ستريدا جعجع: البطريرك صفير صوت الضمير والحق والحقيقة

كتبت النائب ستريدا جعجع في “المسيرة” – العدد 1694

ملأ تاريخ لبنان بصفحات من نور

إنه صوت الضمير والحق والحقيقة

 

يصعب إختصار الكلام على البطريرك الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير بصفحة أو بخطاب أو بمداخلة، وهو الذي ملأ التاريخ اللبناني الحديث بصفحات من نور لا يمحوها زمن. كما أنه طبع مسيرتي في بعدها الإنساني والنضالي بلمسة أبوية نادرة بل فريدة.

أنا كمسيحية لبنانية أنتمي إلى الكنيسة المارونية، ومن منطقة تماهت مع هذه الكنيسة وما زالت واحتضنت وتحتضن جزءًا كبيرًا من تراثها ومحطاتها، لا يسعني إلا أن أنوّه بحبريّة البطريرك صفير، الذي يمثل، وأقولها بكل راحة ضمير، قيمة إستثنائية، لأنه رجل كبير دخل التاريخ من دون أن يسعى إلى ذلك.

لقد دخل التاريخ بصلابة مواقفه الوطنية، وعَرِفَ في الوقت نفسه بهدوئه وحكمته، كيف يحافظ على لبنان الكيان والميثاق بجناحيه المسلم والمسيحي. فما يستوقفني في شخصيته الفذة هو بُعد نظره وكيف يجمع بين الثوابت والمبادئ التي تعكس تاريخ الكنيسة المارونية ونظرتها الى لبنان المتنوّع والسيد والحر، وبين الصبر والتبصّر وقيادة السفينة وسط البحر الهائج، لا سيما في مرحلة كانت فيها القيادات المسيحية مشتتة بين الإعتقال والمنفى، وكانت القوى المسيحية السيادية وعلى رأسها «القوات اللبنانية» تعاني القمع والمنع والتنكيل.

وعلى الرغم من كل ذلك، تصدى لمرحلة الوصاية السورية ومختلف أنواع  الضغوط التي ميّزتها ولم يلن أو يفقد رباطة جأشه، ، فكان صوت الضمير المدوي وصوت الحق والحقيقة، وبخاصة منذ إقرار إتفاق الطائف وصولاً إلى العام 2005.

لقد التزم الصمت في بعض الأحيان، وحتى في صمته كان معبّراً، لكنه عندما يتكلم كانت تكفي منه بضع عبارات ليكسر قيود الخوف ويقدّم دفعًا معنويصا كبيرًا لجميع المؤمنين بالعدالة والحرية.

وقد شكل موقفه التاريخي بالإمتناع عن زيارة سوريا، على الرغم من كل الضغوط والرسائل والترهيب الضمني والترغيب الصريح، نموذجًا ملفتاً في رفض أساليب الوصاية، بل إنه أحجم عن مرافقة رأس الكنيسة البابا يوحنا بولس الثاني، رفيق دربه وعمره، على الرغم من كل المحاولات التي مورست للضغط عليه بهدف تغيير موقفه.

وكيف لا أتوقف مليًا بالتحية والإكبار لهذا البطريرك الذي أطلق نداء بكركي الشهير في أيلول 2000 ففتح الباب أمام بداية نهاية الوصاية، واستحق أن يكون بطريرك الإستقلال الثاني، وأن يُعطى مجد لبنان بعدما حمل صليبه بشجاعة وإيمان في زمن الجلجلة.

أما في البعد الإنساني والشخصي، فقد كان لي بمنزلة الأب الروحي المحب والمتفهم، كسيدة اعتُقل زوجها طوال إحدى عشرة سنة وثلاثة أشهر، فوقف إلى جانبي من دون تردد وكنت أستمد منه الكثير من الإيمان والقوة على الصمود.

لقد حرصت على زيارته باستمرار، وكان يستقبلني من دون مواعيد مسبقة، ويقدّر ظروفي الصعبة وظروف الرفاق الأوفياء للقضية، ويستمع بكل عناية واهتمام إلى الهواجس والمعاناة التي كنا نعيشها. وكان دائم السؤال عن أوضاع الحكيم وعن صحته وظروف إعتقاله.

ليحفظ لنا الرب هذا البطريرك المتواضع والرمز التاريخي المقاوم.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل