس المدرسة الأكليريكيّة في حينه، الخوري يوسف بشارة، رئيس أساقفة أنطلياس لاحقًا، أن أكون من الكهنة العاملين في الإكليريكيّة الصّغرى، فزرتُ غبطة البطريرك صفير لآخذ رضاه قبل أن أبدأ عملي، فسألني عن رسالتي فيها، فأجبته بأنّني سأعاون مدير المدرسة الإكليريكيّة الصّغرى الخوري نبيل عنداري، النّائب البطريركي العام على منطقة جونية حاليّا، فسألني: «وهل أنت فرح بهذه الخدمة؟»، فأجبته بالإيجاب، فباركني وطلب إليّ أن أكون شاهدًا صادقًا للمسيح وحاملاً أمينًا لكلمته، ومتمّمًا لتوجيهات المسؤولين في الكنيسة والإكليريكيّة. وبهذه الكلمات القليلة المعبّرة قال لي كل ما يلزم، وحاولتُ طيلة رسالتي في الإكليريكيّة أن أكون صادقًا مع توجيهاته.

 

عام 1995 استدعاني مجدّدًا رئيس المدرسة الإكليريكيّة الكبرى، الخوري نبيل عنداري، لأكون من عداد المنشّئين، فزرتُ غبطتَه مجدّدًا لآخذ بركتَه، فكرّر أمامي ما قاله لي منذ أكثر من ثلاث عشرة عامًا. ولمّا عيّنني عام 2007 رئيسًا للإكليريكيّة، كرّر أمامي ذات الكلام.

طيلة رسالتي في الإكليريكيّة، لم أجد أي تغيير أو تبدّل في شخصيّة هذا البطريرك العظيم، لأنّه كان يعرف ما يريد، ويعمل بصمتٍ ليصل إلى الهدف الذي وضعه نُصبَ عينيه.

إنّه صاحب النّظرة الثّاقبة والكلمات القليلة والظُّرف الحاضر. لا تملَّ من حضوره، فهو يتركُكَ تتكلّم ليفهم عليك ما تقول، ويختم بكلماتٍ قليلة تدل على الكثير الكثير، ومتّكلاً على اللّه في ما يتعلّق بالمستقبل وظروفه الغامضة. وعلى الرّغم من الأحداث المؤلمة الّتي مرّت بها البلاد والكنيسة، بقي الكبيرَ دائمًا في عين القريب والبعيد، وموقفه راسخ وواضح في فكر الصّديق والخصم، ويزداد مهابةً كلّما زادته السّنون خبرة وإجلالاً.

 

لمّا استقال من السدة البطريركيّة عن كِبَرٍ وإيمانٍ عَرَفَ كيف يسلّم كرسيَّه إلى سلفه، فكان، كما يقول عنه البطريرك الراعي، أطال اللّه بعمره، «البطريرك الدّائم للكرسيّ» الّذي عرفه كاهنًا ورعًا يعمل بخدمة البطريرك بصمتٍ ودون ملل أو تعب، ومن ثمّ نائبًا بطريركيًّا عامًّا يخدم في كل النّيابات البطريركيّة، محافظًا دائمًا على أولويّة البطريرك بالكلمة والتّعليم والتدبير والتّوجيه والقداسة.ولمّا دعاه اللّه ليكون بطريركًا، كان الأوّل في كلّ الظّروف، حتّى قال عنه من عرفوه بأنّه «شرّف الأولويّة ولم تشرّفه»، واخيرًا لمّا جاء الوقت ليبتعد عن الأولويّة في البطريركيّة، تركها محافظًا على مهابته وصلاته وصمته وقداسته.

تباركت كنيستنا الّتي أعطت البطريرك صفير، وبارك اللّه بطاركتنا الأجلاّء القدّيسين، وبارك البطريرك صفير في كلّ مراحل رسالته الكنسيّة وخصوصًا في شيخوخته الرّصينة المحبّبة.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل