من حسن حظنا أننا عشنا في زمني البطريرك صفير ويوحنا بولس الثاني

 

كتب أنطوان مراد في “المسيرة” – العدد 1694

كلام البطريرك صفير سيد الكلام

من حسن حظنا أننا عشنا في زمنه وزمن يوحنا بولس الثاني

 

كنا صغارا نسمع الكبار يتناقلون كلام الإعجاب بفصاحة المطران صفير الذي شغل فترة طويلة موقعه في بكركي نائبًا بطريركيًا عامًا ينتدبه سيد الصرح لتمثيله في مناسبات شتى. وكان كثيرون عندما يعرفون أنه آتٍ لترؤس قداس أو جنازة أو تدشين كنيسة أو تفقد مدرسة، يتقصدون الذهاب لسماعه، حتى سرى المثل “متكلم كالمطران صفير”، وهو أستاذ اللغة العربية وآدابها، يعظ أو يخطب بوتيرة صوت محببة رافقته طيلة حياته، ولكن أكثر ما تجلّت فصاحته في المراثي التي جمع أبرزها ونشرها، وما زالت العامّة تحفظ بعض العبارات الملفتة منها.

عندما انتُخب في العام 1986 خلفاً للبطريرك المستقيل مار أنطونيوس بطرس خريش، عمّت مسحة من التفاؤل الحذر، بعد حبرية لم تخل من إشكالات في وجه سلفه، لا سيما بسبب الحرب وتداعياتها.

 

لقد كان البطريرك الجديد بما عُرف عنه صاحب شخصية ثابتة وهادئة ومتحفظة، وكان رجل الظل من دون ادّعاء. وقد عكست كلمته بعيد انتخابه مدى تسليمه بمشيئة الرب وعمق إيمانه وتواضعه على شيء من العنفوان المهذب. وبدا أن الكسرواني ابن ريفون لن يكون بطريركاً عادياً، وسرعان ما ظهرت نزعته السيادية الصريحة وقناعاته الوطنية والإنسانية الراسخة، والتي لم تمنعه في الوقت عينه من التمسك بالحوار والانفتاح، وهو المستمع بعينيه وأذنيه وقلبه وجوارحه كلها لمحدثه، وكثيرا ما يكتفي بهزة رأس أو بتقطيب جبينه، أو يجيب بشكل سؤال، أو يعقّب بدعابة شديدة التعبير.

أول ما عرفته  خلال زيارة الصرح مع صديق، وكان يودع رفيق الحريري في الصالون الكبير، قبل أن يصبح رئيسًا للحكومة لأول مرة بأشهر عدة، وقد لمست نوعًا من الإرتياح المتبادل بينهما على إيقاع عبارة انشالله خير مرات عدة، علماً أنهما التقيا قبلها مرارًا.

 

وذات مرة قصدته صيفاً مع رفاق إلى الديمان، وكان لقاء بالغ الود بليغ التعبير، حيث اسقبلنا بجبته البيضاء وأطللنا معه على الوادي المقدس الذي يحتضن أبرز صفحات التاريخ الروحي الماروني، كما رفات عدد كبير من البطاركة في دير سيدة قنوبين حيث تردد أن البطريرك صفير أوصى بدفنه إلى جانبهم.

وأكثر ما آلمني حين رأيت مشهد متظاهرين مؤيدين للعماد ميشال عون لم ترقهم مواقف سيد بكركي من توجهات رئيس الحكومة العسكرية، فلم يتورع بعضهم عن التعرض له جسديًا وكلاميًا، ولم يكن في خلدنا أن يومًا قد يأتي يهان فيه بطريرك الموارنة على يد بعض أبنائه وكأنه في حضرة عساكر  مملوكية أو عثمانية.

بعد إعتقال سمير جعجع، قصدت كما العديد من القواتيات والقواتيين صرح بكركي، حيث بلغ العدد ذات مرة نحو ألفين تعبيرًا عن الغضب ورفعًا للصوت في وجه الظلامة اللاحقة بالحكيم وبرفاقه.

 

واصطدم كثيرون بالعناصر العسكرية المولجة حماية الصرح والمعززة بالملالات والآليات، وقد أقفلت بوابته الخارجية المؤدية إلى الباحة الكبيرة ومواقف السيارات، وتجرأ البعض على الإقتراب وفتح صدوره العارية تحديًا في وجه أفواه البنادق.

ومع تصاعد الصراخ والبلبلة، تقدم من الداخل ضابط عرفنا أنه جورج خوري مسؤول مخابرات جبل لبنان، وكان يتمايز بهدوئه واتزانه، فسعى إلى احتواء الموقف قبل تفاقمه، وتم الإتفاق على دخول المعتصمين مجموعات مجموعات على التوالي للقاء البطريرك صفير الذي طلب وأصر على استقبالهم، فتشكلت لجنة كنت في عدادها لمرافقة المجموعات، وقد بدت علامات الإنزعاج الشديد على قسمات وجه البطريرك الذي دعا الجميع إلى الهدوء والصبر والإيمان واعدًا ببذل كل جهد ممكن لإحقاق الحق، وقد حرص على مباركة الصبايا والشباب وتأثر بركوع بعضهم وبالدموع التي ذرفها بعض آخر.

وكم قصدته مع الصديق والزميل الراحل يوسف الحويك بعد الظهر، حيث الهدوء يخيّم على الصرح متلمسين منه الطمأنينة والرجاء في ظل تفاقم الهواجس بسبب ممارسات عهد الوصاية.

وكان يستمع إلينا بكل طيبة خاطر ويسأل عن تفاصيل بعض الشكاوى والهموم التي كنا نطلعه عليها، لا سيما لجهة ما يتعرض له المسيحيون على أكثر من صعيد من ظلم وتهميش، كما سلمناه أكثر من ملف مرفق بوثائق وصور، لا سيما في ما يتعلق بأملاك وأراض في بيروت ومناطق عدة أو بضغوط  على الإعلام أو على موظفين كبار وصغار أو بملاحقات بحق بعض الشباب.

وإن أنسى لن أنسى ما قاله عندما فاتحته بوضع الإنتشار المسيحي في بعض المناطق النائية والأطراف والصعوبات التي تواجه أبناءها ما يدفعهم للإنتقال إلى المدن والمناطق الساحلية، إذ قال: «نحنا المسيحيين إذا صرنا عالبحر، منصير بالبحر».

 

وذات مرة ألحّ عليّ الزميل الحويك أن أرافقه إلى بكركي، لأنه استعجل آنذاك الزواج من فتاة أعجب بها، وكان الزمن زمن الصوم إذ لا تجيز فيه الكنيسة الزواج إلا بتفسيح خاص، وبعد تجاذب أطراف الحديث في جملة مسائل، غمزني يوسف لأفاتحه في الموضوع فقلت له: سيدنا، يوسف عندو طلب خاص، فرفع البطريرك حاجبيه وحوّل ناظريه نحوه سائلا: أيش؟ حدا بو شي؟ في شي خبرية مش منيحة؟ فابتسم يوسف وأجابه: لا سيدنا خير، أريد الزواج خلال هذين الأسبوعين وأطلب الإذن منك بذلك. فانفرجت أسارير البطريرك وضحك مليّاً ورفع يديه قائلا: ولك بعد كل هالوقت وما عملتاش، هلق زركت معك؟ أفيكش تهدي نتفي بعد؟ وأضاف باسما: تكرم عينك، طل عالمطران أبو جودة بيرتّبلك ياها.

كثيرًا ما كانت الوفود التي تقصد سيدة لبنان في حريصا تعرّج على بكركي للسلام على غبطته والتبرك منه، وقد استقبل مرة وفدًا من كبار السن من بلاد جبيل التي كان طويلاً نائبًا بطريكيًا عليها، وصعد إلى الباص وراح يتحدث إليهم أمام الكاميرا وأجهزة التسجيل عن الإيمان والتمسك بالجذور، وفجأة توقف عن الكلام وأشرق محيّاه وكأنه وقع على مفاجأة، فأردف بصوت عال: مخايل أيش منتعمل هون وكا مخايل؟ فضحك الجميع وتأثر مخايل الذي كان قندلفتاً ووكيل وقف لفترة طويلة، ومضى نحو عشرين عامًا على لقائهما آخر مرة. ومعروف عن البطريرك صفير حبه للحياة الريفية وبساطة أهل القرى الجبلية وذاكرته في حفظ الوجوه والأسماء.

ولدى تعييني رئيسًا لمجلس إدارة إذاعة لبنان الحر، قصدته مع وفد من الزملاء إلتماسا لبركته، فبدا سعيدًا وسأل كلاً من الزملاء عن عائلته ومسقط رأسه وعما إذا كان يعرف فلاناً أو علتاناً. ونوّه باستمرار الإذاعة في بث القداديس والزياحات والصلوات وبثبات مقرها في كسروان منذ انطلاقها مؤكدًا على أن لبنان لا يعيش من دون حرية.

وكثيرا ما كان يبادرني لدى زيارته بأسئلة حول مقالاتي في جريدة “الديار” التي كتبت لها على مدى أكثر من عشر سنوات، وكنت أتجرأ أحياناً على نقل بعض ما يدور بيننا من أحاديث من دون استئذانه أو أستطرد  في تفسير مواقفه، فلم يبد أي إنزعاج، بل كان قال لي: هيئتك بتعرف رأينا بدون ما تسأل.

 

في انتخابات العام 2009 كان التحدي كبيرًا بين فريق 14 آذار الذي يريد تكرار فوزه في انتخابات ال2005 وبين “حزب الله” وفريق 8 آذار الذي يريد إسقاط الحالة السيادية لا سيما بعدما جرّت التطورات على أثر هجمة 7 أيار الجميع الى إتفاق الدوحة.

وكما العادة يكون اليوم الأخير قبل الأحد الانتخابي أي السبت، يوم صمت انتخابي بحسب القانون الذي يمنع وسائل الإعلام من إيراد أي مواقف أو أخبار لها طابع انتخابي سياسي أو دعائي، باستثناء ما يتعلق بالإجراءات والتحضيرات الرسمية اللوجستية.

وقد سبق وأن اصطدمتُ في بداية الأسبوع بهيئة الإشراف على الانتخابات بعدما اعتبرت في تقرير لها، أن إذاعة لبنان الحر هي أكثر الإذاعات تسجيلاً للمخالفات، فرفضت هذا التقرير المبني على معطيات مغلوطة أمّنها فريق رصد لا يوحي بالثقة لدى الهيئة، وأوردتُ الإعتراض والإنتقاد في النشرات الإخبارية، ما دفع بوزير الداخلية آنذاك زياد بارود إلى الإتصال بي فدعاني إلى الهدوء مطمئناً وطلب مني التنسيق مع أحد أعضاء الهيئة.

ذاك السبت، السادس من حزيران، والصمت الانتخابي يخيّم على مختلف وسائل الإعلام، مرت ساعات على عظة البطريرك صفير في قداس الصباح ولم يعرف بها أحد، حتى أرسلها لي بالفاكس مندوبنا في بكركي عبده متى قائلا إن لا أحد بثها، فالجميع ملتزم بالصمت الانتخابي. فتلقفتها وقرأتها على عجل وطلبت إذاعتها في ملحق ثم في نشرة الأخبار، وقد رأيت فيها موقفاً تاريخياً لا يمكن التغاضي عنه وعما ورد فيه في تلميح واضح إلى الدور الإيراني من خلال “حزب الله” وفريق 8 آذار:

“ إننا اليوم أمام تهديد للكيان اللبناني ولهويتنا العربية، وهذا خطر يجب التنبّه له، ولهذا فإن الواجب يقضي علينا أن نكون واعين لما يدبّر لنا من مكائد، ونحبط المساعي الحثيثة التي ستغيّر، إذا نجحت، وجه بلدنا».

أعلمت رئيس الحزب الدكتور سمير جعجع بالموقف وبما حصل، وبعد حين قصير، بدأت تنصبّ الإتصالات بعضها يستفسر وبعضها يحذّر ويهدد بحجة خرق الصمت الانتخابي، وكان الجواب: إن كلام البطريرك لا يُمس، ويمثل موقفاً وطنياً، فسيد بكركي ليس مرشحاً ولم يعلن مرة أنه مع فريق، بل يعرف ماذا يقول وبأي لغة.

 

اليوم، والبطريرك صفير يقترب من دخول عامه المئة، أشكر الله مع كثيرين قُدِّر لهم أن يعيشوا في زمن نصرالله صفير كما في زمن يوحنا بولس الثاني صديقه، وسنواصل إلتماس بركته أباً لنا نرى فيه بعضاً من قداسة الأرض. والسلام.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل