.jpg)
أحيّت نقابة محرّري الصحافة اللبنانيّة، اليوم العالمي للصحافة، بندوة بعنوان: ” حريّة الصحافة بين القوانين والممارسة”، أُقيمت في قاعة المؤتمرات في بلديّة الحازميّة، وشارك فيها، الوزير السابق الأستاذ زياد بارود ومدير البرنامج في الإتحاد الدولي للصحافيين الأستاذ منير زعرور والدكتور لويس حنينة وعضو مجلس النقابة الأستاذ واصف عواضة، وأدارها الخبير الإعلامي الأستاذ كميل منسّى. وقد رفعت في القاعة صورًا لشهداء الصحافة في لبنان.
منسّى
كلمة الإفتتاح والتعريف كانت للإعلامي كميل منسّى وجاء فيها:
اليوم هو “اليوم العالمي لحرية الصحافة” الذي أعلنته الأونسكو عام 1991 وخصصته الأمم المتحدة مذ زاك التاريخ للأحتفاء بالمبادئ الأساسية للإعلام وتقويم وضع الصحافة وتعريف الناس بانتهاكات حرية التعبير وتوجيه تحية الى الصحافيين الذين استشهدوا أو واجهوا الموت أو السجن في سبيل قيامهم بعملهم فكانوا شهداء الكلمة الحرّة.
لهذا إخترنا لندوة اليوم موضوع “حرية الصحافة بين القوانين والممارسة” يشارك فيها رجال قانون ورجال إعلام وممثلو منظمات دولية تعنى بالحريات ولاسيما منها الإعلامية.
في المبدأ وُجِدت القوانين لحماية الدولة والأفراد، وتالياً لا الدولة تقمع حرية التعبير ولا الأفراد يخدمون أغراضهم الشخصية بإسم الحرية. ولا يسمح بالحدّ من حرية التعبير إلّا لحماية الأمن القومي (شرط تحديد مفهوم الأمن القومي بحيث لا يكون مطاطاً اكثر مما ينبغي). هذا ما يجري في الدول العريقة بالديموقراطية وبإحترام حرية التعبير.
ممارسة حرية الصحافة تتطلب تشريعات وقوانين تحمي هذه الحرية ومجتمعاً يدافع عنها.
ما هو الوضع في المنطقة وفي لبنان؟
يشير تقرير “مراسلون بلا حدود” الى تراجع في حرية الصحافة في الدول العربية. أحسنها حالاً تونس في المرتبة الـ72 ولبنان الـ101. أما السودان ففي المرتبة الـ175 من أصل 180.
والقوانين في معظم دول منطقتنا حبر على ورق لأن الواقع على الأرض شأناً آخر.
لذلك ثلاثة أسباب رئيسية:
1- النظام السياسي في عدد من الدول حيث الإعتقالات والعقوبات التعسفية تتم دونما محاكمة لأن النقد ممنوع وتوفير المعلومات غير مرغوب فيه.
2- ارتهان عدد من الصحافيين للأنظمة القائمة في بلادهم
3- خطورة العمل الصحافي في عدد من الدول التي تعاني أوضاعاً أمنية غير مستقرة.
في لبنان ليست الدولة وحدها المسؤولة عن الخطوط الحمر المفروضة على الحريات الإعلامية، فهناك القوى العاملة على الأرض، و صاحب الوسيلة ألإعلامية غالباً ما ينتمي الى تيار سياسي أو الى حزب أو الى طائفة ويتباهى بتسخيرها لخدمة من ينتمي اليه على حساب حرية الكلمة واحترام القارئ والمستمع أو المشاهد.
كي تستقيم الأمور، لابد من ان نُعيد الى الحريات المكانة التي لها قانوناً وعلى الأرض.
من ذلك إعادة النظر في بعض مواد القوانين المتعلقة بالإعلام وخصوصاً في طريقة تطبيقها. وأن يكفّ الحكام عن اعتبار الإعلام امتداداً لسلطتهم. وأن يكفّ بعض العاملين في الإعلام عن إعتبار السلطة مصدراً لرزقهم وسبيلاً لتحسين وضعهم الإجتماعي.
ومن ذلك أيضاً ان يكفّ الإعلامي بوجه عام عن إعتبار نفسه مسؤولاً أمام رجال السلطة الذين يتناولهم في كتاباته، وأن يكون مسؤولاً أمام القراء الذين يتوجه إليهم.
إن أقصى طموحنا جميعاً أن تتبلور حرية التفكير في حرية التعبير كي نصل الى حرية التغيير الذي نحلم به.
إن حرية الصحافة التي هي الخطوة الأولى على طريق التغيير، ليست مسؤولية السلطة وحدها ولا الصحافي وحده. انها مسؤولية المجتمع برمته، وهنا تبرز أهمية المجتمع المدني الذي إذا إتحد صان نفسه من كل الضغوط التي تمارس عليه.
بارود
ثمّ ألقى الوزير السابق زياد بارود كلمة جاء فيها:
“لم نعد نحاكم على ما نكتبه، بل ربّما على ما لم نكتبه، وعلى ما فكّرنا في كتابته بعدما حلمنا به خلال الليل! لم نعد نحاكم ونحاسَب على ما نقوله، بل ربّما على ما يعتقدون أنها كانت نيّاتنا ولم نقلها لسبب أو لآخر! تُرى، ماذا يحصل في لبنان؟ ولماذا هذا الجنون وهذه “الهستيريا” لدى المجتمع ؟” (جبران تويني، 26/9/2002)
هذا الكلام لمن بات واحدا من شهداء الصحافة، لا يزال صالحا بعد سبعة عشر عاما على حبره. لماذا؟ بكل بساطة لأن الشرخ بين الحق الدستوري والواقع المعاش لا يزال قائما لمصلحة حفنة من الحاكمين بأمرهم، بمنأى عن أية محاسبة، بل أحيانا بغطاء قانوني مؤسف.
حرية الصحافة، حرية دستورية
“حقوق دستورية”، قان غسّان تويني عام 1950، وهي فعلاً كذلك ..
فالدستور اللبناني (الذي وضع عام 1926) يكرّس حرية التعبير في المادة 13 منه التي نصّت عىل الآتي:
“حرية إبداء الرأي قولا وكتابة، وحرية الطباعة وحرية الإجتماع وحرية الجمعيات كلّها مكفولة ضمن دائرة القانون”
لكنّ هذا “القانون” غالبا ما كان يأخذ بيد، ما أعطاه الدستور بيد. فالمادة الأولى من قانون المطبوعات، مثلا، نصّت على أن “المطبعة والصحافة والمكتبة ودور النشر والتوزيع حرّة، ولا تقيّد هذه الحريّة إلاّ في نطاق القوانين العامة وأحكام هذا القانون”. وبذلك، جاء التقييد بموجب عدد من القوانين التي أفرغت الحرية من معناها، وهي قوانين حظّرت على المطبوعات نشر كمّ من المعلومات والمعطيات، تحت طائلة الملاحقة القضائية، وإذا كان من غير الممكن تعداد كل تلك القوانين هنا، فإن أبرزها هي الآتية:
– المرسوم الإشتراعي رقم 55 تاريخ 5/8/1967 المتعلق بالمناشير والبيانات والبلاغات التي لا تنشر في المطبوعات الدورية والتي يحظّر طبعها وإصدارها قبل الحصول على ترخيص مسبق.
– المرسوم الإشتراعي رقم 1 تاريخ 1/1/1977 الذي أخضع جميع المطبوعات لرقابة الأمن العام المسبقة، مع حق إلغاء المضمون كلياً أو جزئياً. وقد ألغي هذا النص بالقانون رقم 14 تاريخ 25/2/1986.
– قانون القضاء العسكري الذي كان يعطي المحكمة العسكرية صلاحية النظر بجرائم المطبوعات. وقد ألغيت هذه الصلاحية عندما أنيطت، حصرياً، بمحكمة المطبوعات، بعد قانون 1962.
آليات الوصول إلى المعلومات
لكنّ الرقابة الأهم على الصحف (وعلى المطبوعات الدورية، عموما) تبقى تلك التي تمارس بالإستناد إلى طبيعة المواد المنشورة، بحيث يبدو أن المشترع قد أبقى على حق “الإقتصاص” من الصحيفة التي تنشر مادة غير مرغوب فيها، كأن تنشر محاضر مجلس الوزراء أو تفاصيل التحقيق الأولي في ملف قضائي، مثلا. وفي ذلك ضرب لحق الحصول على المعلومات (freedom of information)، وهو حق دستوري كانت كرّسته المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بصورة غير مباشرة عندما نصّت على أنه “لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير. ويشمل هذا الحق حرية إعتناق الآراء من دون أي تدخل، وإستقاء الأنباء والأفكار وتلقّيها وإذاعتها بأية وسيلة من دون التقيّد بالحدود الجغرافية “. كان ذلك عام 1948، قبل ثورة المعلومات والإنترنت والفضائيات. وقد تكررّ المبدأ عينه في المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966 الذي انضم إليه لبنان عام 1972. وقد صدر قانون حق الوصول إلى المعلومات بعد نضال طويل: هذا نصف الكوب الملآن، أما النصف الآخر فآلياته التطبيقية المنتظرة.
تصنيف المعلومات
يمكن تصنيف المعلومات ضمن فئات ثلاث
1- المعلومات المحرّمة: وهي تشمل المعلومات المتلعقة بأسرار الدفاع، والمعلومات المرتبطة بالتحقيق الأولي أمام النيابات العامة وقضاة التحقيق، والمعلومات المرتبطة بالفرد في حياته الخاصة الشخصية (المعلومات الطبية، المعلومات ذات الطابع الحميم …)
2- المعلومات المقيّدة: وهي معلومات لا يمكن الإطلاع عليها (وبالتالي نشرها) إلا ضمن شروط معينة، وتشمل: المعلومات المرتبطة بالسرية المصرفية المعلومات “العدلية” والشخصية (سجل عدلي، أحوال شخصية)، وعموما المعلومات التي لا يمنع القانون الإطلاع عليها عليها إذا أثبت طالبها أن له صفة أو مصلحة في الحصول عليها.
3- المعلومات المباحة: وهي المعلومات المعدّة أصلا لإطلاع الجمهور، وهي تتضمّن: المعلومات التي تؤمنها السجلات الرسمية (سجل تجاري، سجل عقاري …)، والمعلومات التي ينص القانون على وجوب نشرها (موازنة بعض شركات القطاع الخاص، التفرغات التي تحصل في شركات الإعلام المرئي والمسموع)، ومنها بعض التقارير الرسمية (ديوان المحاسبة، التفتيش المركزي، مجلس الخدمة المدنية).
القدح والذم
في بلد كلبنان تميّز بحرية الرأي وبحركة إعلامية رائدة في محيطه، تؤدي وسائل الإعلام والنشر دوراً أساسياً في تمكين (empowerment) المجمتع المدني في إطار المساءلة. وقد ساهمت تلك الوسائل في مواكبة الأداء السياسي والإداري والمالي والخدماتي وأتاحت للبنانيين إمكان الحصول على المعلومات. وقد مارست الصحافة هذا الدور بإمتياز، على الرغم من القيود المانعة للنشر وعلى الرقم من القيود “التهويلية” التي تتمثل بالسيق المسلّط على أهل الصحافة والإعلام من خلال ما يعرف بجرمي القدم والذم. وبالفعل، فإن ما يحول بصورة أساسية دون تداول المعلومات هو نص عقابي يسمح بملاحقة صاحب المعلومة و/أو ناشرها دون أن يتمكن الأخير من تقديم إثبات صحتها رفعا للعقوبة. وفي تلك “وقاحة” تشريعية تصل إلى حد تمكين المرتكب من أن يلاحق، من يفضح إرتكابه، بدل أن يعتبر إثبات الأخير لصحة ما يقول بمثابة إخبار يحرّك النيابة العامة!
وعلى ذلك، فإن أخطر ما تتعرّض له الصحافة اللبنانية من “رقابة مؤخّرة”، إذا صحّ التعبير، هو رقابة المحاكم التي يمنع عليها قانون العقوبات أن تتيح لمرتكب الذم، تبريرا لنفسه، أن يثبت حقيقة الفعل موضع الذم أو إثبات اشتهاره. هكذا حوكمت صحيفة النهار والصحافي نقولا ناصيف منذ سنوات في معرض نشر معلومات ترتبط بأداء أحد المسؤولين، على الرغم من إثبتات صحة المنسوب لهذا الأخير. وما كانت إلاّ أشهر قليلة حتى تغيّر الظرف السياسي ولوحق ذاك “المسؤول” بالإستناد إلى المعلومات ذاتها!
وقد حدا هذا الواقع بالعميد ريمون إده (وهو من السياسيين والبرلمانيين اللبنانيين المشهود لهم) أن يكتب من منفاه الباريسي إلى رئيس مجلس النواب، يوم كان المجلس يناقش قانون “الإثراء غير المشروع” ، مقترحا صرف النظر عن هذا القانون والإكتفاء، كبديل عنه، بتعديل المادة 583 من قانون العقوبات، بحيث ترفع العقوبة عن الصحافي الذي يثبت صحة ما يدّعي، إذا كان ذلك في إطار مصلحة عامة أو شأن عام[5].
وفي كل ذلك، تفرض وسائل التواصل الاجتماعي ذاتها على المشهد الإعلامي. “المحررون” فيها ليسوا بالضرورة منتسبين إلى النقابة ولا هم حتى من أهل الصحافة. كلّ يغني على تغريدة أو “بوست”، بحيث بات الفضاء السيبيري مساحة تعبير لا حدود لها. هل نذهب إلى قوننتها؟ برأيي أن لا. جلّ ما يمكن تنظيمه هو حدود القدح والذم والتحقير. وما سوى ذلك… فضاء!
لماذا هذا الحرص على حرية الصحافة وعلى “رفع الحصار” عنها؟ ولماذا الحرص على ولوج آليات قانونية وتشريعية ترفع الرقابة عن الصحف؟ ببساطة كلية: لأن دور صاحبة الجلالة، بالإضافة إلى دورها في تسهيل حق الإطلاع، هو السعي إلى تسهيل الــ “لا” التي كتب عنها عام 1949 المفكر ميشال شيحا، أحد أباء دستورنا، قائلاً: ” في أكثر البلاد تقدّما، ينصاع الناس بحرص ويخضعون بدقّة لأنظمة شديدة. ولكن تلك البلاد هي التي يعرف فيها الناس كيف يقولون “لا”، بالقدر الأكبر من القوة ورباطة الجأش”…
زعرور
وألقى الأستاذ زعرور كلمة جاء فيها:
اشكركم لهذه الدعوة الكريمة واهنئ جميع الصحفيات والصحفيين في لبنان بيومنا هذا، وأنقل لكم تحيات زميلاتي وزملائي في قيادة الاتحاد الدولي للصحفيين ونقاباته من جميع أنحاء العالم. الاتحاد الدولي للصحفيين هو المنظمة الديمقراطية الوحيدة التي تمثل الصحفيين حول العالم، وتضم في عضويتها 180 نقابة واتحاد وطني للصحفيين من 140 دولة حول العالم. وتنتخب الهيئات القيادية للاتحاد في المؤتمرات العالمية، ومؤتمرنا المقبل سيعقد لأول مرة في العالم العربي في شهر حزيران/يونيو المقبل في تونس.
في هذا الاسبوع من كل سنة، نظمت وتنظم نقابات الصحفيين في غالبية بلدان العالم لقاءات وفعاليات حول حرية الصحافة، والتحديات الراهنة والمستقبلية، وفي هذه الأيام نرفع رايات أخواتنا وإخوتنا الذين قتلوا اثناء قيامهم بواجبهم، أو الذين اغتيلوا وهم يحاولون تقديم الحقائق للمواطنين، ونطالب جميع الدول بتحمل واجباتها بانهاء الحصانة لقتلة الصحفيين. كما نتذكر رفيقاتنا ورفاقنا المغيبون في السجون بسبب عملهم ودفاعهم عن استقلالية مهنتهم، ونضالهم من اجل ايصال الاخبار والحقائق للمواطنين، كما نحيي آلاف الصحفيين الذين فقدوا ويفقدون عملهم لتمسكهم باستقلاليتهم التحريرية ومباديء مهنتهم. كما نوجه تحياتنا للشعوبنا ونجدد عهدنا بان نضالنا ودفاعنا عن استقلالية مهنتنا هي في المحصلة دفاع عن حق المواطنين بالحصول على الحقيقة والمعارف باعتبارهما ركائز الديمقراطية والعدالة الاجتماعية.
إن الشجاعة المهنية هي القيمة الأساسية التي تستند إليها الصحافة. كل الدول والشعوب تحتاج لصحافة وصحفيات وصحفيين شجعان يقدمون لهم دائما، وخاصة في الأوقات الصعبة والأزمات الوطنية، الاخبار والمعلومات والاراء التي تساعدهم في اتخاذ القرارات المصيرية. وغالبية الصحفيات والصحفيين الذين قتلوا حول العالم، سقطوا وهم يقومون بهذا الدور. ولكن بالنسبة لنا فإن الشجاعة الصحفية يجب ألا يتم فهمها كشجاعة الأبطال التراجيديين، اللذين يقفون وقفة اخيرة، يقلون كلمتهم الاخيرة قبل ان يقتلوا. وإنما الشجاعة كقيمة مهنية يجب ان تستند وتحمى من خلال بنى تشريعية وتنظيمية ومهنية تمكن الصحفيين من ممارستها.
ووجود قوانين ضامنة لممارسة العمل الصحفي بحرية واستقلالية هي أحد العناصر الممكنة للشجاعة الصحفية ولكنها ليست الوحيدة.
الجميع يدعم حرية الصحافة: الصحفيون، ملاك المؤسسات الاعلامية، السياسيون الديمقراطيون، وأنصاف الديمقراطيين والدكتاتوريين كذلك، المواطنون، مراكز القوى الاقتصادية والاجتماعية، ولكن…
هذه “ولكن” هي المعضلة الأساسية التي تواجهنا الصحفيين وقطاع الإعلام والتي نحاول تحييدها منذ عقود..
ومن اجل تجاوزها، عمل الاتحاد الدولي للصحفيين مع نقابات الصحفيين والمهنيين في العالم العربي على تحديد الإطار العام الضروري لازدهار صحافة حرة ومستقلة، واسفر هذا العمل بعد ثلاث سنوات من النقاشات الوطنية والاقليمية والدولية عن تبني “إعلان حرية الاعلام في العالم العربي،” في مثل يومنا هذا قبل ثلاث سنوات. وتضمن الاعلان ستة عشر مبدأ ينبغي ان تلتزم بها الدول وقطاع الاعلام في جهودهم لتحديث قطاع الصحافة والاعلام، وهذه المباديء مشمولة تحت أجزاء الإعلان الثلاثة: الجزء الاول المباديء العامة وتضمن (نطاق حرية التعبير وحدوده، حق الحصول على المعلومات، السلامة المهنية الاعلامية، والوعي بالإعلام). الجزء الثاني القيود على المحتويات الاعلامية (التدابير الجنائية، حماية السمعة، حماية الخصوصية، خطاب الكراهية والتعصب). الجزء الثالث: تنظيم قطاع الاعلام (ادوار الأطراف الفاعلة في قطاع الاعلام، الصحفيون، الإعلام العمومي، تنظيم الصحافة المطبوعة، تنظيم الاعلام المرئي والمسموع، تنظيم الانترنت، التنظيم الذاتي، والمساواة).
لغاية الان، قامت ست دول عربية بتبني هذا الاعلان كمباديء استرشادية لاصلاح قطاع الاعلام، وإننا نتطلع لأن تقوم الحكومة اللبنانية بتبنيه في اقرب فرصة ممكنة ليكون اساسا يستند اليه جميع الأطراف المعنية بقطاع الاعلام في لبنان عند التفاوض على تحديث قطاع الاعلام اللبناني.
ولكن ينبغي الانتباه أيضا إلى ان هذا الاعلان الذي يسعى لضمان حرية الصحافة واستقلاليتها هي احد ركائز قطاع اعلام فاعل، مستقل وحيوي ويخطو على مسار التنمية المستدامة.
الركيزة الاخرى هي النموذج او القاعدة الاقتصادية التي تمكنه من الازدهار والتقدم. وجميعنا نعرف ان النموذج الاقتصادي التقليدي للاعلام يتعرض لضغوط شديدة بل أنه قد تهاوى في كثير من المناطق والبلدان. ولذلك لا يجدي الحديث عن حرية الصحافة والاعلام إن لم يرافقها التفاوض والاتفاق على تاسيس نموذج اقتصادي جديد للصحافة يتوائم مع اسس الاقتصاد الرقمي ويستطيع اطلاق الصحافة الى الأمام.
بمعنى أخر، لا يجدي فقط ان نناضل من اجل ضمانات قانونية وتنظيمية تكفل حرية الصحافة في الوقت الذي فقد فيه نصف الصحفيون عملهم وغالبية النصف الاخر تعاني من انهيار في شروط التشغيل ، مسكونة بالقلق على المستقبل، وتكافح من اجل تأمين حياة كريمة لهم ولعائلاتهم.
الشعار الاساسي للاتحاد الدولي للصحفيين، والذي تم تبنيه السنة الماضية في الؤتمر العالمي لحرية الصحافة الذي نظمته اليونيسكو في أكرا/غانا يقول:
لا يمكن ان تكون هناك صحافة حرة ما دام الصحفيون يعيشون في ظل الفقر والخوف والفساد.
وفي هذا المناسبة، فقد أكد الاتحاد الدولي للصحفيين أعلن انه يدعم البرنامج الذي تبناه مجلس النقابة، وهو مستعد دائما لتقديم الدعم التقني والمساندة والتضامن للصحفيين في لبنان ولنقابتهم، كما أنه مستعد للحوار وتقديم المشورة للأطراف الأخرى الشريكة في عملية تحديث القطاع بما في الحكومة، والبرلمان او ملاك المؤسسات الاعلامية .
عواضة
وألقى الأستاذ واصف عواضة كلمة جاء فيه:
لا ادري ما اذا كان الحديث عن حرية النشر، ما يزال منطقيا ورائجا،في زمن بات فيه كل مواطن في العالم قادرا على امتلاك وسيلة إعلامية، بالمجان ومن دون ترخيص ؟
وأخشى أن أقول إن عالم الاعلام والمعلومات ،الميديا، ربما يحتاج اليوم الى ضوابط ومعايير ومواثيق شرف تضع حدا لهذا الفلتان المستشري والفوضى العارمة التي تركت أثرا سلبيا على الصحافة وحريتها والعاملين فيها،في اطار من الحرية المسؤولة.
وهنا أسارع الى القول إن حرية الصحافة كمهنة شريفة رسالية ،وكمورد رزق لنفر كبير من الناس في جميع أقطار العالم،هي اليوم في خطر،حيث تتعرض اليوم لشتى صنوف الازمات والمعاناة على أكثر من مستوى،ليس فقط من جانب الأنظمة التي يضيق صدرها بالحرية،بل أيضا نتيجة هذا الفلتان العارم الذي لم نعد نميز فيه بين الصحافي كمهني ،وبين المتسلقين على أكتاف أبناء المهنة ،وكذلك نتيجة الوضع الاقتصادي وتطور الوسائل التي تنقل الخبر والمعلومات للمتلقي ،لدرجة باتت الصحافة المكتوبة في محنة مريرة ،وسوف تلتحق بها الصحافة التقليدية الأخرى مرئية ومسموعة.
الحرية بشكل عام مناخ متعدد العناصر:هي مناخ سياسي ،ومناخ اجتماعي ،ومناخ اقتصادي .وما لم تكتمل هذه العناصر الثلاثة ،تبقى الحرية ناقصة.وهذه المعايير تنطبق على حرية الصحافة والاعلام.
المناخ السياسي لحرية الصحافة مسؤولية الأنظمة الحاكمة بما تنتجه من تشريعات وقوانين.وهنا تتعدد الرؤى بين أنظمة حرة أو موجهة أو فردية.
والمناخ الاجتماعي يتعلق بثقافة الحرية لدى الجمهور الذي يتلقى ما تنتجه الصحافة.وهذا يتطلب أيضا ثقافة اجتماعية منفتحة،بمعنى قبول الشرائح الاجتماعية لبعضها البعض، وباختصار قبول الآخر.وليس بالضرورة هنا أن نقبل رأي الآخر،المهم أن نقبله هو أولا.
أما المناخ الاقتصادي لحرية الصحافة ،فالجانب الاساسي فيه هو الكفاية .بمعنى أن الصحافي أو الاعلامي لا يمكن أن يكون حرا ومستقلا ما لم يكن مكتفيا .
وهنا المعادلة بسيطة في مجال حرية الصحافة .الصحافة الحرة تحتاج أولا وآخرا الى صحافيين أحرار.ولكي يكون الصحافي حرا يفترض أن يكون مكتفيا ،لأن الصحافي الجائع يسهل شراؤه وتدجينه،وما أكثر المشترين .فالكفاية شرط من شروط الحرية ،مثلما هي شرط من شروط الديموقراطية.والمجتمعات الفقيرة الجائعة قلما تنتج حريات ولا ديموقراطيات سليمة.وقد يقول قائل إن بلدا كالهند مثلا يشذ عن هذه القاعدة.أقول نعم هذا صحيح ،ولكن لا أجد لذلك تفسيرا سوى أن عظيما من عظماء هذا العالم هو المهاتما غاندي استطاع ان يرسم للهند وأهلها الفقراء طريقا مميزا يحتذى به.
ولا يخفى على أحد هنا، الازمة التي تمر بها الصحافة المكتوبة في العالم أجمع ،نتيجة التطور الذي حصل على صعيد الاتصالات.وقد عبرت هذه الأزمة عن نفسها بإنتاج بطالة مخيفة في هذا القطاع.يكفي أن نشير الى أن الاحصاءات سجلت خلال السنوات العشر الماضية في الولايات المتحدة مثلا أكثر من ثلاثين ألف صحافي عاطلين عن العمل.أما في لبنان فقد تجاوز عدد هؤلاء الألفين ،من محررين وعاملين في قطاع الاعلام،وهذه نسبة كبيرة جدا تبعا لمساحة لبنان وعديد سكانه.
نحن في نقابة محرري الصحافة اللبنانية توقفنا طويلا أمام هذه الظاهرة ،وقدمنا الكثير من الافكار والاقتراحات التي ذهبت حتى الى حد تمويل الصحف لكي تحافظ على ديمومتها وديمومة العاملين فيها .وقد أعددنا بالتعاون مع وزارة الاعلام مشروعا إنقاذيا يكون مدخلا لضمانات تحفظ كرامة الصحافيين وسبل معيشتهم .هذا المشروع الذي أقره مجلس الوزراء لا يزال نائما في الادراج منذ 5 آذار عام 2017،مثلما بقيت الافكار والاقتراحات حتى الآن صرخة في واد.
وعليه قررت النقابة التحضير لمؤتمر وطني اعلامي عام ،وقد أعددنا الكثير من المقترحات والافكار والعناوين التي تبحث في المشكلة ،وتقترح بالتالي حلولا ناجعة لها ،همنا الاساسي تأمين الضمانات اللازمة للصحافيين ،وأبرزها صندوق تقاعدي وضمانات صحية واجتماعية تصون شيخوختهم وبطالتهم من المعاناة.كما نرمي من وراء هذا المؤتمر الى إنجاز “شرعة وطنية للاعلام” تتحول الى قانون يقره مجلس النواب ،ويحدد الدور والمسؤوليات والحدود وميثاق الشرف الاعلامي الذي يفترض بالعاملين في المهنة الالتزام به.
أختم لأقول وأكرر: إن حرية الصحافة ستبقى منقوصة ما لم تتأمن سبل الاكتفاء للعاملين في هذه المهنة ،وهذه مسؤولية مشتركة بين الدولة والنقابات المهنية ،بدءا من النقابات الوطنية مرورا باتحاد الصحافيين العرب وانتهاء بالاتحاد الدولي للصحافيين.
حنينة
وأجرى الدكتور حنينة مداخلة تحدّث فيها عن الصحافة بين الأمس واليوم وأبرز موجة من التفاؤل حول الصحافة الورقيّة، وقال: تعلّمت مهنة الصحافة على يد كبار من الصحافيين اللبنانيين بينهم، الأستاذ كميل منسّى في فترة عملي في جريدة ال” أوريان لوجور”. الواشطن بوست اشتراها صاحب “آمازون” ب 250 مليون دولار ومن ماله الخاص وليس من مال الشركة، كما يقول الرئيس ترامب. وأنفق حوالي 40 مليون دولار من أجل نهضتها تقنيًا، ولم يعتمد على الإعلانات بل على التوزيع والمبيعات. وهذا يعني أن هذه الصحافة يجب أن تتحوّل إلى أداة مجتمعيّة ضخمة.
وقال: أنا مع الصحافة الورقيّة، وليس فقط لكونب أبن هذه الصحافة، بل لأني مقتنع أن الصحافة الورقيّة لديها القدرة لأن تكون فعّالة في المجتمع. الصحافة الورقيّة كان لها دورها وسيبقى هذا الدور ولها أسبابها لتستمر على الرغم من كلّ التحديّات. نعم هناك إمكانيّة لإحياء الصحافة الورقيّة، ولكن وفق اعتبارات جديدة لتواكب التطورّات التقنيّة والتكنولوجيّة. سياسة البلد كنّا نعرفها من خلال الصحف في ساحة البرج. ولهذا أقول أن الصحافة الورقيّة يجب أن تستمر. نعم في عالم اليوم الصحافة الورقيّة لها مكانها ومكانتها، شرط أن يعرف المسؤولون عنها حمايتها.
القصيفي
وفي ختام الندوة شكر نقيب محرّري الصحافة اللبنانيّة الأستاذ جوزف القصيفي المشاركين في إحياء اليوم العالمي لحريّة الصحافة في لبنان وخصّ بالشكر الإتحاد الأوروبي ومكتب اليونسكو الإقليمي في بيروت والإتحاد الدولي للصحافيين وممثلي القيادات العسكريّة والأمنيّة والحزبيّة والآكاديميّة وبلديّة الحازميّة وكل الزملاء الذين لبّوا دعوتنا وأثروا اللقاء بحضورهم.
الأسمر
وكان رئيس بلديّة الحازميّة الأستاذ جان الأسمر كلمة ترحبيّة جاء فيها:
أهلاً بكم في داركم، القصر البلدي لمدينة الحازمية.
أردنا لمدينتنا أن تكون، كما فرضت جغرافيّتها، مدينة إلتقاء لمختلف الثقافات والحوارات، ومختلف التطلعات العالمية، وقد بدأنا بالأمس القريب خطوة الألف ميل، ونكمل معكم الطريق.
“لا تكون أي ديمقراطية مكتملة من دون توفــّر إمكانية الحصول على معلومات شفافة وموثوقة؛ إنها حجر الزاوية لبناء مؤسسات عادلة ونزيهة، وإخضاع القيادات للمساءلة، ومواجهة من في يدهم السلطة بالحقائق”، من كلمة الأمين العام للأمم المتحدة.
وها نحن اليوم، وككلّ ثالثٍ من شهر أيار، نحتفل باليوم العالمي لحرية الصحافة الذي أطلقته الأمم المتحده وتبنته اليونيسكو في العام 1991 ، وهو يوم لتشجيع وتنمية المبادرات لصالح حرية الصحافة، وتقييم مدى هذه الحرية على امتداد العالم، ومناسبة لتذكير الحكومات بضرورة احترام التزامها بحرية الكلمة.
أهمية هذا اليوم العالمي يجب أن تتجلي أيضاً من حيث تقديم الدعم لوسائل الإعلام المستهدفة بالتقييد أو بالإلغاء، وهنا نبدي أسفنا الشديد على تراجع المطبوعات الورقية في لبنان والعالم واندثار جيل كامل من الأرشيف الصحافي والكلمات الحرة، من السفير الى الحياة والمستقبل الورقية ودار الصياد العريقة.
إنّ تراجع الصحافة الورقيّــة لا يلغي مبدأ حرية الكلمة، بسبب البوابات الإلكترونية، إلا أنّ التطوّر الحاصل يكاد يفقد الموضوعيّة لصالح الرأي الشخصي والذاتي، غير أنّ الحرية دون ضوابط توصل غالباً الى فوضى قد لا تكون بناءة.
إننا إذ نجدّد الترحيب بكم في بيت العراقة والتطور، القصر البلدي لمدينة الحازمية، نعود فنرحّب مجدداً بالإقتراح السابق لسعادة النقيب القاضي بنقل المكتبة من داركم الى هذا القصر، وهو امر يسعدنا سيّما واننا بصدد تطوير المكتبة الحالية وتزويدها بالكتب والمجلدات، الورقية والالكترونية، مع دراسة جدية لاطلاق العمل فيها، رغم التراجع الكبير الحاصل في نسبة المطالعة، لكنـّـنا لن نستسلم!