
لم تنته المناقشات الوزارية بعد من دراسة بنود مشروع موازنة العام 2019. قد يستغرق الأمر أياماً بعد حتى تتبلور الصورة نهائياً، في موازنة قيل عنها الكثير وأجمع على بنودها “التقشفية” كل الأفرقاء، وترافقت مناقشتها مع احتجاجات وإضرابات، ربما، لأن بنودها لم تتوضح أمام الرأي العام، فبات كل قطاع يشعر بأن “الإصلاح” المالي قد يطاوله دون سواه، فتحرك معترضاً.
بعد صولات وجولات من السجالات لم تنته فصولها، يقف مجلس الوزراء مربكاً أمام مشهد الاعتراضات والتحركات في الشارع.
موظفو مصرف لبنان ماضون في اضرابهم المفتوح، كذلك الأمر بالنسبة الى الإضراب الذي يطاول مرفأ بيروت والضمان الاجتماعي، وسط اتصالات مكثفة تتم على أعلى المستويات لاحتواء هذه الأجواء التي بدأت منذ الأول من ايار. دقة الوضع المطلبي لا سيما اضراب “المركزي”، استدعت صدور مذكرة إدارية اليوم الإثنين من رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري حملت الرقم 2019/14 ذكّر فيها بنص المادة 15 من قانون الموظفين التي تحظر على الموظف ان يقوم بأي عمل تمنعه القوانين والأنظمة النافذة والتي تحظر أيضا في فقرتها الثالثة على الموظف أن يُضرب عن العمل أو يحرض غيره على الإضراب. وطلب من الادارات الرسمية والهيئات الرقابية كافة تنفيذ المبادئ والنصوص المشار اليها اعلاه وترتيب النتائج القانونية على انواعها بحق المخالفين.
أهم ما لحظته الموازنة حتى الساعة، تمثل بإلغاء الاعفاءات على تسجيل وجمارك السيارات للنواب والوزراء، والموافقة على فرض رسوم على الارقام المميزة، وتلك المؤلفة من ثلاثة وأربعة وخمسة أرقام، ووضِعت شرائح جديدة للضريبة على المبالغ التي تفوق الـ225 مليون ليرة. وهذه الضريبة لا تطاول ذوي الدخل المتوسط والمتدني بل الفئات التي تتجاوز ارباحها الـ225 مليون ليرة. وألغيت إعفاءات جمركية كانت ممنوحة للبعض باستثناء ذوي الاحتياجات الخاصة والآلات المستعملة في الزراعة والصناعة.
ما خرج الى العلن من مناقشات الموازنة انّها ستتضمن تخفيض العجز من 11,5% الى 9% من الناتج المحلي، وأنها ستكون خالية من الاجراءات الضريبية المؤلمة، لكن البارز أنها ما زالت رقمية، حسابية، هدفها خفض العجز، تغيب عنها الاصلاحات الجدية، وتفتقد الى رؤية اقتصادية واجتماعية يمكن أن يبنى عليها لاقتصاد محفز في السنوات المقبلة.
وفي حين يشدد اقتصاديون بارزون على أن الموازنة التي تناقشها الحكومة لا تزال “فارغة” تقريباً حتى الآن، يسلك هذا المشروع طريقه نحو التنفيذ من دون إنجاز قطع الحساب عن العام 2018، وهذا يعني أنّ السياسة المالية التي كانت سائدة في السابق، مستمرة.
رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع عبّر عشية الجلسة الحكومية المخصّصة للموازنة، عن أسفه “كون المشروع مخيب للآمال”، وإذ اعتبر أنّه لا يرتقي إلى مستوى المعالجة الواجبة في مواجهة ازمة اقتصادية مالية خطيرة كتلك التي تعصف بالبلاد، استغرب كيف أنّ الأبواب الأساسية الكثيرة التي من شأنها أن تدرّ الأموال لخزينة الدولة وتضع الأمور على سكة المعالجة الجدية، أغفلها مشروع الموازنة ولم يأتِ حتى على ذكرها.
فإذا كانت الدولة عاجزة عن إعادة ترتيب الأولويات المالية، وإذا تعثرت في امكان تخفيض معاشات خيالية لموظفين فيها، وإذا كان اتخاذ القرارات الصعبة بالإصلاح وتعقب الفساد ما دونه عقبات، وإذا كانت الموازنة المطروحة غير قادرة على كسب ثقة المجتمع الدولي، وإذا كانت الدولة تقوم بإجراء عملية حسابية تؤمّن لها مدخولاً يوازي مصروفها، فكيف سيحيا لبنان وأي مستقبل اقتصادي ومعيشي ينتظر ابناءه؟
افرام: لمعالجة الأرقام الضخمة التي تتسبب بالعجز
معظم الأفرقاء أجمعوا على أن الأرقام التي يتم التداول بها لا تزال “صغيرة”، ولم يتم التطرق ونقاش الأفكار الجوهرية، من هذا المنطلق يعتبر عضو تكتل لبنان القوي النائب نعمة افرام أن مشروع الموازنة لم يلحظ الخطة B، “صحيح أن المشروع بدأ بشكل إيجابي، لأن ما يحكى عنه اليوم ليس الموازنة النهائية، إنما المسودة، وهي جيدة، لكن يجب أن تلحظ تعديلات جوهرية تتعلق بتوفير مبالغ كبيرة”.
يتوقف افرام في حديث لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، عند أحد بنود مشروع موازنة العام 2019 المتعلق بجباية قدرها 12 مليار دولار، يوضح ان هذه الجباية مبنية بالدرجة الاولى على الاقتصاد، وقد تمت مقارنتها مع السنة الماضية، لكن اقتصاد البلد تراجع هذا العام بين 10 و15 بالمئة فكيف لنا بهذه الحالة أن نجبي 12 ملياراً؟
يتطرق الى النزيف المالي الضخم الناجم عن حجم الاستيراد الذي وصل اليه لبنان، فلبنان استورد عام 2018 بعشرين مليار دولار فيما لم يتجاوز حجم الصادرات الـ3 مليارات، وهذا أمر لم يحصل في تاريخ لبنان. يتابع، “نحن نعيش بالدين، وبهذا الوضع نستدين من أولادنا، نعمل جميعاً لنرسل عشرين مليار دولار الى خارج لبنان، هذا ملف اساسي يجب معالجته”.
يشدد النائب افرام على ان الموازنة لا بد أن تتطرق الى ضرورة معالجة ملف الاستيراد والمال “الكاش” الذي يخرج من لبنان، والتأكد من امكانية وآلية جباية 12 مليار دولار، وتخفيض أرقام خدمة الدين العام، مؤكداً وجوب الذهاب الى معالجة الأرقام المالية الضخمة التي تتسبب بالعجز.
يعرج أيضاً على ملف الكهرباء، “صحيح أن خطة الكهرباء سلكت طريقها نحو التنفيذ الا انها لن تؤثر على موازنة العام 2019 إيجاباً، وهنا أيضاً تكمن المشكلة، الدولة تدعم هذا القطاع بمليار ونصف المليار دولار، فهل ستلحظ موازنة الـ2019 هذه الأرقام حتى تكون الخطة سلكت طريق التنفيذ”؟
لا يستغرب افرام المواقف الشعبوية التي ترافق المناقشات، “هذا أمر طبيعي، فنحن لم نناقش موازنة محترمة منذ زمن طويل ويجب أن تكون الأمور واضحة أكثر امام الراي العام، لكن لا بأس إن فُعّل مبدأ الـLobbying وأعرب الجميع عن وجهة نظره”.
مشروع الموازنة كما تتم مناقشته اليوم، لا يحقق نتيجة إلا 10 بالمئة فقط، فعسى الا يكون كل هذا الانتظار والإصرار على موازنة “تقشفية” زوبعة في فنجان، على حد تعبير مراقبين.
