

كتب رئيس الفريق العربي للحوار الاسلامي المسيحي القاضي عباس الحلبي في “المسيرة” – العدد 1694
البطريرك صفير… شيخ عقل اللبنانيين
سنديانة عتيقة شامخة ولغز محيّر في بساطته
يشارف عمر البطريرك مار نصرالله بطرس صفير على القرن وهو شامخ في حياته ومتجذّرٌ في أرض وطنه ومترسَّخٌ في إيمانِه الروحاني. وليس أعزّ على من عرف هذا الحبر الجليل إلاّ الكتابة عنه وقد كنت أنا من المحظيين إن بمعرفته الشخصية والتعاون معه على مدى زمن أو بالإطلاع على المؤلفات التي كتبت عنه وفيها سجل حافل بالمحطات والمكرمات أَلْقَيتُ الضوء عليها في منابر ومناسبات عديدة.
لقد مَضَت السنون الثمانية التي إحتجب فيها هذا الحبر الجليل طوعاً عن واجهة المسرح الديني والوطني بإرادته الحرة ولكن ذكره لم يخفت بل ظلَّ باقياً وأثره مستمراً وطيفه شاملاً كل مواقف بكركي اللاحقة لهذا الإحتجاب الطوعي وإن كانت بكركي اليوم لا تزال أمينة أمانة الخلف غبطة البطريرك مار بشارة بطرس الراعي على ضمان إستمرارية الدور الوطني كمرجعية دينية قائدة للوجود المسيحي في هذا الشرق تذكر السلف وتكرمه وتعطيه الصدارة عند حضوره تقديراً للرجل الذي أسهم في حفظ الموقع في ظروف صعبة خارجية وداخلية.
أما أنا فقد عرفت غبطة البطريرك صفير أثناء انعقاد السينودس من أجل لبنان الذي دعا إليه قداسة البابا الراحل يوحنا بولس الثاني في الفاتيكان وكان لي الشرف بأن أمثل الطائفة الدرزية التي وجهت إليها الدعوة أسوة بسائر الطوائف اللبنانية. وقد رافقناه مع إخوان لنا كممثلين للمسلمين في هذا السينودس. ولاحظنا مقدار الاحترام الكبير والمحبة الخاصة التي يكنهما له الأب الأقدس في طريقة تقديمه على أقرانه وتتويجه له كزعيم المسيحيين في لبنان وقائداً وطنياً. وكانت عظاته التي يطل بها على اللبنانيين بموقف كل يوم أحد تشكل إزعاجاً أسبوعياً لأهل السلطة في الداخل وخارج الحدود. وأذكر أنني قلت له مرة في الفاتيكان وكان يوم أحد ان الحكّام في لبنان مسرورون لوجودك في الخارج بما يحول دون إلقاء العظة الأسبوعية وهكذا توفِّرعليهم ولو لأسبوع «سمة بدن». ضحك ضحكته البسيطة الهادئة والتي يغطي بها أحياناً كثيرة صعوبة المواقفوما فيها من مغازي وما توحيه من معاني.
لقد كانت مواقف البطريرك ضابطة لإيقاع العمل السياسي اللبناني باتجاه رؤية وطنية جامعة. وسرعان ما تحول دوره من فئوية مفترضة كونه بطريرك الموارنة إلى إجماع وطني فريد فلم يعد المحاور بل أصبح المرجعية للجميع، «فأنا أب لجميع اللبنانيين وباب بكركي يجب أن يبقى مفتوحاً للجميع».
فمن منطلق المرجعية الوطنية قام بمصالحة الجبل سنة 2001، ومن موقع المرجعية دعم اتفاق الطائف سنة 1989 باعتباره وثيقة الوفاق الوطني «وسنحارب كل مشروع يشكل خطراً على مصير لبنان وعلى العيش المشترك بين أبنائه»، ومن موقع المرجعية شارك في تأسيس اللجنة الوطنية الإسلامية المسيحية للحوار سنة 1993، ومن موقع المرجعية أصبحت بكركي مرجع جميع اللبنانيين ليس للسياسيين فقط بل لأصحاب المطالب أيضاً. ومن موقعه المرجعي أخيراً دعم التفاف اللبنانيين في 14 آذار 2005 الذي شكل محطة أساسية في تحرير القرار الوطني وبدء تحقيق السيادة والاستقلال والقرار الحر.
ويكاد لا يخلو موقف من مواقف سيد بكركي دون مطالبته بالسيادة والحرية والاستقلال والقرار الحر والعيش المشترك. هذا الخطاب الثابت والمؤمن شكل القاعدة الصلبة التي ما انفك يطالب بها ويعمل لتحقيقها داخلياً وفي المحافل الدولية. وقد استجاب المسلمون لدعوته وهو السباق إليها مما أتاح هذا التلاقي بين المسلمين والمسيحيين إلى تحرير القرار الوطني وبدء تحقيق السيادة والاستقلال.
وماذا عساي، أنا الدرزي، أن أتحدث عن بطريرك الموارنة وقد صنع أجداده وأجدادنا هذا المعنى الخاص للبنان على مر العصور والتاريخ، وإن لم يخلُ حبهما للبنان كل على طريقته وتعلقهما به من مناكفات ونزاعات وأحياناً مواجهات كادت أن تقضي على هذا الوطن في فترات من تاريخه.
وبهذه المناسبة أوجّه تحية إلى مجلة «المسيرة» على تخصيصها عدداً ممتازاً عن هذه القامة الوطنية لتكريم رجل الكرامة والعنفوان، رجل المحبة والإيمان، رجل الصلاة والموقف نيافة الكاردينال البطريرك مار نصر الله بطرس صفير. فلا يكرّم الكريم إلا الكريم.
إن دعوتكم هذه وليست الأولى تلقي علينا مسؤولية كبيرة لأننا أمام رجل متميز متعدد الصفات والإمكانيات يحار المرء من أين يقاربه في الحديث عنه. ألأنه أسقف ماروني توّج حياته الأسقفية بتبوئه مركز البطريرك ورتبته الكاردينالة في الكنيسة الجامعة أم لأنه مرجعية وطنية لعبت دوراً هاماً في مرحلة سياسية ولا أصعب وفي ظل ظروف إقليمية ولا أدقّ أم حتى في إحتجابه الطوعي والذي شكَّلَ سابقة في تاريخ الكنيسة؟
لقد حفلت حياته بالكثير من العقبات والصعاب والعديد من الآمال والرجاء. كتبت عنه مرات عديدة وفي مناسبات متنوعة: إصدار كتب أو احتفال مرور عشرين سنة على انتخابه بطريركاً والآن تأتيني فرصة الحديث عنه بعد أن استعفى نفسه من مهامه وانصرف إلى الصلاة والتأمل. لقد قيل الكثير عن هذه الخطوة الشجاعة التي اتخذها وحاول المشوشون عليه تفسيرها بشتى التفسيرات لأنهم لا يدركون كبر نفسه ولا يعرفون نبل تفكيره ولا تقديمه لمصلحة الجماعة على مصلحته الشخصية. لقد زاد كبراً في استقالته وفي اختياره الانكفاء عن ممارسة المهام البطريركية اليومية وعن حمل صليب المنازعات السياسية داخل البيت الداخلي وحرر نفسه من أعباء تنوء الجبال تحتها لأن كرسي بكركي التي أعطيت مجد لبنان ليس مطلوباً منها إدارة شؤون الكنيسة فحسب، بل هي أيضاً وخصوصاً حفظ الكيان اللبناني ووحدة شعبه واستقلاله الوطني الناجز وهذه جميعها كانت في دائرة الخطر ولا تزال. هذا دون أن ينأى بنفسه عن قضايا الوطن والكنيسة بل ظَلّ صوت الضمير والساهِر الدائم.
محطات كثيرة يجدر بنا التوقف عندها لدى الحديث عن مآثره وأنا من موقعي الدرزي أرى أنه من باب الوفاء له أن أعبّر عما يكنّه إليه الموحّدون الدروز قيادات وأفرداً لما قام به في طي صفحة الماضي الأليم وإنهاء حقبة مؤلمة من تاريخ لبنان ومن تاريخ العلاقة الدرزية – المسيحية في الجبل ابتدأت من منتصف القرن التاسع عشر وانتظرت وجود قيادتين تاريخيتين تحملتا المسؤولية في أدق الظروف لطي هذه الصفحة وفتح صفحة جديدة قائمة على الثقة المتبادلة بالرغم من عدم توافر الظروف المحيطة الملائمة لمثل هذه الخطوة إن بمواكبتها ببرامج إنمائية، أو بالانقسامات التي كانت سائدة في البلاد ولا تزال. فالمصالحة في الجبل احتاجت إلى شجاعة وإقدام وهي التي أرست اللبنة الأولى لتحقيق الوحدة الوطنية اللبنانية وهي التي أسست لما شهدناه في آذار العام 2005 وكان له اليد الطولى في جمع اللبنانيين وفي تحقيق إنجاز انسحاب القوات السورية من لبنان.
كثيرة هي مواقفه التي طبعت الحياة الوطنية وكان دوماً صامداً كجبل لبنان لا يتزعزع على الرغم من التهديدات والأخطار وكان دوماً حاضراً متسلحاً بسلاح الموقف كأسلافه الأبرار كما كان اللغز المحيِّر في بساطته وفي تعليقاته ذات الطابع القروي الذي لم يبارحه كالمسارب المتعرجة لبلوغ وادي قنوبين المقدس.
في القمم الروحية التي جمعته بزملائه رؤساء الطوائف وضمن إطار اللجنة الوطنية الإسلامية المسيحية للحوار التي شارك في تأسيسها، كنت شاهداً في الكثير من المناسبات على حرصه الدائم على فكرة لبنان ومعناه مأخوذاً بمسألة العيش المشترك مسكوناً بهاجس الوحدة الوطنية مشغولاً بتقريب الآراء وجمع الجهود كي يبقى لبنان للموارنة فيه مركزهم من دون إنكار حق الآخرين.
إنني من المعجبين بغبطة البطريرك صفير، بحركته التي لم تتوقف، بحضوره في المناطق، في زياراته الرعوية، في صالونه المفتوح الذي يذكر بدواوين الخلفاء، باستعداده لسماع كل صاحب حاجة، ورغبته في تلبية الطلبات، بقيامه بالمراجعات الضرورية لإعطاء حق، أو لوقف ظلامة، أو لسد حاجة. معجب به في حضوره اللطيف عندما يتحدث على كامل سجيته العفوية وأسلوبه الساخر المهذب، وتعليقاته الظريفة، وابتسامته ذات المغزى، وضحكته ذات المعنى. بصموده وحسن استقباله لمنتقديه، بصدره الرحب وسعة قلبه الواسع وعقله الراجح، فصالون البطريركية مفتوح للجميع، الأصدقاء والأعداء، الخصوم والضيوف، لبنانيين عرب وأجانب. في الصباح راهبات ورهبان، وبعدها مشايخ وعلماء، وبعدها مدنيون وعلمانيون، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، من كل حدب وصوب، والإعلام دوماً متلهّف لتسجيل الأحداث وتلقّي التصريحات. الكل يدخل، والكل يتحدث وينقل عن غبطته، ويشيد ويصرح بما أسمعه إلى سيد الصرح، وسيد الصرح لا يصرح كأبي الهول. ولكنه يسجل عند الضرورة الموقف أكان في عظة الأحد أو في بيان المطارنة أو بالتصريحات المتلفزة القليلة ليصحح المسار، ويعيد البوصلة بعقل وإدراك وشجاعة، استعادة للموقف أو إعلاناً للثوابت التي تصب جميعها على الوطن الذي أعطي مجده. جاهداً ليجد حلولاً جذرية لمشاكل الوجود المسيحي في هذا الشرق وليحفظ الحضور المسيحي القائم على الدور التاريخي لهم في بعث النهضة العربية وفي استمرار التنوع في النسيج الوطني ليس في لبنان فحسب بل في المشرق العربي حيث لعب المسيحيون الدور الأبرز في تكوين الحضارة العربية القائمة على المواطنة حتى يشعر كل فرد أنه يعيش انتماءه الثقافي وإيمانه الديني بعيداً عن التعصب والتطرف تحت سقف القانون. فلا تكفير ولا إقصاء بل حرية إعتقاد وإقرار بالاختلاف. هذا الدور الذي يكاد يضيع بالانقسامات الداخلية. ولا أزيد.
قيل إن من قواعد الإصلاح في لبنان إبعاد رجال الدين عن السياسة والعكس صحيح. ولكننا نرى أن خوض البطريرك غمار السياسة كان غالباً سداً لفراغ أو واجباً تاريخياً فرضته عباءة البطريركية وكرسي بكركي. إنني أزعم أن غبطته لم يشذ عن المسار التاريخي لأسلافه في التعبير عن المواقف الوطنية التي تدافع عن لبنان في هذا الشرق الذي ما انفك يغلي بالتناقضات والأحداث الدامية منذ قرون. لكن هذا البطريرك تحديداً كان مدعواً إلى دور أكبر من دور أسلافه في تمثيل الزعامة السياسية للمسيحيين بالإضافة إلى الزعامة الروحية.
البطريرك صفير هو من قامة الرجالات الكبار الذين أنعم الله بهم على لبنان في وقت عز فيه رجال الدولة. لا أحابي إن قلت ذلك من موقعي فالمصالحة التي أجراها في الجبل مع الدروز أنهت حقبة سوداء في تاريخ العلاقة الدرزية المارونية وفتحت آفاق المصالحة الوطنية التي تجمع الجميع، جميع اللبنانيين إلى أية طائفة ومنطقة انتموا. هي كانت الدعامة واللبنة الأولى في هذا البنيان الواعد.
لكننا نخشى على وحدتنا في هذه الأيام، لأن القامات المفروض فيها أن تكرس هذه الوحدة متلهية بمصالحها الآنية وبعضها يعمل على تخريبها ومحاولة إستفزاز مشاعر الناس الطيبين ليستدرج ردود فعل تُعيدنا إلى أيام لا نرغب في العودة إليها. من هنا كانت خشيتنا من إحتجابه الطوعي أن يتفلت إيقاع العمل الوطني لأن الحاجة ماسة كانت إلى دوره الجامع وإلى فكره النيّر ولبنان يحتاجه إلى بذل المزيد. وهو كما عودنا لم يتأخر في المراحل التي كان بعد في مركز المسؤولية واليوم نحترم تقدمه في السن بما لا يمكن مطالبته بالكثير.
لقد كان غبطته المحور بين رؤساء الطوائف، والمعيار للتشبيه، وذو العقل المنفتح والتدبير والتيسير. لهذا أسميته يوماً ومنذ عدة سنوات وبمناسبة الذكرى العشرين لتبوئه كرسي بكركي وفي بكركي بالذات ووجهاً لوجه بهذا اللقب العزيز على قلب الموحدين الدروز بأن البطريرك مار نصرالله بطرس صفير هو شيخ عقل اللبنانيين فالى سنين عديدة يا سيد.
وأختم بهذا القول عن الكتاب وهو يقول «الناطق بالحق يبدي العدل والشاهد بالزور يبدي المكر… وشفة الحق إلى الأبد ولسان الزور إنما لمحة».
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]