مروان حماده: أنتحدث عن بطريرك أم عن قديس؟

 

كتب الوزير والنائب مروان حماده في “المسيرة” – العدد 1694

أنتحدث عن بطريرك أم عن قديس؟ بالأحرى عن البطريرك القديس. من حظ لبنان أن يكون مار نصرالله بطرس صفير قد تولى هذه المهمات وأعطى لمجد لبنان مجده الحقيقي في مرحلة كاد الوطن يتمزق كليًا. وكم من الأمثلة على هذا التمزق داخل الأوطان. يوغوسلافيا. تشيكيا وسلوفاكيا. حتى في قلب أوروبا تمزقت الأوطان. بقي لبنان يفضل البطريرك صفير. وقد أعجبت به وتعلقت به قبل أن ندخل مرحلة التحرير، تحرير لبنان، معًا، ومرحلة إطفاء حريق الحرب وذيول المأساة معًا أيضًا، ومع كل القوى الخيِّرة في البلد.

أول تجاربي مع البطريرك صفير تعود الى فترة توليت خلالها وزارات دقيقة جدًا كالشؤون الإجتماعية والصحة والاقتصاد، وخلال هذه الفترة التي كان لبنان يحاول أن يتعافى فيها على رغم الوصاية السورية المثقلة علينا جميعًا، والتي فرضت علينا إنتخابات في غير موقعها وزمانها، وفرضت علينا جميعًا مؤامرة سيدة النجاة واحتجاز الدكتور سمير جعجع ومحاصرة بكركي حصارًا سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا. تعرفت عليه قبل أن أطلق قانون الآداب الطبية الذي يبقى حتى اليوم قاموس الآداب الطبية في لبنان وكان هو المنارة ومن سمح لنا أن نعتمد المعايير الحديثة من دون أن نتخلى عن تراثنا الثقافي والديني. التوفيق بين الله وبين الوطن كان يختصره بشخصه بكلامه ولو القليل. لم يكن البطريرك صفير من الذين يتحدثون دون حدود في الوقت وخارج قواعد الإنفتاح والمحبة. كثيرون تحدثوا عن المحبة. هو مارسها. وكان لي حضور تكريسه كاردينالاً في الفاتيكان (1994)، وربما من أجمل لحظات حياتي كان ذلك القداس في كاتدرائية مار بطرس. كنت وزيرًا وممثلاً لطائفة الموحدين الدروز وبصفتي الشخصية.

 

في تلك المرحلة لعب الفاتيكان، وبالتنسيق الدقيق مع البطريركية المارونية، دورًا أساسيًا في إخماد الحرائق. نتذكر مع البطريرك صفير السفير بابلو بوانتي. والأب بوهيغاز الموفد الفاتيكاني الى جزين. هذه المنظومة مثلت حزام النجاة الذي وضعته الكنيسة لإنقاذ لبنان. وليست المرة الأولى التي تلعب فيها الكنيسة هذا الدور.

في العام المقبل سنحتفل بمئوية لبنان الكبير. إن شاء الله، إذا ما خربوها. الله يطوِّل بعمر البطرك صفير. هناك بطلان لهذه المئوية. البطريرك الياس الحويك عام 1920 والبطريرك صفير عام 2020. الحويك أنشأ لبنان الكبير واستطرادًا جمهورية لبنان وما تبعها من دستور 1926 وما بعد. وصفير الذي أبقى الجمهورية على قيد الحياة في أحلك أيامها.  والإحتفال بهذه المئوية يصادف أيضًا الإحتفال بمئوية البطريرك صفير أطال الله عمره. نتمنى أن نحتفل معه بمئوية لبنان وبمئوية بطرك لبنان.

بدأت معرفتي به منذ الثمانينات. أول مرة عملت وزيرًا أيام الرئيس الياس سركيس. كان صعبًا الوصول لعنده جغرافيًا بالنسبة إلينا بسبب ظروف الحرب، ولكن في بعض الأوقات كنا نزوره.

 

عند حصول إنفجار كنيسة سيدة النجاة، أول من وصل الى الكنيسة كان الرئيس رفيق الحريري وكنت معه. كنت وزير الصحة. ثم تفقدنا بعدها الجرحى في المستشفيات. منذ اللحظة الأولى عرفنا أن هذا التفجير يهدف الى ضرب وحدة لبنان. كان مشروعًا جهنميًا. الفيلم السوري الطويل لم يتوقف ويعاد عرضه من جديد بصيغة جديدة وبممثلين وأدوات جدد.

طبعًا شاركت بالإتصالات لتحضير زيارة البطريرك صفير الى الجبل وتحقيق المصالحة الكبرى. كان سمير فرنجية وفارس سعيد أكثر المتحركين على هذا الخط، وكذلك «القوات اللبنانية». كان الدكتور جعجع لا يزال في السجن، وقد لعبت ستريدا جعجع دورًا بالغ الأهمية، وكذلك الرئيس أمين الجميل. طبعًا هذه الأجواء فتحت الطريق أمامنا نحو بيت يسوع الملك والتحالف الذي أدى الى إقتراح قانون العفو عن الدكتور جعجع.

كل ذلك، لم تغب رعاية البطريرك صفير عنه في أي مرحلة من المراحل. كان التحذير لهذه المصالحة بدأ في أواخر التسعينات، ولكنهم منعوا تحقيقها على عهد إميل لحود. أحبطها لحود والمخابرات السورية.

 

ربما تمايزنا عن البطريرك صفير مرة واحدة، عندما حاولنا بعد 14 آذار 2005 أن نكمل الى قصر بعبدا لإنهاء عهد إميل لحود. لم يقبل. بقي متمسكاً بدور المؤسسات. قلبيًا، يحز هذا الأمر في نفسي. ضميريًا أعتبر أنه كان على حق. ربما لم تكن المشكلة عند إميل لحود وحده. لم يكن قد تم بعد إنسحاب الجيش السوري. «حزب الله» كان بكامل قوته يرتدي ثياب النصر منذ العام 2000، ولم يكن الإتهام باغتيال الرئيس رفيق الحريري قد وُجه إليه بعد، الأمر الذي تبيّن لاحقاً ولم يكن قد دخل بعد حرب تموز وافتعلها ودمر لبنان، وما كان عمل 7 أيار 2008 والقمصان السود. ربما كنا كشفناه في وقت أبكر. ولكن ربما كانت أحبطت كل حركتنا بعد 14 آذار، وربما أيضًا ما كان حصل الإنسحاب السوري بحجة حماية المؤسسات ورئاسة الجمهورية.

ما قام به البطريرك صفير أنه نزع هذه الحجة من يد النظام السوري، وقد أراد أن يحمي رئاسة الجمهورية وليس إميل لحود. كان يقرأ المستقبل. التاريخ موجع. إنوجعنا ووجّعنا التاريخ. والمستقبل غامض وأسود.

من المؤسف أنه بعد مئة عام على قيام لبنان الكبير، ومع بلوغ البطريرك صفير عتبة المئة، إننا خائفون من هذا المستقبل. الله ينجّي لبنان، ويطوِّل عمر البطريرك صفير.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل