زيارة دمشق بمناسبة عيد مار مارون… السبت 9 شباط 1963 -1

كتبت “المسيرة” – في العدد 1694

 

غادرنا بكركي نحو الساعة الثانية عشرة برفقة الخوري أنطون حداد وشقيقه ألفرد وعبده سالم، شماس سيادة المطران فرح، فوصلنا الحدود السورية حوالى الساعة الثانية إلا ربعًا حيث استقبلنا باسم الحكومة مدير التشريفات الدكتور سموحي بكر فوق العادة، وعدد من أبناء الطائفة في دمشق عرفنا منهم: جورج عبديني، ألبير أبو راشد، أديب قهوجي، الدكتور سعادة، عركوش عركوش، الأستاذ جورج غانم، إميل أبو خاطر وغيرهم، وعلى رأسهم الأب لويس حرفوش، والخوري جرجس باز، ورئيس مدرسة الفرير مع إثنين من معاونيه. واستقبلنا باسم الجيش فرقة من بنات الدفاع المدني، وقدمن باقة زهور، وكان أحد مندوبي شركة التلفزيون يلتقط الصور. ثم دعانا مدير التشريفات للركوب في سيارته، مع الأب لويس حرفوش، فامتطيناها الى قصر الرئاسة حيث سجلنا إسمنا في سجل التشريفات. وقد صحبنا الوفد بكامله الى القصر، وبعد فترة إستراحة عدنا الى دار الوكالة البطريركية حيث صحبنا بعض أبناء الطائفة. وفي الطريق أشاد سموحي بكر بمناقب غبطته ومواقفه ودعا له بالتوفيق وطول العمر.

1- أتتنا في المساء أرملة الدكتور مرشد خاطر وسألتنا أن نرجو غبطته أن يتدخل لدى سيادة المطران زيادة ليحوّل وقفية آل الأصفر في بيروت الى الوكالة البطريركية في دمشق التي لا تزال مديونة، وبحاجة الى عدد من المشاريع التي لا بد منها، وفي رأسها إصلاح الكنيسة.

2- ثم اختلينا بوكلاء الوقف: جورج عبديني وألبر أبو راشد والأب لويس حرفوش، فأعطونا فكرة عن حالة الوقف، ووعدوا بتقديم تقرير مالي في أقرب وقت، وعرفنا أن الوقف لا يزال مديوناً لأحد أبناء آل أصفر بمبلغ ثمانية آلاف ليرة، وأن المدافن في حالة مزرية، وأن جثث الموتى معرّضة للإمتهان والإحتقار.

3- عرض الأب لويس حرفوش أن هناك بيتاً ملاصقاً للوكالة البطريركية يريد صاحبه أن يبيعه بمبلغ ثلاثين ألف ليرة ولكن من المعقول أن يقبل بمبلغ خمسة عشر ألف ليرة.

 

القداس الرسمي

أقمنا القداس الرسمي في الساعة التاسعة والنصف. لبسنا ثياب التقديس في ردهة الإستقبال واتجهنا بها الى الكنيسة، وقد حضر القداس سيادة السفير البابوي والمطران مدور والمطران ستيتي، ورئيس الكنيسة الإنجيلية، ومثّل فخامة رئيس الجمهورية السيد أحمد الفتيح، رئيس غرفة الرئاسة، ومثّل رئيس مجلس الوزراء السيد أحمد العامري، أمين عام رئاسة الوزراء، ومثّل الحكومة الوزراء السادة رفيق بشور للثقافة، وروبير الياس الأشغال، وجورج خوري وزير الصناعة، والعميد أمين خوري مندوب من قائد الجيش، كما حضره جمهور غفير من المؤمنين والمدعوين من كل الطوائف، وقد ألقينا كلمة بالمناسبة ذكّرنا فيها بسيرة حياة القديس مارون.

وبعد القداس تقبّلنا التهاني وكان بين المهنئين السيد مأمون الكزبري، رئيس مجلس النواب سابقاً، وقد حضر وكلفنا بإبلاغ سلامه الى غبطة السيد البطريرك. كما حضر القداس سفيرا فرنسا وإيطاليا، والملحق بالسفارة الأميركية، وغيرهم كثيرون. وقد ألقى كلمة الأستاذ حسيني.

 

مقابلة الفريق زهر الدين قائد الجيش: «… قلة تسيء الى العلاقات اللبنانية ـ السورية»…

من 10/2/1963 في الساعة الحادية عشرة توجهنا الى مقر أركان الجيش مع بعض من أبناء الطائفة حيث قابلنا الفريق (عبد الكريم) زهر الدين قائد الجيش، فإذا هو رجل يحبو ظاهرًا الى الستين، ممتلئ نشاطاً وحيوية، مشيته تنمّ عن إحترام، وفي صوته نبرة جازمة عسكرية. إختليت به مقدار ثلث ساعة سألني فيها عن الحالة أولاً، فأبديت الأسف الشديد لما بين لبنان وسوريا من قطيعة، وأشرت الى أن هناك بعضًا من الناس الذين أعمتهم المصالح الخاصة، وأفسدت الرشوة ضمائرهم، يسيئون الى البلدين، ولكن هناك فئة واعية وهي الكثرة تسعى جاهدة لإصلاح الحال، وفي طليعتها غبطة السيد البطريرك، وهو يبذل الجهود المبرورة الخيّرة في سبيل إعادة الوئام والتصافي، وهو يعرف مع جميع المخلصين أن لبنان وسوريا يتمم أحدهما الآخر، وأن ما ينال أحدهما من سوء ينال الآخر وأقرب البلدان الى لبنان وسوريا، وقد قيل: جارك القريب ولا أخوك البعيد.

فأجاب الفريق أنه واقف على مساعي صاحب الغبطة البطريرك المعوشي وهو يشكره عليها، لكنه يرجو أن يضاعف المجهود لتنقية الجو، وأن يسعى لدى المسؤولين في لبنان وخارجه لإصلاح الوضع. وأبدى أن هناك مآخذ كثيرة على المسؤولين في لبنان، فهم يسمحون للمتسللين بعبور الحدود وإثارة الشغب في سوريا، وأكد أنه تم القبض على عدد منهم، وصرّحوا أنهم أتوا للتخريب، وذكروا أسماء الذين انتدبوهم لهذه المهمة التخريبية، وقال إنه يؤلمنا أن نعامل لبنان بالعنف والقسوة، وإن القوى العربية نحتاج إليها لغير تفرقة العرب. وتطرقنا الى سياسة عبد الناصر القائمة على إثار الشغب والقلاقل فقال: لقد جربنا الرجل وعرفنا نفسيته، فهو يريد أن يسود العرب بالإرهاب، ونحن أناس نأبى الضيم، وما حيلتنا إذا كان الله خلقنا أباة وذوي إنفة؟

ثم شكا من أصحاب الجرائد المأجورة الذين يقولون إن الجيش السوري ضرب حصارًا على دير العشائر. فابتسم باستخفاف وقال: وهل دير العشائر يقتضي لها دبابات لنقضي عليها؟ وما هي دير العشائر؟ ونحن لو أردنا لانقضضنا على لبنان واستولينا عليه بسرعة. ولكننا نأبى العنف، ولا نريد الإيقاع بإخواننا العرب. ثم أشار الى أن هناك إثارة فتن طائفية من قبل الناصريين، وقد حاولوا منذ شهرين القضاء على المسيحيين، ولكن الحكومة قابضة على زمام الحكم بيد من حديد، ولكن إذا أفلت هذا الزمام أو تراخت الحكومة، فماذا تراه يحل بالمسيحيين في سوريا؟ وأين يذهبون إذا ضيّق عليهم ما دام لبنان مهددًا بالوقوع بين أيدي الناصرية؟ وهل حكام لبنان يعتقدون أن لبنان يسلم إذا وقعت سوريا؟ ثم أردف قائلاً: لسنا بخائفين، فنحن أبعد الناس عن الخوف، والوضع سليم، ولكننا نأبى أن نقاتل إخواناً لنا، وتساءل قائلاً: لماذا الأميركان يشجعون عبد الناصر؟ إن هناك في ظني إحتمالين: محاربة الشيوعية وتأييد إسرائيل. أما محاربة الشيوعية فلا تكون على يد عبد الناصر. وأن من نقول له: أنت شيوعي كل يوم وليل ينتهي بأن يصبح شيوعيًا، فنحن الآن لسنا شيوعيين، ولكن إذا تابعوا هذه الخطة نحونا، فإننا سنصبح شيوعيين وهذا ما لا أرجوه. وهذا شبلي العريان، الذي كان يجلس في هذا الكرسي ويستعطف، إستأسد اليوم.

ثم سألنا: ما رأيكم في جيش لبنان وما هي إتجاهاته؟ فأجبناه: نعتقد أنه مقسوم على نفسه وأن فيه إتجاهين.

ثم سأل: ما رأيكم في النواب؟ فأجبناه أنهم منقسمون كذلك، فأجاب: إذن لماذا تقومون بعمل يصلح الأوضاع. وسأل أخيرًا: هل قمتم باتصالات مع أحد؟ فأجبناه: حتى الآن لم نزر أحدًا ونحن ننوي زيارة شكري بك القوتلي، فأجاب: على كل نحن نعوّل على غبطة السيد البطريرك ونفوذه وحكمته وحنكته لإصلاح الأوضاع قبل تفاقم الأمر واتساع الخرق، بحيث يصبح من الصعب رتقه، وأنا أتألم لانقسام العائلات بين لبنان وسوريا، ونحن نعرف أن كثيرًا من الناس لهم أولاد ونساء في بيروت مثلاً وهم في سوريا، بينما هناك من هم في سوريا ورجالهم في لبنان. وهذا وضع شاذ لا يُطاق. ونحن نعرف أن الكثرة من المسيحيين غير راضين إلا المأجور منهم، فلو تكاتف المسيحيون مع إخوانهم الدروز وبعض المتاولة وقاموا بعمل حاسم، لأعادوا الأمور الى نصابها على ما نظن.

فأجبناه: إننا سننقل الى غبطته أقواله وتمنياته، ورجونا أن تصطلح الأحوال بفضل جهود الخيّرين المخلصين من أمثاله.

(يتبع)

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل