البطريرك صفير ولغة العيون

كتب رئيس المركز الكاثوليكي للإعلام الخوري عبده أبو كسم في “المسيرة” – العدد 1694

البطريرك صفير ولغة العيون

لا بقول إيه ولا بقول لأ

 

يصعب الكلام على رجل كبير وهامة من هامات وطن الأرز، الّذي أذهل العالم شرقاً وغرباً بتواضعه ورفعته في آن، فاحترمه من عاداه قبل الّذين أحبوه، لأنّه كان ينطق بالحق من دون مواربة، بكثير من الحزم والأدب والإحترام، مع بساطة قلّ من يتّقنها، فاستحق التقدير من جميع عارفيه على مختلف مراتبهم الكنيسة والسياسيّة والإجتماعيّة والراعويّة، فأصبح عن حق أيقونة البطريركيّة المارونيّة الدائم كما يحلو لغبطة أبينا البطريرك الكاردينال مار بشاره بطرس الراعي أن يسمّيه.

تجربتي مع البطريرك مار نصراللّه بطرس صفير ابتدأت بشكل مباشر من خلال مسؤوليّتي في المركز الكاثوليكي للإعلام، فأصبحت زيارتي أسبوعيّة إلى الصرح، وبالتحديد يوم الجمعة، كنت أحظى في البداية بلقاء صغير بعد الغداء برفقة المطران رولان أبو جودة لكي أسلّمه التقرير الإعلامي الأسبوعي، ولكي أتزوّد بتوجيهاته، فكان يدقّق في كلّ حدث إعلامي أو سياسي يخص الكنيسة، وكنت، في القضايا الكبيرة، أسترشد برأيه، وقد أكسبني هذا الأمر خبرة وحنكة في رسالتي الإعلاميّة والكنسيّة.

في بادئ الأمر، كان حذراً منّي لأمرين، الأمر الأوّل لأنّه لا يعرفني جيّدا ًبمعنى أنّه لم يختبرني، بحيث كانت علاقتي معه من قبل غير مباشرة، إذ كانت تمرّ بنائبه العام المطران رولان أبو جوده، وثانياً كان هناك من يحذّره مني، كوني إبن الجنوب وتربطني علاقات صداقة ومودّة مع العديد من الأطراف السياسيّة والإجتماعيّة في تلك المنطقة.

 

بداية المشوار

كان إختباري الأوّل معه يوم قرّر زيارة الجبل في الأوّل من آب عام 2001 لإجراء المصالحة التاريخيّة، وبصفتي مسؤول في الإعلام الكاثوليكي وإبن الأبرشيّة الصيداويّة الشوفيّة، طلب منّي أن أقوم بالتحضيرات الميدانيّة للزيارة، تاركاً لمطراني بيروت وصيدا، سيادة المطران بولس مطر وسيادة المطران طانيوس الخوري التنسيق مع الجهات السياسيّة المعنيّة.

ومن المعلوم أن هذه الزيارة كان دونها عقبات، وكان دوري أن أقوم بتنفيذ البرنامج ودراسة المواقع المنوي التوقف فيها والتنسيق مع اللجان المحلية لإنجاح الإستقبال شعبياً وفق الخطة الموضوعة من اللجنة العليا، كما كان دوري التنسيق مع الأجهزة الأمنيّة والإطلاع على اللافتات الخاصة بالزيارة، بالإضافة إلى التغطية الإعلاميّة الخاصّة بها.

قبل أسبوع من الزيارة، كان هناك إجتماع للّجنة العليا في الديمان، وكنت من ضمن المشاركين، وفتحت أمام غبطته خارطة القرى والمحطات الّتي سيتوقّف فيها والتحضيرات المنجزة، فنظر إليّ بعينين من القلق والشك والتعجّب وقال: «هل كلّ شيء أصبح جاهزاً؟» فأجبته بالإيجاب فلم يقم بأي ردّ فعل.

تمّت الزيارة بنجاح، وكنت إلى جانب غبطته على الأرض في كلّ مراحلها لمدّة ثلاثة أيّام، وعند انتهاء الزيارة ودّعته عند العاشرة ليلاً عند مفرق بلدة عاريا، فنظر إليّ نظرة فيها من التقدير والرضى وسألني: «إلى أين ستذهب الليلة، أإلى الجنوب؟» فأجبته: «نعم». قال: «رافقنا إلى الديمان»، فاعتذرت من غبطته لأنّ التعب كان قد أخذ مأخذه منّي، ومن بعد تلك الزيارة بدأ مشوار الثقة، وكانت الإنطلاقة.

 

لا بقول «إيه» ولا بقول «لأ»

ظهر نهار الأحد الموافق 17 تشرين الأوّل 2004 وردني إتصال من دولة الرئيس نبيه برّي، وكنت في الجنوب، وطلب منّي إذا أمكن أن أوافيه إلى عين التينه عند الثالثة عصراً، وعندما ألتقيت دولته سألني عن شخصيّة مارونيّة مطروح إسمها للتوزير في حكومة الرئيس عمر كرامي، وقال لي: «أريد أن أعرف رأي صاحب الغبطة إذا كان يوافق على هذا التعيين وإذا أمكن قبل السادسة مساءً»، فأكملت طريقي إلى بكركي وعرّجت إلى مكتب المطران أبو جوده ليرافقني لسؤال غبطته عن موقفه من الرسالة الّتي أحملها، فرمقني غبطته بنظرة من أسفل إلى فوق وأجابني: «لا بقول إيه ولا بقول لأ»، فاتصلت على مسمعه بدولة الرئيس برّي وقلت له «غبطته لا بقول إيه ولا بقول لأ»، فأجابني الرئيس قائلا»: «فهمت»، ولكنني أنا لم أفهم ما قصده الرجلان إلا بعد أسبوع عندما أعلنت التشكيلة الحكومية، وكان إسم الشخص المطروح من ضمنها.

 

ليلة إغتيال الرئيس الحريري

في الرابع عشر من شباط عام 2005، كلفت بمهمة استقبال مطران موناكو المونسنيور برنارد بارسي، ومرافقته لمدة أسبوع في زيارة خاصة كان يقوم بها إلى لبنان حيث حلّ ضيفاً على البطريركية المارونية، وكان قادماً من باريس حيث وصل عند الساعة السابعة مساءً إلى مطار بيروت فاستقبلته على باب الطائرة، لكن الجو العام في لبنان كان يلفّه الحزن بسبب اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري عند الواحدة بعد الظهر، لم يكن ضيفنا على علم بهذه الكارثة لأنّه، لحظة وقوعها، كان على متن الطائرة.

وصلنا عند الثامنة والربع إلى الصرح البطريركي فوجدت غبطته في انتظارنا وهو يتمشّى وحيداً في الممشى الداخلي للصرح قبالة مكتبه، وكان شاحب اللّون، فأعرب المطران بارسي لغبطته عن أسفه الشديد لهول هذه الكارثة، ومن ثم انتقلنا إلى المائدة لتناول عشاء بسيط مع الضيف، وكان غبطته شارد الذهن، وبعد أن أوصلنا الضيف إلى غرفته سألني غبطته: «هل ستعود الليلة إلى الجنوب؟» فأجبته: «نعم»، فأوصاني بالحيطة والحذر بعد أن اعتذرت عن البقاء في بكركي، لكنّي سمحت لنفسي أن أقول له: «سيّدنا الهيئة الأمور تخطّت الخطوط الحمر، وعلى غبطتك أن تتوخّى الحذر، فربما الأمر قد يصل إليك». فرمقني بنظرة بعيدة وهزّ برأسه. وانصرفت بعد أن أخذت بركته وعدت قافلاً إلى منزلي في بيصور من منطقة جزّين بين لهيب الإطارات المشتعلة على طول الطريق من بيروت إلى صيدا وسط صخب الناس المنتشرين على الطرقات.

هذا غيض من فيض من تجربة غنيّة عشتها على مدى إثني عشرة سنة مع رجل كبير أكسبتني خبرة فيها من المواقف الحلوة والصعبة في آن، فالبطريرك رجل التواضع والصلاة والصخرة الوطنية الكبرى، يكسبك الحكمة في التعاطي والشجاعة في المواقف والتشبّث بالحق وقول الحقيقة مهما كانت صعبة. علّمني الإلتزام أوّلاً وآخراً بكنيستي الّتي لي شرف الخدمة فيها بروح الأمانة الّتي غرفت من معينها من شخصية هذا البطريرك العظيم، ولا زلت أغتني من لغة العيون الّتي تعلّمتها من نظراته.

أتمنّى لغبطته دوام الصحّة وأسأل اللّه أن يحفظ لنا بطريركنا الغالي مار بشاره بطرس الراعي الّذي أحاط البطريرك صفير بكل محبّة وعناية، وهو يردّد على مسامعنا: «سنعيّد المئة عام مع البطريرك صفير مع مئويّة لبنان الكبير».

وفي الختام أقول لمن تحلو له السنون، لسنين عديدة يا سيّد.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل