بين المنازلة والموازنة

غريب جدًّا ما يحدث في لبنان في هذه الأيّام، تستباح العقول والكرامات ولا يتحرّك ساكن. يكفي البحث في الملف الاقتصادي لإسقاط أنظمة حكم بكاملها. في جمهوريّة الموز يسقطون الحكم، إذا لم يستطع إدارة البلاد إقتصاديًّا. أمّا في لبنان فتكاد تنقضي ثلاثة عقود والحال هي هي، لا بل تسير من سيء إلى أسوء.

لسنا في معرض الدخول في متاهات النق والنقيق، ولا نقبل بأن ننعت بأننا قوم “لق” فقط، نحن الذين عرفنا بمبادرتنا وإقدامنا عندما استدعانا الواجب، ولم نهرب يومًا من أداء واجباتنا، لا سيّما الوطنيّة منها.

 

حتى هذه الساعة ما يتم الحديث عنه في ملف الموازنة هو مخيّب للآمال. وليس على قدر طموحنا كلبنانيين. وما زال اللبنانيون حتى هذه اللحظة، يتأمّلون خيرًا بكل الذين أولوهم شأنهم العام. لكن المفارقة الكبرى تكمن بآفة التعميم، على الطريقة اللبنانية: “كلّن يعني كلّن”. فليسمح لنا هذا البعض. الغضب على فئة ما يجب ألا ينسحب على الجميع “قشّة لفّة”. يكفي أن نتابع طريقة العمل لنعرف ما حقّقه هذا البعض الممتعض المنتقد.

لقد اكتفى اللبنانيون غوغائيّة في المواقف، وشعبويّة في التصرّفات. إنّ سوق الكلام لن تدِر أرباحًا انتخابية طائلة لأصحابها بعد اليوم. مهما حاول هذا البعض تحوير الحقائق، للتاريخ حكم، وحكمه مبرم، ولو بعد حين. وإلقاء التهم جزافًا، الذي يتزامن وسياسة نبش القبور المفتعلة، لا ينطليان إلا على أصحاب القلوب الحاقدة.

 

إن التطاول على الرموز الدينية مرفوض من أي جهة أتى. لا يعني هذا، السكوت عن الخطأ، لئلا يتحول مشاركة في الجريمة. لكن من غير المقبول في بلد يترنّح تحت مختلف الأعباء الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة، أن تنبري جماعة من ناسه لتصب جام حقدها على رجالات صنعت مجد لبنان. ولم يرفّ جفن السلطات القضائية لتستدعي أيًّا من هؤلاء.

عار علينا في بلد دفع من تاريخه ١٤٠٠ عاماً من النضال، وجود فئة حاقدة فيه، ولهذه الدرجة، على مَن مِنَ المفترض أن تكون في نفس السفينة معهم. أولم يتعلّم بعد هؤلاء من تجارب التاريخ؟

 

زمن المنازلات والمهاترات الانتخابية والتنافسيّة بهدف المصالح الشخصيّة يجب أن ينتهي، وهذه المرّة إلى غير رجعة. إن أردنا بناء وطن يليق بأمجاد شهدائنا وقديسينا، علينا أن ننكر ذاتنا لنستطيع أن ننقل أهلنا من دولة المزرعة إلى دولة الوطن. وهذه الدولة لن تتحقق متوائمة مع الحقد والحاقدين والذين يعيشون على تغذية الأحقاد، وذلك لسبب بسيط جدًا هو أن الحقد يقتل صاحبه من الداخل، ولبنان ليس أرضًا للأموات بل هو أرض حياة، وأرض قداسة وشهداء قديسين.

هذه الفلسفة التي يجب أن يقوم عليها لبنان. ومن هذا المنطلق نتطلع إلى الانتهاء من المنازلة الحاقدة لنصل إلى الموازنة الواعدة. ولا ينتظرن أحد بعد اليوم أن نُجَرّ إلى منازلات في الشارع على حساب قناعاتنا. فالدولة هي دولة لو كانت على رجل واحدة. لكن هذه الدولة يجب ألا تسيء إلى أبنائها ويجب ألا تفرّق فيما بينهم، فتزرع الثقة في قلوبهم فيطيعونها بإرادتهم وليس بالاكراه.

 

بين منازلة اليوم وموازنة هذا العام تاريخ طويل من المغالطات في ممارسة الحكم. وبين منازلات الماضي والموازنات الغائبة تاريخ من الانكسارات والانهزامات تخلّله ظهورات ونجاحات واستثناءات. جلّ ما نريده أن يستثمر وطننا قابليّة الحياة المولودة فيه ليكون على قدر الذين رحلوا لنبقى، ونبقى.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل