




كتب ميشال معيكي في “المسيرة” – العدد 1694
مُعلِّمنا «الخوري نصرالله صفير»
ما تمزحوا معو… ما بيحب الولدني… فهمنا وبقينا أوادم
كلما كنت أرى البطريرك صفير على شاشاتنا الصغيرة في عظة الأحد، تقفز من الذاكرة صورة الخوري نصرالله صفير…
الى مطالع ستينات القرن الماضي (1961 في مدرسة الأخوة المريميين (الفرير- جونيه).
ذات صباح بارد يدخل الى القاعة مدير الدروس العربية الأب أنطون الحداد، وبعد نحنحة ـ كما عادته ـ أبلغنا أن معلم اللغة العربية قد تركنا وأن أستاذاً آخر يحلّ مكانه بشكل موقت…
راهب نحيل شديد الإسمرار مع لحية سوداء متروكة، وبصوت هادئ خفيض، راح يفحص مداركنا. صرفاً ونحواً وقراءة ومخارج حروف وإلقاءً وثقافة عامة… ويتفرّس في وجوهنا الصغيرة ويسأل عن أسمائنا و«من وين إنت؟».
بعد الصف، سألنا: مَن المعلم، رجل الدين؟ قيل لنا إنه الخوري نصرالله صفير ـ من ريفون ـ أستاذ الأدب العربي وتاريخ الفلسفة العربية والترجمة في الصفوف العالية، وسيُعلّمنا بضعة شهور. (كنا في الصف الثاني تكميلي)… و«ما تمزحوا معو، ما بيحبّ الولدني»… فهمنا وبقينا أوادم. فالرجل جدّي، لا يطيق الزاحلي، وبونا أنطون الحداد بالمرصاد، وإذا اضطُر لدعم لوجستي فالأخ روبير مدير الصفوف التكميلية عنده الخبرة والعدّة اللازمة.
لا أذكر مرة أن زجرنا الخوري صفير. ولا رفع صوته. لم يطرد أزعرًا من الصف ولا عنّف ولدًا. كان يدخل الى القاعة بهدوء ووقار. وكنا نقرأ أمامه بصوت عالٍ، أخبارًا عن «كليلة ودمنة». وكان يسألنا ويُصحِّح. ثم نلقي شعرًا لأبي شبكة والأخطل وشوقي، وكان يقول مشجعًا: «معيكي منيح. شدّ حالك بعد»، وكنت أشدّ حالي لإرضاء الوجه الوقور ـ الذي لا يضحك للرغيف السخن ـ وطمعًا بعلامة عالية. وكان يمشي الحال.
… الكلام على معلّمي الخوري نصرالله صفير يُعيدني الى مرحلة بهيّة من تاريخ لبنان… من شبابيك مدرسة الفرير في جونيه، كنا نقشع بهاء تلة بكركي ـ الصنوبر، وكان طاغيًا ظل البطريرك المعوشي (بطريرك العرب محمد المعوشي كما أطلقوا عليه بُعيد ثورة 1958) في جونيه وصربا… والجوار.
قرب المدرسة كان يسكن جارنا فخامة الرئيس الأمير اللواء فؤاد شهاب، وكنا نتفرّج على موكبه كل صباح خارجًا من بيته، قاصدًا القصر الجمهوري في صربا. الحرس الجمهوري والشرطة العسكرية. ومن سيارة الرئاسة ـ المقعد الأمامي ـ مرافقه الرقيب أول طنوس (رفيق أبي بالسلاح) كان يغمزني، فأتباهى أمام رفاق الصف. مساء كان الرئيس شهاب ـ أحياناً ـ يتمشى قليلاً مع زوجته الست روز، يبتسم لنا، يمشي ونسرِّب الى بيوتنا، نقرأ ونكتب الفروض…
ذات صباح من العام 1962، وكان الخوري نصرالله صفير قد سِيم أسقفاً (وعُيِّن نائبًا بطريركيًا منذ أشهر وانصرف الى مهماته في بكركي)… دخل علينا مدير الدروس العربية الخوري أنطون الحداد (صديق الرئيس شهاب ورئيس بلدية غزير يومها) وتلا أسماء بعض الطلاب البارزين في اللغة العربية من تلامذة الخوري صفير، وطلب إلينا التوجه الى الأوتوكار، بمعيته ومرافقة أستاذ العربية الشاعر نعيم يزبك… «نطلع الى بكركي لتهنئة معلّمكم الخوري صفير الذي صار سيادة المطران نصرالله صفير».
سُررنا لغير سبب… نتفرّج على البطرك المعوشي، نبارك لمعلّمنا ثوبه الجديد والعصا الحبرية، صار عندنا واسطة مع السماء «صار ما صار»، والأهم من كل ذلك، نتخلّص من صف الرياضيات وعدوانية الفرير الفرنسي إيزيدور.
دخلنا البهو الكبير في الصرح البطريركي، يتقدمنا بونا أنطون ومعلّمنا الجديد نعيم يزبك… كان الوقار متجسّدًا… ثوبه الأحمر، تحت صورة الحبر الأعظم. راح يُحدّق فينا. كان مهيبًا… ذكّرني بالمير بشير الشهابي الكبير. كدنا نخاف من فرط وهرته… إنه البطريرك بولس المعوشي شخصيًا… وما أدراك. ومجد لبنان أُعطي له عن جدّ… على مقربة منه، كان معلّمنا الخوري نصرالله، وقد غيّر «حلاّسه» ولبس جبّة أخرى مع شرائط حمراء، وأخرى صليبًا مذهّبًا على صدره. وأخذ يتطلع في وجوهنا واحدًا واحدًا مع إبتسامة ناعمة ورضى.
سلّمنا على صاحب الغبطة، وهو جالس، وعلى معلّمنا… «مبروك سيّدنا»… (حاولنا التبرّك بتقبيل يده، لم يقبل تواضعًا، وسحب يده بسرعة)، بعدها وقف أستاذنا الجديد، الشاعر نعيم يزبك، أخرج من جيبه قصيدة. لا زلت ـ حتى الآن ـ أحفظ بيتاً منها: «.. نحبك نصرالله والأمس شاهد وجونيه حيُّ بمعهدها الذكرُ…».
كان صوته جهوريًا، وكانت عينا المطران صفير تبرقان وهو يُصغي ويهز رأسه برضى وتواضع، فيما البطريرك مطرق، يتطلع الى ساعته حيناً ويُحدّق في وجوه الأولاد أمامه، فالمرحلة كانت خطيرة وفي خاطره كانت تموج هموم كبيرة.
حين الكلام على الخوري صفير، بطريرك أنطاكيا وسائر المشرق، (ومجد لبنان أُعطي لبكركي) تطلع من الذاكرة أسماء وقامات وتواريخ وأحداث… أرست ركائز وطن وجمهورية عسى أن نعرف كيف نحميها.
* نشر في مجلة مؤسسة البطريرك صفير 2017.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]