#adsense

ذلك اليوم… وتلك الليلة!

حجم الخط

كتب إدمون رزق في “المسيرة” – العدد 1694

 

عاماً بعد عام، تَشوقُنا العودةُ الى أبينا الجليل، مِثالِ الحكمةِ والرَوِيَّة، المرجع الروحيّ، الرمز الوطني للصمودِ في الحق والمواجهةِ بالحقيقة.

كلّما أمدَّ اللهُ في عُمرِه، أُتيحَ كشفُ المزيدِ من وَقَفاتِه ومواقفِه، التي كنا لها شهوداً، نستعيدُ ذكرياتِ أحداثٍ كان قُطبَها الصَلْب ومُلْهِمَها، فتنجلي أمامَنا الأدوار، ونوعيّةُ المسؤولياتِ التي تحمَّلَها رجالٌ وُجدوا في عين العاصفة، اتخذوا مواقفَ مبدئيةً دونما احتسابٍ لربحٍ عابر أو خَشيةِ خسارة، فما لانت لهم قناةٌ ولا انكسرَتْ شوكة، كابدوا وتكبّدوا، حَسْبُهُم راحةُ الضمير وإِنصافُ التاريخ !

بعد الثاني والعشرين من ايلول 1988، وانقضاء المهل الدستورية لانتخاب رئيس جديد للجمهورية، أدّى الاختصام الشخصي والفئوي الى شغور ذريع في الرئاسة، من دون قيام أيّ بادرةٍ جديّة لتدارك انهيار الدولة، امام إِحكام السيطرة السورية على القرار اللبناني، تخلّي الأفرقاء اللبنانيين عن وحدتهم ورَهْنِ قرارِهم للمساومة على الحُظوةِ والمَكْسَب !

انقسمَت الدولة دويلتين، في ظلّ حكومتين منتقصتي الشرعية، احداهما مشلولةٌ تأبى الرحيل والثانية مبتورة تعجز عن الالتئام، في عهدة جيشين ومنظومتين أمنيتين، الى شرذمة ادارية تداخل فيها الشرعي بالأمر الواقع، وكانت اولويّةُ كلٍّ فريق مواجهةَ الآخر، لا تأمين السلامة العامة، أو رعاية مصلحة الشعب !

شكّل إِفراغُ رئاسة الدولة أفدحَ عمليةِ تخريبٍ تعرّض لها الكيان الموحّد، مؤذناً بسقوطٍ بنيويّ شامل، وقد ضرب الشَلَلُ مجلسَ النواب، فعُطّلَت جلساتُه: لم تُوَجَّه اليه دعوةٌ للانعقاد ولا هو أَخذَ مبادرةَ الالتئام حُكماً، بموجب الدستور، في جلسة تستمرُّ حتى انجاز الانتخاب الرئاسي… فيما راحَت الأعمال الحربية، بين أفرقاء الساحة، الخارجين كلُّهم على القوانين، تزرع القتل والدمار، من دون اي رادع… أو بارقة رجاء!

أمام الخطر الداهم، المؤْذِنِ بتفتيتِ لبنان، وتبديد شعبه، المشرذَم أمنياً وسياسياً، طائفياً ومذهبياً، أقدم البطريرك مار نصرالله صفير على محاولةٍ انقاذية، فدعا النواب الى بكركي، حيث انعقدت اربعةُ اجتماعات، كالآتي:

1 –  إجتماع 17 شباط 1989: حضرهُ خمسةٌ وعشرون نائباً. صدر بنتيجته بيان دعا الى وقف اعمال العنف والحملات الاعلامية، بسطِ سيادة الدولة وتوطيدِ حُكْمِ القانون على جميع الاراضي اللبنانية، اعادة بناء هيكلية الدولة ومؤسساتها، انطلاقاً من انتخاب رئيس للجمهورية يجسّد وحدة الوطن والشعب.

هذا البيان تولّيتُ صياغته، بإسم المجتمعين، ثمّ تلاه على الصحافيين واجهزة الاعلام الدكتور ألبير مخيبر، اكبر النواب الحاضرين سناً.

2 –  في اليوم التالي، 18 شباط، عدنا الى الاجتماع لتقويم نتائج الاتصالات، ولم نصدر بياناً.

3 –  في 27 شباط، لَبّى اربعة وعشرون نائباً دعوةَ البطريرك صفير الى الاجتماع الثالث، فاعتبروا أنَّ الأخطار الناجمة عن عدم انتخاب رئيس للجمهورية تهدّد مصير الوطن، دعوا الى تحرير الارض وتوطيد العيش المشترك، وأدانوا كل الأعمال الحربية، من قصف وتفجيرات وتدمير، عبّروا عن الألم والأسى جَرّاء سقوط ضحايا، وشجبوا استهداف المراكز والمقرّات الرسمية، ملحّين في الدعوة الى انتخاب رئيس للجمهورية وتأليف حكومة اتحاد وطني، اجراء الاصلاحات الدستورية، ضماناً لوحدة الدولة… كما تضمّن البيان تأييد المبادرة العربية للانقاذ من خلال «اللجنة السداسية». مع تأكيد الاستمرار في «النضال لاستعادة السيادة، تحرير الجنوب وتطبيق قرارات مجلس الأمن، لانهاء الاحتلال الاسرائيلي، وتنفيذ توصيات مؤتمر «فاس» تأميناً لانسحاب القوات السورية ونشر الجيش اللبناني لفرض سلطة القانون على كل شبر من لبنان».

هذا البيان، الذي كتبتُه ايضاً، تلاه سيادة النائب البطريركي يومذاك، المطران بشاره الراعي، صاحب الغبطة والنيافة اليوم.

(يُلاحظ ان بنود البيانين تتضمّن جوهر ما نصّ اتفاق الطائف، في ما بعد، خصوصاً لجهة وقف العنف وبسط سيادة الدولة والتحرير والانسحاب… والإصلاحات الدستورية)!.

4 – الاجتماع الرابع، في 18 نيسان 1989، كان الاخير، حضره ثلاثة وعشرون نائباً، وصلوا الى بكركي تحت القصف العشوائي المنهمر على المناطق، غداة استشهاد المغفور له النائب والوزير، الشاعر والخطيب، لويس ابو شرف، وسفير اسبانيا في لبنان (دي اريستيغي)، مع والد زوجته، السفير اللبناني، الكاتب والأديب توفيق يوسف عواد… ودامت المناقشات حوالي ست ساعات، تَمَّ خلالها تداول الوضع المأسوي المتفاقم على الأرض، الذي تجاوز كل الخطوط الحمر، بحيث لم يعد ثمة مجال للتوريات… ودعونا الجيشين اللبناني والسوري لفرض الأمن، كلاًّ في نطاقِ وجوده !

هذا البيان، وبسبب كثرة التدقيق فيه، اضطررتُ لمحو كلمات منه وتحميل الأسطر إضافاتٍ، لذلك، عندما سلّمتُ البيان لغبطة البطريرك صفير، ارتأى أن أقرأه بنفسي، لكون   وسائل الاعلام تنتظر منذ ساعات طويلة، ولا وقت لكتابته من جديد… هكذا وقع على عاتقي أن أتحدّثَ مباشرةً على الهواء، في باحة دير بكركي، لأجيبَ على اسئلة الأصدقاء الصحافيين، بعد ان كان بعض الزملاء النواب قد ادلوا بتصريحات أكّدوا فيها أنني سأتلو  باسمهم بياناً وافقوا عليه بالاجماع (صحف 19 نيسان).

هذا ما كان من أمر ذلك اليوم، الثامن عشر من نيسان 1989، منذ ثلاثين عاماً، بالتمام والكمال!

•  •  •

 

… أما «تلك الليلة»، فهذا خبرها:

كنت مع زوجتي وأولادي في بيتنا الموقت (فيطرون)، نتابع نشرة الشبكة اللبنانية للإرسال L.B.C.، فبعد إذاعة خبر اجتماع بكركي والبيان الذي قرأته، وردّي على الأسئلة، بوقت قليل، فوجئنا بقطع البرامج، لإجراء «نقل مباشر»، وكم كانت دهشتنا عندما شاهدنا صورة جدار مهدم في الواجهة الجنوبية لمكتبي، مع خبر صاعق هو: صاروخ على مكتب إدمون رزق في الأشرفية…

وما كدنا نستفيق من المفاجأة، حتى فوجئنا ببث مباشر آخر وصورة لدمار واجهة منزلنا في حرج تابت، مع خبر سريع: صاروخ على منزل إدمون رزق في سن الفيل…

حمدنا الله على ان الخسائر اقتصرت على الحجر والاثاث… وبعض الكتب والمجموعات القانونية !

ثم… حوالي منتصف الليل، خرق سكونَ فيطرون، الوادعةِ والآمنة، دويُّ انفجارات متتالية، تبيّن انها عملية نسف مبرمجة، بعبوات موضوعة تحت سيارات عائدة لي ولأولادي، لم توفّر سيارة لجارنا وصديقنا، (النائب) الشيخ رشَيْد الخازن، رحمه الله، وثانية لجارنا الآخر، الصيدلي نجا توما، شملتهما «العملية التأديبية»، فتقّبلا الأمر برحابة صدر… تلك ضريبة «الجيرة» !!

وثم… في الصباح الباكر، فوجئنا بجمهور من «الشباب الناهض»، يقتحم ساحة المنزل الملأى بانقاض السيارات، مطلقاً هتافات عدائية، ويبدأ الطَرق على الأبواب بعنف… فبادرت الى فتح الباب مرحباً، سائلاً «الضيوف» عمّا يبتغون، فخجل كثيرون منهم واحتاروا بماذا يجيبون، لكن بعض «قادتهم» (ومنهم اسماء «لامعة» حالياً)، طالبوني «باصدار بيان آخر، ضد البيان الذي قرأته امس في بكركي»… وكانوا يحملون مسدسات «رسمية» ظاهرة، مع «أوامر مهمة» من أجهزة معروفة وتعليمات جازمة بالتهويل والتخويف !..

يومذاك، اتصل بي النائب والوزير المرحوم الشيخ الياس الخازن، مُهَوِّناً عليّ، وأخبرني أنه تلقّى «زيارة» مماثلة، وان «الضيوف» أمطروه بالشتائم، لأنه كان… في اجتماع بكركي… لكنهم لم ينسفوا سيارته، بل كسروا زجاجها فقط !!

إتصلت بالبطريركية، للاطمئنان والتطمين، فأخبرني الأب ميشال العويط، رحمه الله، ان «وفوداً كريمة» أمّت الصرح، محتجّة على السيد البطريرك لجمعه «النواب المارقين على الشرعية»، الذين تجاسروا وطالبوا بوقف أعمال العنف وحمّلوا الجيشين اللبناني والسوري مسؤولية ضبط الأمور على الأرض، كلاً في نطاق سيطرته !!..

 

•  •  •

هذا ما كان من أمر «ذلك اليوم وتلك الليلة»، وقد تلتهما أيامٌ وليالٍ سجّلت «بطولات تاريخية»، في تعطيل المؤسسات وضرب الشرعية، تفريغ الرئاسات، تقاسم المغانم وتوزيع الحصص وصفقات المرابحة والابتزاز، مع ما رافقها من تذابح… ولن أنسى ما تعرّض له «بطريرك الحرية» من اعتداء وتطاول، لم يسجّل مثله التاريخ حتى في اكثر العهود ظلامية، واضطراره للانتقال الى الديمان، في حمى الشمال المضمّخ بعبير قنّوبين !.. سامحنا الله جميعاً على كل ما خَطِئنا وأخطأنا، وألْهَمَنا أن نتّعظ فلا نكرّر.

 

•  •  •

… في عيد ميلادِه التاسع والتسعين، يظلّ مار نصرالله صفير، رجل الصمت المعبّر والكلام المزلزل، رجل التاريخ الحديث، الوديع والمتواضع القلب، المترفّع عن الدنيويات والمنيع على الترغيب والترهيب، الراهب الزاهد، رهين الدير، وتبقى بكركي صمّام أمان لبنان الواحد الموحّد، «لبنان الكبير»، بحدوده التاريخية ومضمونه الحضاري، الثقافي الانساني، حيث الحرية والسيادة والاستقلال حقائق راهنة، حياة نابضة، لا مجرد شعارات جوفاء ومزايدات رعناء، في مواسم التكسّب ومضاربات السلطة.

إن لبنان قيمة قائمة بذاتها، ثابتة على مرِّ التاريخ، من يوحنا مارون المؤسِّس الى الياس الحويك، بطريرك الكيان، الى عريضه، بطريرك الاستقلال، المعوشي، بطريرك الدولة، خريش «الآدمي»… الى صفير، بطريرك الحريّة، حتى الراعي، السابع والسبعين… لبنان، قلعة الايمان بإلهٍ واحد ضابطِ الكلّ، رحمنٍ رحيم، يتعدّد طوائفَ وأدياناً، ويتوحّد وِجداناً !

… فإلى المئويتين التوأمين، في 2020: لأبينا الجليل مار نصرالله صفير ولدولة لبنان الكبير!

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل