
ما يميز سمير جعجع تاريخياً، وأتوقف عنده في كل محطة، هو أنه رجل حقيقي بكل ما للحقيقة من معنى. لا يساوم ولا يهادن، لا يتملق ولا يدعي، يعيش الأمور بحرفيتها وصدقها، وقد يكون مغايراً بذلك عن أغلب من يسمون أنفسهم رجال السياسة والدولة وهم من المسؤولية والحقيقة والمجتمع ومصلحته براء.
“تحية الى كل عامل ثيابه متسخة لكن كفه نظيفة”، قالها رئيس حزب القوات اللبنانية، أمس، في حفل “كرامة العامل اللبناني في معراب”، ليتماهى مع قناعاته التي لا تغيرها ظروف الا وهي ان خيراً للإنسان ان يكون متسخ المظهر وداخله “نتشة قطن” بيضاء ناصعة، على ان يكون سارقاً محترفاً، فاسداً جشعاً وملبسه “signe”.
يعبر الحكيم ها هنا عن تجربة عاشها هو نفسه يوم اختار ان يقطن في زنزانة بشعة المظهر، نتنة كانت يوم دخلها، ليحولها الى مساحة نور، على ان يجلس وراء مكتب فخم في وزارة ويرتدي أفخم الماركات وداخله ذليل، ضعيف، فاسد.
يعبّر سمير جعجع عن واقع حال البلد المرهق، بلد تكثر فيه الكفوف النتنة والمظاهر الخلابة، تتزايد الأكاذيب والشعارات الرنانة وتقل الحقيقة وتندحر المبادئ.
“كم من الشعارات أطلقت وتطلق كل يوم باسمكم أيّها العمّال وأنتم منها براء”… نفض الحكيم غبار الشعارات الرنانة، الفضفاضة، التسويقية التي تستعمل لغسل الدماغ وتستخدم ايديولوجيات غريبة عجيبة يتم الباسها للعامل وخلفها صفقات وقرارات كبرى واعمال تقسيمية إلغائية.
لم يتوقف جعجع في كلمته عند هذا الحد، قرر ازالة الغشاء المسيطر على عيون كثيرين، قال، “القوات اللبنانية من اكثر الأحزاب عماليةً في لبنان لأنها تطالب بالخطوات الاصلاحية الفعالة”.
كنت في كل مرة استمع لكلمة يقولها جعجع، أتوقع الا تحمل جديدا، وفقاً لأوضاع البلد التي لا تتغيّر، وأكتشف في كل مرة ان هذا الرجل لا يكرر ذاته لأنه لا يعيد شعارات حفظها ويخاف الخروج عن حرفيتها، هو حقيقي وللحقيقة دائماً جديدٌ تقوله.
“أريد أن أوجه كلمة لكل من يقومون بالتحركات في الشارع اليوم لأقول إننا مع مطالبهم إلا أن ما يقومون به من الممكن ان يودي بنا إلى خسارة كل شيء باعتبار أن الأهم اليوم هو إطفاء النار التي من الممكن أن تحرق المنزل بأكمله”… هذه الكلمات هي الاختلاف الراقي بأبهى حلله، فأن تختلف عن الجميع وتستمر بممارسة اختلافك بهذا الرقي، الا تهدم هيكلاً أوصلوه هم الى هذا الحد، نتيجة إيمانك بضرورة قيامه، هو مسار تراكمي لا ينبع الا ممن يمتلك هذا النضج السياسي المتغلغلة فيه الحقيقة ولا شيء غير الحقيقة.
التحية لك سمير جعجع، والفخر لنا بوجودك بيننا، نفس حقيقية راقية مترفعة، لا تتدغدغ لشعارات بالية وتصرفات فوفاشية، تحية لعينيك اللتين لا تريان هدفا الا الوصول للبنان الجمهورية القوية.
