نديم عبد النور ضحكتلك عيتنيت يا بطل

كيف نكتب ما حصل؟ كيف نصف تلك المشهدية الفائقة الحضور القواتي النبيل؟ لا اعرف، سأحاول، ولكن كل ما اعرفه، أني وبكل نبضة قلب اشكر ربي على تلك القيمة المضافة في حياتي، في حياتنا جميعا، اننا قوات لبنانية.

هل احتفالية نديم عبد النور وحدها اثارت كل تلك المشاعر الجياشة؟ لا، ليس الاحتفالية بحد ذاتها، انما ذاك الفيض من الوفاء الذي لا يتوقف عند زمن او ظروف يفرضها امر واقع من هنا او هناك، زمن القوات ليس فقط في النضال المستمر لأجل الغد، زمن القوات يقف عند محطات الامس ليخلع عن رأسه القبعة ويقف منتصب القامة منحنيا بالكرامة، اجلالا لمن غرز عمره ترابا في ارض الوطن وعلّق على صدر القوات وسام الاستحقاق من رتبة وطن، وهذا ما حصل في احتفالية نقل رفات الشهيد نديم عبد النور الى قريته البقاعية عيتنيت.

لما طلبت القيادة في معراب من منسقية البقاع الغربي منذ فترة، بناء مدفن في عيتنيت للشهيد نديم عبد النور تمهيدا لنقل رفاته، ظننت لوهلة ان الامر لن يتعدى حضور الاهل وبعض قليل من الرفاق والمسؤولين في القوات اللبنانية. بدأت الامور سطورا على ورق، انطلاقا من مواكبة بناء المدفن وصولا الى التفاصيل كافة، ولم اكن لأتوقع لحظة حجم تلك التفاصيل الا الى حين عايشتها لحظة بلحظة.

نديم عبد النور ذاك النقيب المقاتل الشرس في الحق وفي الدفاع عن أرضه زمن الاحتلال السوري، تربّص به ما غيره النظام الامني السوري “اللبناني” بين مزدوجين، اذ ما كان هؤلاء بلبنانيين، بل عملاء برتبة امتياز للسوريين. لاحقوا الاحرار في الطرقات، وتحت ستار السلم الاهلي زرعوا الاجساد من حقدهم وغضبهم على كل من يحمل صفة مناضل شريف لاجل لبنان. فكان الاغتيال المدوي للضابط الشجاع ابن عيتنيت، في الاشرفية وفي عز النهار يوم 3 نوار (أيار) 1992 على عيون ولديه وزوجته، وتعرفون تفاصيل الحكاية.

يومذاك منع الاحتلال وصول الشهيد الى ضيعته، ومُنع شباب الضيعة حتى من قرع الاجراس حزنا على الشهيد، ودُفن عبد النور في مدافن رأس النبع ونام في الموقت بعيدا عن قرية قلبه، وظن الجميع ان هنا مرقده الابدي. عبرت السنوات، الحكيم في الاسر، الشباب في الاضطهاد، خرج الحكيم عادت القوات وانتظمت حياتنا الحزبية وحان وقت الوفاء للشهيد. لم ينس الحكيم ذاك الراقد في الموقت، لم ينس يوما أولاده، امه، زوجته، ولم ينسَ لحظة وفاء القوات لمن اعطاها عمره وشبابه، وقرر وجوب عودة نديم عبد النور الى تراب عيتنيت ولتلفحه كل صباح شمس السهل وهي تشرق على الاحرار.

وكان صباح السبت 4 نوار (أيار) 2019، سبعة وعشرون عاما مضت، وبقي نديم عبد النور في ضمير القوات حكاية انتظار، الى حين ان تقرع اجراس الوفاء للشهيد وقرعت، من بيروت وصولا الى عيتنيت، والشهيد يرقص فوق اكتاف الرفاق، مرفوعا على راحات القلوب، القلوب يا عالم وليس اقل. تنقّل النعش الابيض من ضيعة الى اخرى، من بلدة الى بلدة، من قلب الى قلب الى قلب رقص في كل الساحات تحت وابل الحب والزغاريد وقرع الاجراس والمفرقعات، وكأنه ريشة نعام تطير فوق هامات الرؤوس العابقة بالوفاء، بالحنين، بلهفة العودة بالشهيد الى حيث يحب ويجب ان يكون.

من رأس النبع الى عيتنيت قوافل الحب عبرت، حملته ايادي رفاق من دورته ورفاق جدد، عيونهم دمع رقراق وقلوبهم فائض الكرامة والفرح، الفرح ان “القوات اللبنانية” لا تنسى ناسها، لا تتناسى من ضحى لأجل الارض، لا يموت لها شهيد مرتين، مرة بالاغتيال واخرى بالنسيان، والله شهداؤنا لا يموتون، والله، وهذا نديم عبد النور شاهد على ما حصل.

“فيرا كتبي قد ما بتقدري عن يللي صار، كتبي عن رفاق نديم للي كانوا معو وحاملينو والشيب صار متوّج رؤوسن بس بعدن متل ما هني ما تغيروا قوات اكتر من القوات. كتبي يا فيرا وما تقصري هودي بيستاهلوا نحكي عنن، هودي القوات، هودي الزاحفين بكرامة ورا نعش نديم، عيشي هاللحظة الرائعة وخبرينا كل شي”، طلبت صديقة زميلة رفيقة حين رأت صفحات التواصل الاجتماعي تتراقص بنعش نديم عبد النور.

كان المشهد فائق الانسانية، لم أعش بحياتي مشهدا مماثلا، اعرف ان القوات اوفياء، لكن ما كنت لأتوقع حجم الوفاء هذا. اعرف ان شهداءنا مقدسون، وانهم ارثنا الانساني الكبير، لكن لم اتوقع ان تصبح حكاية حزينة عن شهيد، واقعا مبللا بدمع الفرح تحت النعش الابيض، اي تناقض في المشاعر هذا؟! هذا ما حصل مع نقل رفاة نديم عبد النور، كانت جحافل الرفاق تشيّعه بكل ما فيها من حب، كان عرس الشهيد في قلب الوفاء له.

“انتو ولادي، كلكن ولادي، كل واحد منكم نديم وان أمكن كلكن “مكللة بشيبها وكرامتها”، قالت ام البطل، ام نديم عبد النور عند باب المدفن، مشحت النعش في آخر لمساتها وكأنها تمسح عرق جبينه وهو عائد من الجبهة، لم تبكِ، لم تبكِ ام الشهيد، ابتسمت بسمة رجاء ونظرت الى الجميع بصفاء لا متناهي كمن يعلن “خي هلأ ارتحت اذا متت بعرف انو ابني صار حدي”، ولوحت بيديها وبسمتها مودعة الحضور .

سبعة وعشرون عاما في الغياب وعاد البطل الى بيته الابدي الاصيل في عيتنيت، “وكل يوم رح صبّح ومسّي عليك بيي وقلك، انا ابن الشهيد وشايف حالي فيك، ومن ضحكة الغيم شوف بسمتك تطلّع عليي وتحرسني بالصلا”، قال ابن الشهيد طوني نديم عبد النور. عاد نديم الى ارض عيتنيت والقوات؟ ليس أشرف على الاطلاق من ان تكون قوات لبنانية لأجل لبنان، ان تكون شهيدا في القوات ويحملك الوفاء على الراحات. تحية يا قوات يا من جعلتِ من الوفاء ايقونة المؤمنين بالمسيح وبكِ وبكل ذاك النضال المشرّف عبر السنين. أأعجبك المشهد نديم؟

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل