البطريرك صفير

 

الشائعة الصادرة عن نفوس مريضة، التي تناولت صاحب الغبطة والنيافة الكاردينال مار بطرس نصر الله صفير، «مستعجلة» رحيله عن هذه الفانية كشفت الى أي مدى قد دخل غبطته في وجدان اللبنانيين الذين ينظرون الى سيّد بكركي السابق نظرة الرمز الكبير الذي وقف معهم في الشدائد كلها رافعاً الصوت  بصراحة وجرأة، مندّداً عندما التنديد واجب، غاضباً عندما «الغضب المقدس» قولة حق.

 

أن يرحل غبطته (أمد الله بعمره ومنحه الصحة والعافية ورفع عنه هذه الشِدة الصحية) فهذا أمر طبيعي… فإبن آدم مهما طال بقاؤه فمصيره في ختام رحلته على الأرض «على خشبةٍ محمول». كما قال كبيرٌ من الشعراء الاوائل. ولكن أن يسمح بعض التافهين من أهل التفاهة والسفاهة، لنفسه بأن يصدر شائعة من هذا النوع، تتناول هذه الشخصية الاستثنائية الفذة في مجالات اللاهوت والثقافة، والوطنية الصافية(…)  فهذا دليلٌ على المدى الذي بلغته قلة الأخلاق في هذا البلد.

 

وبعد، فغبطة البطريرك صفير مثّل، حتى من قبل ولايته في السّدة البطريركية، حالةً لبنانية ذات شخصية فذّة نادرة. فلم يساومْ ولم يتردد. لم يتوانَ لحظة عن الرأي الصريح. وهو صاحب القول الشهير «قلنا ما قلناه».

 

لقد تسّنى لي أن أتعرف الى غبطته عن قرب، وازدادت علاقتنا متانة بفضل الدور الذي أدّاه صديقنا المشترك الزميل العزيز الأستاذ جورج عرب الذي رأى في غبطته صديقاً وابناً وكاتماً للسّر. وطوال هذه المعرفة وجدتُ في البطريرك صفير شخصية استثنائية بكل ما للكلمة من معنى، خصوصاً من حيثُ شمولية الثقافة. وألمعية الذكاء، والذاكرة «الرهيبة» (…). وأوّل لقاء وجهاً لوجه، مطوّل، كان في دارة الأستاذ عرب في الديمان، المقرّ البطريركي الصيفي، حيث تلطف الأخ جورج بدعوتنا الى عشاء اقتصر على غبطته وصاحب الدعوة وكاتب هذه الكلمات. وأود أن أسّجل أنه قُيض لي أن ألتقي ملوكاً ورؤساء وحكّاماً وأساقفة كباراً، وأن أعقد معهم محادثات، وأن أشاركهم السفر والاجتماعات المطولة، ولوجه الحقيقة فإنّ تلك الجلسة الأولى مع غبطته لا تزال محفورة في ذاكرتي لما تبيّـن لي، خلالها، من شخصية البطريرك صفير المكتنزة فهماً، وعمقاً، وصدقاً، ولبنانية، وميثاقية. والمشبعة بأرقى معاني السيادة والكرامة الشخصيتين والوطنيتين.

 

وأذكر اتصال غبطته بي غداة ندوة عُقدت في قاعة دير مار الياس انطلياس، حول كتاب غبطته «حارس الذاكرة» الذي تولاه الزميل عرب إعداداً وإشرافاً. وتكلمت في الندوة الى جانب الرئيس حسين الحسيني والوزير ميشال إدّه، وسيادة المطران (المرحوم) رولان أبو جودة والأستاذ سهيل مطر… ولا تزال كلماته ترن في أذني: لقد أكرمتني بما قلته في شخصي المتواضع. فأجبته: سيّدنا، غبطتك تكريم للبنان.

 

اليوم، البطريرك في أزمة صحية جدّية، وليس لنا سوى الدعاء الى الله تعالى أن يساعده.

 

سيّدنا البطريرك صفير عافاك الله، فأمثالكم (النادرون) تليق بهم الحياة مهما امتد بهم العمر

المصدر:
الشرق

خبر عاجل